أثارت تماثيل كليوباترا السابعة، آخر ملكات البطالمة في مصر، تساؤلات عدة حول مدى جمال هذه الملكة، التي طالما نُسجت حولها الأساطير. وذلك كونها نجحت في إيقاع الكثيرين في هواها، حتى صارت محور الصراع في الإمبراطورية الرومانية، وقد بدت كليوباترا في تماثيلها قصيرة وبدينة نسبياً، ذات ملامح غير متناسقة، وهذا يعود إلى الاضطراب الذي ساد الفن المصري أثناء تلك المرحلة، متقلباً ما بين التقاليد الإغريقية والأخرى الفرعونية، وظهر هذا الاضطراب في قطع فنية كثيرة.

لعل الكثير من القطع التي اكتشفت ضمن الآثار الغارقة على شاطئ الإسكندرية، في السنوات الأخيرة، أكثر البراهين التي تكشف ملامح متناسقة لكليوباترا، مع لمسات جمال نسبي، وهذا يعود إلى أن هذه القطع صنعت بعناية لتوضع في القصر الملكي والمعبد الكبير في الإسكندرية. وهكذا نرى انه لم تكن كليوباترا رائعة الجمال، ولكنها كانت جميلة وذات دهاء سياسي.وهو ما أهّلها لأن تصبح ذات طموح يهدف إلى السيطرة والتحكم، فعندما تولت حكم مصر في العام 51 قبل الميلاد، واندلع لهيب الحروب الأهلية في روما، مدت كليوباترا يد المساعدة إلى بومبي الأكبر في صراعه مع قيصر.

لكن بومبى هزم وفر إلى الإسكندرية؟ حيث قتله رجال البلاط، ليبرهنوا لقيصر الذي تبعه إلى هناك أن مصر قطعت علاقاتها مع أعدائه، وبذلك لم يبق ثمة داعٍ لغزو مصر.

زوجة قيصر في روما بعد حرب قصيرة عنيفة تُعرف بحرب الإسكندرية، أوقعت كليوباترا قيصر في هواها، فتزوجته في مصر وأنجبت منه طفلاً، وغادر قيصر أرض الكنانة إلى روما طالباً من كليوباترا إرجاء إعلان زواجهما في روما إلى أن تتوطد له الأمور، وسرعان ما لحقت به كليوباترا على أمل أن تصبح إمبراطورة روما، لكن آمالها لم تلبث أن انهارت، عندما استثارت مطامع قيصر غضب الجمهوريين الرومان فقبضوا عليه في العام 44 قبل الميلاد.

آسرة قلب انطونيوس

وبادرت كليوباترا في ظل هذا الواقع للهرب إلى مملكتها، فأخذت ترقب انتصار أصدقاء قيصر، انطونيوس واوكتافيوس، قبل خريف العام 42 ق م. وذهب انطونيوس إلى الشرق ليتولى أمره، وأرسل في استدعاء خاص إلى كليوباترا لتوبيخها، وما كاد يقابلها في طرطوس بسوريا، حتى أحرزت نصراً حاسماً على قلبه، وعندما عادت إلى الإسكندرية سارع إلى اللحاق بها وقضى في صحبتها شتاء العام 41 ق م، مستمتعاً بتلك الحياة الفريدة التي خلد الكتاب والشعراء ذكراها في النفوس وفى الآداب.

لكن سرعان ما أجبرته الأحداث في روما على العودة إليها، ليتزوج هناك من أخت اوكتافيوس. ولما عاد إلى سوريا في العام 37 ق م، كان الشوق قد استبد به فاستدعى كليوباترا واعترف بها كزوجة له، واعترف بولديه التوأمين منها، وحدث شيء مهم آنذاك؟ حيث تسببت تصرفات كليوباترا وانطونيوس في استعراض الجند، محتفلين بنصر روما على أرمينيا، في الإسكندرية بدلاً من روما، إذ تلقيب كليوباترا بملكة الملكات، تسبب في نشوب حرب بين اوكتافيوس وانطونيوس وملكته.

وانتهى الأمر بهزيمة انطونيوس وانتحاره قبل دخول اوكتافيوس الإسكندرية، ولجأت كليوباترا إلى الحيلة فهربت إلى مقبرتها وطلبت من المنتصر أن يعتلي أبناؤها العرش بدلاً منها، ولكن اوكتافيوس أخرجها وكنوزها من المقبرة، وحين تيقنت أنه سيضعها في مقدم موكب انتصاره في روما لإذلالها، وليعلن تبعية مصر للإمبراطورية الرومانية، انتحرت لتقضي على أمله هذا. ويومئذ قرر السيناتور الروماني اعتبار سقوط الإسكندرية في قبضة الرومان، عيداً وطنياً وبداية للتقويم المحلي في مصر.

دعاية مغرضة

ليس هناك دليل أنصع وأقوى يبين مقدار كراهية الرومان لكليوباترا وخوفهم منها، من مضمون روح الشماتة التي تتكشف في ما كتبه فحول عصر اوكتافيوس للإشادة بانتصار هذا الإمبراطور وهزيمة كليوباترا.

ولما كانت روما تسيطر على العالم آنذاك، فقد تبارى الشعراء المعاصرون بتلطيخ سمعة كليوباترا ورميها بكل نقيصة يمكن أن يصورها الخيال المغرض، من دون أن يجرؤ أحد من أنصارها على الدفاع عنها.

وظلت كتابات خصومها مصدراً لتاريخها حتى اليوم. ولاسيما الصورة التي صورت فيها واستهوت الشعراء وكّتاب القصة، إلا انه وعندما أخذ عدد من الباحثين المعارضين بتمحيص أقوال القدماء ومقارنتها، تبين لهم أن هذه الصورة مزيفة وان كليوباترا ملكة طموحة أبية، أكثر من غيرها من نساء الإسكندرية وروما، وأم وفية وأنها لم تكن أكثر من غيرها تبذلاً واستهتاراً، بل لعلها كانت أكثر من غيرها من سيدات الطبقة الراقية وقاراً واحتشاماً.

كليوباترا والتاريخ

تذكرنا شخصية كليوباترا في التاريخ المصري القديم، بشخصية حتشبسوت، تلك المرأة القوية التي تولت حكم مصر في عصر الدولة الحديثة الفرعونية، وتركت أثاراً معمارية أبرزها معبدها الشهير في الأقصر، وحتشبسوت هي الخامسة في ترتيب الملكات اللواتي حكمن مصر الفرعونية، وهن: مريت نيت، خنتكاوس، نيت إقرت، سبك نفرت، تاوسرت.

وتميز حكمهن عن الفراعنة الرجال، بالاستقرار. لذا لم يكن غريباً، آنذاك، أن تتولى كليوباترا حكم مصر الذي عرف الكثير من الشخصيات النسائية ذات الطبيعة المتسلطة حتى العصر الإسلامي، حين اشتهرت شجرة الدر التي كان لها دور بارز في نقل الحكم من الأيوبيين إلى المماليك، وفى حياكة المؤامرات لكي يستقر لها عرش مصر، وانتهى الأمر بقتلها.

خالد عزب