القطار: تثبيت ما يستحيل تثبيته أحياناً، لكنه التثبيت الذي يراعي قانون الجاذبية الأرضية، ولغة المساحة الواسعة والتقريب الجمالي، بين التكوين الأمثل والمطلوب للقطار وأذواق الناس وطرق الاستجابة لراحتهم، تجارياً طبعاً.

تمثل فكرة القطار جانباً لافتاً من الغرائبية، وذلك من جهة التكوين والتحرك والتعامل معه في الواقع!

ليس القطار سيارة، رغم أنه ينافس السيارة هذه في السرعة وأداء أكثر من وظيفة في حمل الركاب وأمتعتهم والشحن. ليس القطار باخرة، رغم أنه في حركته الانسيابية الموجَّهة مأخوذ بجاذبية المكان وثقلها تضاريسياً.

ليس القطار طائرة بالتأكيد، رغم أن ثمة تقيداً تاماً بالخط الذي يشده إليه، إذ للطائرة فضاؤها، وللقطار خطه الأرضي المعلوم، ليكون فيما يأتي به دخولاً في عصر اجتراح المباغتات، تحت راية حداثة مسماة!

يحيل القطار الحديث العهد في تكوينه المعدني، وهو في هيئة اللسان المتعدد الحلقات، على جغرافيا لم تعد قادرة على إخفاء مجهولها، وهي تجمع بين المديين: البرّي والمائي، والمحلّق عالياً عبر الاستناد إلى ركائز مثبتة في الأرض وعريضة، كما لو أن ثمة رغبة في طي الفضاء بالذات، ليكون(القطار الطائر) حقيقة فعلية ذات يوم، وليس من خلال السرعة التي بات يُعرف بها هنا وهناك، لنكون نحن إزاء هندسة خيالات لا إقليدية محتفيً بها!

تقوم فكرة القطار على تحدي المساحات والحدود الواسعة الأرجاء وتجاوز الخوف من القادم، لأن الذي يتضمنه القطار، يؤهله لأن يكون ممثّل العصر الأكثر حداثية، وقدرة على استجابة الرغبات في الراحة والطمأنينة.

إنه التحدي الكبير لعالم مفتوح من الجهات الأربع، وكيف يمكن الوصل بين جهاته، فكأننا إزاء ترويض هنا له. لذا فإن ثمة ما يعزز الاتصال بالقطار والرهان عليه، وهو قابليته للتحول نحو الأفضل، تناسباً مع مساحة المكان، والتكوين المستطيل والعنفواني الذي يلازمه، والحشد الكائني الذي يُتلقَّم به، فنكون في مواجهة مفهوم جيلي له. لكل جيل أطوارُ تصورات وحكايات مغايرة عن قطارات تؤخَذ تراكيبها واهتمام الناس بها بمعايير ذوقية شتى!

يتجاوز القطار دلالته: من القطر: الشد: الجر، من خلال المقدمة التي تمثّل رأساً معداً لهذا الغرض، لأن ليس من مركبة إلا وتكون محكومة بمقدمة، لكن القطار يحتفظ بميزته في التوصيف، حيث يمكن الفصل بين الرأس وما عداه، وحينها لا يعود قطاراً كما هو متداول باسمه، إنه لا يلازم سكته فقط، وإنما يكون قطاراً بوجودها. في القطار هذا يمكن الوصل بين المشهد الرومانسي لظهوره وهو ينفث دخاناً، ودخولاً في فسحة البرية، وهو في انطلاقته النهرية، وانسلاخه المتتابع عن جلده:

قشرته السفلية، كما يوحي مظهره، والمشهد النقيض للرومانسية حيث تتأصل الفردية في الداخل، مثلما يبرز الزمن بالثواني، في مدنية الراهن، والحركة الكهربائية في صمت!

لقد صار القطار هذا، وخلال مئتي سنة النموذجَ الحي على تلك الضراوة في الإرادة لتفعيل العلاقة بين الحديد الذي تجلى أشكالاً متقاطرة، والأرض التي مُدَّت أو سخّرت له، دخولاً في عهد جديد، وقد تم تقليص المسافات، مثلما تم التخفيف من حدة المباغتات، حيث صار من السهل حيازة الأقاصي اعتماداً على الملموس في القطار.

القطار: تثبيت ما يستحيل تثبيته أحياناً، لكنه التثبيت الذي يراعي قانون الجاذبية الأرضية، ولغة المساحة الواسعة والتقريب الجمالي بين التكوين الأمثل والمطلوب للقطار وأذواق الناس وطرق الاستجابة لراحتهم تجارياً طبعاً.

لا ينفصل القطار عن عالم مدينة اليوم، إنه الجموح ما بعد الحداثي، ونحن نشهد تثاؤبات المدينة العالمية، حيث يبرز القطار علامة فارقة للمدينة ونوعية العمران فيها، إلى جانب الربط فيما بينها، وكأن التحفيز إلى تقديم نماذج أفضل في صناعة القطارات، يتناسب طرداً وتحدي المدينة في توسعها الأفقي والشاقولي، على حاجتها الماسة إلى الأكثر تفهماً لمستجداتها وتمتين العلاقات بين جهاتها، وما يصلها بالخارج، لأن الطاقة الاستيعابية أكثر.

كما لو أن الخطوط التي تقسّم المدينة وهي تحيلها جسداً حياً، وتلك الخطوط الصامتة والمرئية في آن، تمثل أعصابها أو أوردتها في تنشيطها بقدراتها المتجددة والمتنوعة، تشهد على أهلية المدينة في البقاء، وهي تستشرف خطوطها كما لو أنها مصبات أنهار، أو ضفافها، وهي تتلقى ما يرد إليها عن طريقها، وبتعددية خدماتها!

القطار: هذا الحوت الأسطوري المتمدّد الذي تم ترويضه والتحكم في سرعته، صار في واقعه العلامة الفارقة للمدينة الحداثية والدمغة الكبرى على حيوات مؤللة، تحفر في الأعماق، صار الملاذ الأكثر أمناً لها في تجنبها لزحام السير أو للحشود الجماهيرية التي تمثل ضغطاً غير محمودة عواقبه كلما استقطبتها محطات دون تصريف لتكون الحركة الدائبة للقطارات تعبيراً عن ذائقة مدينية، عملية أو وظيفية، لتفريق الحشود هذه، والحيلولة دون وصولها إلى نقطة تشعرها بأنها وحدة ضاغطة ولها وزنها المؤثّر أو السياسي الخطير، ولسان حال أولي الأمر وهم يعينون من يكونون أقدر على الاستجابة لهذا الهدف:

المزيد من التطوير، المزيد من تأمين الاحتياجات، المزيد من الوعود التي تشد الناس إلى أحلامهم وآلامهم وهم يتحركون في متون القطارات، وهذه تتولى المهمة المنوطة بها وما يتطلبه كل ذلك من يقظة مضاعفة في الحرص على سلامتها، وبقائها مستمرة في حركتها.

ربما هو إنسان اليوم وقد تثولث: ثلث يومه في العمل وثلث يومه في انتظار القطار وركوبه، وثلثه المتبقي في البيت ليكون التثليث ضريبة لا مهرب منها، للانتماء إلى مدينة اليوم، بجاذبياتها الفولكلورية الهائلة والشيقة أيضاً!

إبراهيم محمود