لن ينسى العالم مشهد الغوغاء وهم ينهبون متحف بغداد إبان دخول الجيش الأميركي إلى العراق في ابريل 2003، نهب عشوائي ومنظم ومليء بالغباء لثروة لا تقدر بثمن، تحت أعين الاحتلال الذي كان منشغلاً بتأمين وزارة النفط العراقية، ومن ثم بدأت تظهر مفردات المتحف حول العالم يتاجر بها اللصوص وحماتهم من سدنة القوانين، الذين لا يتورعون هم أنفسهم من اقتسام الغنيمة أو في توزيعها على متاحف الغرب، كما حدث خلال مائتي سنة فائتة نهبوا فيها روح الشرق وأودعوها متاحف الغرب.

لقد ساهمت الغوغاء في السرقة، غوغاء لا تعرف من التحفة سوى ثمنها البخس الذي يدفعه السماسرة ليعبروا بها الحدود نحو ثروة هائلة، لكن هل الغوغاء هي التي انتقت موجودات المتحف أم كان هناك خبراء نظموا الحفلة أو الجريمة، خبراء يعرفون قيمة تمثال الفتاة السومرية الذي يعرف بموناليزا العراق، وعلى الرغم من مرور كل هذه السنوات تعثرت جهود إعادة مقتنيات حضارة وادي الرافدين، الحضارة التي دمرها جورج بوش أسوأ رئيس عرفته أميركا أو أسوأ نيرون عرفه العصر الحديث.

غير أن هناك جماعات متخصصة في سرقة الآثار ما زالت تتنقل حتى الآن بين مواقع الآثار في العراق التي تزيد على 20 ألف موقع يقومون بعمليات نبش بدائية ، ومعظم هذه المواقع منتشرة في بيئات صحراوية وسهلية وجبلية مختلفة يجعل من المستحيل تشديد الحراسة عليها، ناهيك عمن يرتب حركة توجيه اللصوص نحو المواقع الأكثر ثراءً والتي فيها من اللُقى الأثرية ما خف وزنه وارتفع ثمنه، وفي ظل غياب الضمير الوطني لدى هؤلاء سوف تتوسع أعمال النبش العشوائية لتدمر وتسرق وتخرب كل ما لا تعرف قيمة له، ولتهرب كل ما تعتقد أنه مرتفع الثمن.

إن حماية التاريخ مسؤولية وطنية جماعية وليست فردية أو حكومية، ولا يمكن لأي حكومة أن تحمي التاريخ لولا مساهمة ايجابية من قبل أفراد المجتمع، وعندما أدركت بريطانيا أهمية ذلك راعت قوانينها المتعلقة بالآثار مسألة وجود قطع أثرية في أرض خاصة أو حديقة المنزل، فرأت من يجدها عليه أن يقوم بتسجيلها بشكل رسمي في المتحف ومن ثم يحق له الاحتفاظ بها.

وفي فرنسا قام أفراد من أبناء باريس بتهريب لوحات اللوفر إلى الضواحي وإيداعها لدى عائلات معروفة إبان الاحتلال النازي لفرنسا عام 1940 لحمايتها من السرقة أو التلف، وذلك ضمن حس وطني بحماية المنجز الحضاري الوطني وعدم سرقته أو نهبه، لأنهم يدركون أنها أكبر خدمة للعدو.

hussain@albayan.ae