يعيش العالم حالة سلام «نادرة» منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، رغم مجموعة من الحروب «الصغيرة» والمآسي المحلية مثلما في يوغسلافيا السابقة ورواندة». فهل أدرك البشر معجزة السلام الدائم؟ وهل اختفت الحرب من العلاقات الدولية؟ أم على العكس لا يزال «الوحش» بصدد التأقلم مع العالم «المعولم»؟ هذه هي الأسئلة التي يحاول مؤلف هذا الكتاب الإجابة عنها مؤكّدا أن المستقبل يرتبط بذكاء البشر وأيضا بلعبة الصدفة والضرورة.
تتوزع مواد هذا الكتاب بين أربعة أقسام تحمل العناوين التالية: الأول: «أسئلة تمهيدية» من نوع «هل تتحارب الثقافات»؟ وهل الدولة ذات السيادة آلة للحرب أم للسلام؟ وهل الديمقراطية عامل حرب أم سلام؟. الثاني: «لاعبو المستقبل»؟ وأسئلة من نوع: «الولايات المتحدة قوة حرب أم سلام»؟ هل سيؤدي استيقاظ الصين إلى خلخلة العالم؟ والدب الروسي ألا يزال مخيفا؟
وصل «الصغار يثيرون الخشية أكثر من الكبار»؟ وهل الاتحاد الأوروبي مصدر هز لاستقرار العالم؟ والإرهاب، هل هو وحش الغابة العالمية الجديد؟. القسم الثالث عنوانه:
«ورطات ومستجدات» وأسئلة: هل الشرق الأوسط برميل بارود كوني؟ وهل تشكل المناطق المحيطية رهانات جيوسياسية؟ وأسلحة الدمار الشامل عامل حرب؟ هل تكون ثورة إسلامية هي صدمة القرن الحادي والعشرين؟. والقسم الرابع: «ديناميات تدفع نحو السلام»؟، وأسئلة: هل تدفع حقوق الإنسان نحو عالم أفضل بالضرورة؟ وهل النساء حملة سلام؟ وهل تجعل الأمم المتحدة الحرب مستحيلة؟ وهل يحل السلام أخيرا؟
هذه الأسئلة كلها وغيرها يحاول المؤلف الإجابة عنها بفصول قصيرة (4 صفحات) يقدم فيها توصيفا للواقع وما ينجم عنه من احتمالات مستقبلية. ونقرأ في السطور الأولى من الكتاب يتم تقديم التوصيف بالتالي: «يبدو العالم في عام 2009 بالوقت نفسه أكثر توحيدا وأكثر انقساما مما كان عليه في فترة التنافس بين معسكري الغرب والشرق».
ويحدد المؤلف وجود خمس «عوامل» كبرى تساهم في صياغة عالم الغد. إنه يرى أولا أن العقود الأخيرة رأت تحلل «كتلتين» كبيرتين وليس الكتلة السوفييتية وحدها ومما أدى إلى تحرر دور أوروبا الوسطى والشرقية من هيمنة موسكو و«لجوئها إلى النوادي الغربية»، ويقصد بذلك الحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي. الكتلة الأخرى الكبرى التي «تحللت» تمتد من آسيا «الصين والهند» وصولا إلى أميركا اللاتينية «البرازيل والمكسيك». هذه البلدان «التحقت بدورات التبادل الاقتصادي والتجاري الحر».
كذلك «التحق مئات الملايين من الرجال والنساء بسوق عالمي للعمل وساهموا بعولمة المنافسة بين مختلف القوى الفاعلة من شركات وأشخاص ومراكز أبحاث...ودول». والعامل الثاني الذي ساهم في رسم ملامح عالم اليوم يتم تحديده ب«هجوم الحداثة» على مختلف المستويات، وما كان من نتيجته بروز «عامل» ثالث يتمثّل في المطالبة الحثيثة والمتعاظمة بتطبيق مبدأ المساواة. وذلك كاستكمال لمسيرة في هذا الاتجاه بدأت منذ ثورات القرن الثامن عشر في العالم الغربي.
والعامل الرابع يتمثّل في خلق آليات جديدة لمواجهة المشاكل العالمية مثل المحافظة على السلام والأمن الدولي والتجارة العالمية بحيث تشترك في العمليات كل الدول أو العديد منها. وتواكب هذا مع بروز بعض التجمعات الإقليمية مثل الاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي.
لكن هذا لم يمنع واقع أن العنف أصبح يتمركز في بعض المناطق، وما اعتبره المؤلف العامل الخامس في صياغة الوضع العالمي اليوم. وفي مقدمة هذه المناطق الشرق الأوسط. ولكن أيضا مناطق البلقان والقوقاز ومنطقة البحيرات في إفريقيا.
العالم الجديد يتسم قبل أي شيء بالتداخل من خلال تجارة السلع والمنتجات أو المعاملات المالية أو انتقال الأفكار. ومثل هذا التداخل يتبنى أن يدفع الإنسانية بالضرورة نحو قدر أكبر من العقلانية ومن المسؤولية ف«عالم أصبح صغيرا أكثر فأكثر» بفضل ثورة المعلوماتية والاتصالات، ينبغي أن يدفع البشر نحو «قدر أكبر من الآخاء»، وبالتالي نحو قدر أكبر من السلام.
وهذا ما يواجهه المؤلف بالقول أن «عالمنا، كما أظهرت التراجيديات اليونانية، ليس بمنجاة مع ذلك من أشكال الحقد بين البشر، وقد يكون من الخطأ الاعتقاد أن العالم يمكن أن يكون قد أصبح أقل ميلا للتنازع».
وتتم الإشارة في هذا السياق إلى نظرية «صدام الحضارات» التي قال بها المفكر الأميركي صموئيل هنتنغتون والتي رسم فيها أفقا للنزاع «المحتوم» بين الغرب والإسلام. لكن أمام مثل هذا الأفق الذي ينبئ ب«الحرب» يدافع المؤلف عن مقولة أن الحضارات والثقافات «لا تتقاتل» بل هي بالأحرى «تتفاعل». ويبقى السؤال قائما: حرب أم سلام؟
لكن تبقى مسائل الحرب والسلام مرهونة بالعديد من القوى الكبرى التي تطمح كلها إلى تثبيت مواقعها على المسرح الدولي. وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية.
ويحدد المؤلف القول: إن العملاق الأميركي قد اهتز منذ بدايات هذا القرن بفعل الأزمة الاقتصادية وتكدس الديون والمتاعب التي يواجهها على المسرح الدولي، في العراق وأفغانستان خاصة، الموقف المتردد أمام ملف السلام في الأفق القريب». مثل هذه التوصيفات كلها تفتح السبيل، حسب الرأي المقدّم، نحو أحد احتمالين، أولهما أن تكون الولايات المتحدة عامل استقرار في العالم، والثاني هو أن تكون على العكس عامل هزّ هذا الاستقرار.
ونفس المعادلة يجدها المؤلف بالنسبة للصين التي تمثل دائما في عيون الغرب «الخطر الأصفر» والتي قد يؤدي استيقاظها في العقود الثلاثة الأخيرة إلى «انبعاث إمبراطورية وسط العالم من جديد». وبالتالي إلى خلق موازين قوى جديدة ليس واضحا حتى الآن ما إذا كانت ستميل نحو تعزيز السلام في العالم أم ستدفع باتجاه حروب جديدة؟
الكتاب: الحرب أو السلام غدا؟
تأليف: فيليب مورو دوفارج
الناشر: ارمان كولان باريس 2009
الصفحات: 160 صفحة
القطع : الصغير
La guerre ou la paix demain ?
Philippe Moreau Defarge
Arman Colin - Paris 2009
160p.
