فجأة يصبح بعض الناس، وهم قلّة قليلة، من أصحاب الملايين. ومنذ فترة ليست بعيدة ربح عامل تونسي بسيط مبلغ 76 مليون يورو عندما «ابتسم له الحظ» في لعبة «الملايين الأوروبية» المشتركة بين عدد من بلدان الاتحاد الأوروبي، وفجأة أصبح ثريا، ثريا جدا ومن أصحاب الملايين بفعل «الصدفة» تماما.

والقاعدة هي أن يبقى الفائزون بألعاب الحظ مجهولين، إلا إذا أرادوا الكشف طواعية عن هويتهم. لكن للمرة الأولى سمحت المؤسسة المشرفة على ألعاب الحظ في فرنسا، وهي مؤسسة تابعة للدولة، وأحد مصادر الدخل الكبيرة لخزينتها، لباحثين سوسيولوجيين اثنين، هما مؤلفا هذا الكتاب، «أصحاب الملايين بضربة حظ»، بالتعرّف على هوية الفائزين. وقبل هؤلاء الفائزون المشاركة في مقابلات «معمّقة» أجراها المؤلفان معهما.ويشير المؤلفان أن حوالي 15 مليون فرنسي، أي ما يقارب ربع مجموع سكان فرنسا تقريبا، يمارسون «ألعاب الحظ» بانتظام. ويرون أنه «في مجتمع قائم أصلا على ما هو محسوب بدقّة مسبقا تمثل ألعاب الصدفة نوعا من السير المقصود في الاتجاه المعاكس».

لا شك أن عدد أولئك الذين يفوزون بالجائزة الكبرى قليل جدا. ذلك أن هناك حظا واحدا من أصل 19 مليون كي يربح الذين يشاركون في لعبة الحظ القائمة على إيجاد الأرقام التي تختارها الآلة بالنسبة للمستوى «الوطني» الفرنسي، وتصبح الاحتمالات حظّا واحدا من أصل 76 مليون عندما يتعلق الأمر ب«الملايين الأوروبية» أو «الأورو مليون».

هذا ما تؤكده الإحصائيات المقدّمة في الكتاب، إلى جانب تأكيد المؤلفين أن الرابح الحقيقي، وليس اعتمادا على الحظ، ولكن على المبالغ التي يراهن فيها اللاعبون، هو الدولة. فهذه الدولة تحصل على نسبة 33 بالمائة من مجمل مبالغ المراهنات كل مرة.

وما يتم تأكيده أيضا هو أن الفوز بالجوائز الكبرى ليس كل شيء. ذلك أن «الفائزين يدركون بالتجربة أن الهوة الكبيرة في الفوارق الاجتماعية لا تعود فقط إلى الثروة المادية. ومشاعر الاغتراب في مواجهة عوالم الفن يدفع للإحساس أن الثروة الحقيقية يصعب الوصول إليها. فهذه الثروة تتطلب وقتا لا يمتلكه الفائزون أبدا».

ويميّز المؤلفان بين الوريث الذي «يولد غنيا» ويتعلّم، مثل لغته الأم، تربية تجعله مؤهّلا كي يكون وريثا. هذا إلى درجة أن «التعلّم يتحول إلى نوع من الصفات الأصيلة لدى صاحبه ويتحوّل الوضع الاجتماعي للوريث إلى نوع من السمات الشخصية». ويتم تدقيق القول في هذا السياق أن عملية «التعلّم والتحوّل» تحتاج إلى عدة أجيال كي تغيّر من طبيعتها. يكتب المؤلفان: «إن فجائية الثروة تبرز سلطة المال أما العمل الرمزي للثروة القديمة فيتم توظيفه لبلوغ قيم ثقافية وأخلاقية».

وما يؤكده أصحاب الملايين «بضربة حظ» هو أن حياتهم قد «انقلبت رأسا على عقب». وإلى جانب الفرحة العامرة تُطرح مباشرة أسئلة عديدة حول الأسرة والأصدقاء والعمل والمال وتغيّر نمط الحياة والأحلام التي ينبغي تحقيقها. وهذا ما يلخصه المؤلفان بالجملة التالية: «فيما هو أبعد من الاندهاش مثل الأطفال الذين يكتشفون العالم، فإن الفائزين بالجوائز الكبرى يجدون أنفسهم أمام مهمة جديدة هي أن يُصبحوا أغنياء. وهذا ما لم تكن تربيتهم الأصلية قد أعدّتهم له (...). لقد أخذوهم على حين غرّة. ولا بد من مرور وقت طويل كي يصبحوا ما لم يكونوه بالولادة».

ويكتب المؤلفان: «لقد فعلوا مثل غيرهم عندما اختاروا أرقاما على ورقة اللعب تتناظر كل يوم ميلادهم وميلاد أطفالهم أو أهلهم أو الأرقام التي يحبونها أو تركوا الآلة تقرر مكانهم. وقد يفعلون ذلك وحدهم أو مع أسرتهم أو أصدقائهم (...).

وفجأة يتلقون مليون يورو أو أكثر. لقد انقلب مسار حياتهم فجأة، خلال بضعة دقائق. هكذا تسارعت دقّات قلبهم وانفجروا فرحا وفقدوا الوعي أحيانا. لكن أيضا وبسرعة كبيرة برزت تلك الحسرة المقلقة غير المنتظرة: فما العمل»؟

وأسئلة أخرى من نوع: لمن نقول الخبر؟ أين نذهب؟ هل نغيّر المنزل؟ هل نستقيل من العمل؟ ما تشير إليه الإحصائيات هو أن 9 من أصل كل 10 فائزين هم من الشرائح الشعبية. ويشير المؤلفان أنه منذ عام 1993 تقترح «مؤسسة ألعاب الحظ» الفرنسية «مرافقة» الفائزين لتخطّي «صدمة الثقافات» المترتبة على الفوز.

ولكن ماذا يفعل الفائزون مباشرة بعد «خبر» الفوز؟ يجيب المؤلفان: «إن الفائزين ينتابهم أولا الإحساس بالفرح ثمّ بإمكانية وقوع حدث ما مفاجئ سيئ. البعض يفكرون بوضع البطاقة الرابحة في «خزانة» ببنك، حسب نصيحة مؤسسة ألعاب الحظ، ويلجأ آخرون إلى وضع البطاقة بجيوبهم بحيث لا تغادرهم ليل نهار. وقد يخشون حدوث حريق طارئ، الخ».

وماذا فعل الفائزون بثروتهم الجديدة؟ يكتب المؤلفان عن حالة العامل الفرنسي محمد بركات الذي ربح 76 مليون يورو: «إن حليمة ومحمد بركات وأطفالهما الثمانية الذين عاشوا في شقّة متواضعة بأحد ضواحي باريس يملكون اليوم منزلا في موناكو مساحته 500 متر مربع وفي مسكن آخر مماثل في جنيف (...). كانت الأرائك في صالون شقتهم القديمة تخدم لنوم 5 من أطفالهم».

كيف التعامل مع الثروة المفاجئة؟ هذا هو الموضوع المركزي في هذا الكتاب، وفيما هو أبعد من شخصية الذين يفوزون فيها.

الكتاب: أصحاب الملايين بضربة حظ

تأليف: ميشيل بنسون مونيك بنسون شارلو

الناشر: بايوت باريس 2010

الصفحات: 271 صفحة

القطع: المتوسط

Les millionnaires de la chance

Michel Pinçon, Monique Pinçon ـ Charlot

Payot ـ Paris ? 2010

271p.