عندما دخلت القوات الأميركية بغداد في ربيع عام 2003 جرت عملية نهب كبيرة، ولا سابق لها في التاريخ، لمتحف بغداد الشهير الذي ضمّ بين جناحيه تاريخ العراق العريق منذ الحضارات الأولى من سومرية وبابلية وكلدانية وغيرها. ومع إعادة فتح المتحف من جديد بعد استرداد جزء مما كانت قد جرت سرقته منه تحدث كُثر عن البعد الثنائي للعراق.

فمن جهة تمثل هذه البلاد مهد حضارة كبيرة ومن جهة أخرى تشكل اليوم ساحة معركة حقيقية على الصعيد الجيوسياسي. والباحثان في التاريخ هانس ج. نيسن وبيتر هاين، يقدمان كتابهما تحت عنوان:

«من بلاد ما بين النهرين إلى العراق» ويعودان فيه إلى المحطات الرئيسية التي عرفها العراق منذ الحضارات الأولى التي عرفتها أرضه إلى الوضع الحالي وما تمثله البلاد من رهان استراتيجي، ليس على المستوى الإقليمي فقط، ولكن أيضا على المستوى الدولي.

يبدأ المؤلفان بفصل يعرضان فيه درجة التقدم الاستثنائي الذي عرفته حضارات بلاد ما بين النهرين، أو الهلال الخصيب، كما تختلف التسميات، في عصرها.

ويقدّمان البراهين على أن هذه المنطقة عرفت خلال تلك الحقبة مجتمعات مدينية ومنظومات في الكتابة ودرجة عالية في علوم الرياضيات، كما تدل بعض النصوص. وهذه كلها استفادت منها لاحقا إلى حد كبير الحضارة اليونانية القديمة. وكان لها تأثيرها الكبير في مجرى التاريخ الإنساني.

ولا يتردد المؤلفان في القول ان درجة التطوّر التي عرفتها تلك الحضارات على صعيد التقنيات الزراعية وبناء القرى الأولى التي تحوّلت فيما بعد إلى مدن وازدهار الصناعات الفخارية والنسيجية والتعدينية وإقامة نظام «معقّد» للري كانت بمثابة «ثورة» حقيقية. خاصة أنها ترافقت وتزامنت مع تطوير المبادلات التجارية بين القرى.

وكانت تلك التجارة قد تطلّبت تطوير العمليات الحسابية أيضا و«تدوينها» عبر الكتابة على ألواح فخارية. وفي ذلك السياق قامت عدة «مدن- دول» في «اور» و«اوروك» و«ماري» و«إبلا».

إن المؤلفين يتوقفان طويلا عند الدور الذي لعبته بلاد ما بين النهرين في الحضارة العالمية. ويشيران إلى الإعجاب الكبير الذي أظهره الاسكندر الأكبر حيال الحضارة البابلية. لكنهما يعتبران أن المنعطف الكبير في تاريخ العراق كان في القرن السابع الميلادي عندما كانت وجهة الجيوش الإسلامية مباشرة وجذبوا جحافل من العلماء والفنانين طيلة قرون إلى بغداد.

ويتم التركيز في تحليلات هذا الكتاب على أن العراق عرف في تاريخه الكثير من الحروب والنزاعات والتي لم يكن أقلّها ما فعله المغول، وما عرفته البلاد من معارك على أرضها بين إيران الصفوية والإمبراطورية العثمانية خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر.

ثم كان العراق أحد الرهانات الأساسية في الحرب العالمية الأولى، بسبب النزاع عليه بين القوى الإمبريالية الغربية. وتتم الإشارة إلى أن البريطانيين كانوا قد أظهروا اهتمامهم الكبير منذ مطلع القرن العشرين بالعراق، وذلك لسببين أساسيين هما البترول وأمن طرق الهند التي كانت تشكّل «المستعمرة» الأهم للإمبراطورية البريطانية.

وكانت ألمانيا أيضا تريد أن تمدّ نفوذها إلى العراق من خلال الخط الحديدي برلين-بغداد.وعن نهاية الحرب العالمية الأولى، لم يتم وضع العراق تحت حكم الإدارة البريطانية المباشرة بل تحت الانتداب بسبب الضغوط الأميركية من جهة، ورفض العراقيين أنفسهم لذلك، من جهة أخرى.

لكن النفوذ البريطاني بقي قويا في العراق حتى بعد الاستقلال وذلك حتى حكومة نوري السعيد الذي وقّع على قيام حلف بغداد عام 1955. لكن التوجه القوي العربي كان يتعاظم آنذاك داخل الجيش العراقي.

ومن المحطات الأساسية التي يتم التطرّق اليها في تاريخ العراق الحديث، الانقلاب الذي قام به عبد الكريم قاسم عام 1958 وأنهى فيه حكم الملك فيصل الثاني وقُتل نوري السعيد وهو يحاول الهرب. ثم عرفت البلاد عددا من الانقلابات والتغيرات على رأس السلطة حتى وصول الرئيس السابق صدام حسين.

إن هذا الكتاب قد يكون احدى المساهمات الهامة التي عرفتها رفوف المكتبات الغربية حول العراق من وجهة نظر المسار التاريخي الذي عرفه «على المدى الطويل» وليس من خلال نظرة انتقائية تكتفي برؤية جزء فقط ثم تجري التعميمات «المخلّة» في أغلب الأحيان، لكن القارئ يجد نفسه في هذا الكتاب أمام عملية توليف لسبعة آلاف سنة من المسار السياسي الذي عرفه العراق.

وهذا بأقل من 200 صفحة وبكثير من الأفكار الجديدة التي لا تخص العراق فحسب، ولكنها تلقي الأضواء على تاريخ الشرق الأوسط بمجمله.

وفي المحصلة يتم تقديم صورة العراق على أنه بلد «تأرجح» عبر تاريخه الطويل بين نزاعات استمرت طويلا وبين فترات قصيرة من الهدوء والسلام.

هكذا كان الأمر منذ العهود القديمة واستمر في ظل الإمبراطورية العثمانية ثم عندما كان العراق مستعمرة بريطانية باسم «الانتداب» ولم توفره النزاعات عندما أصبح جمهورية، كما هو الحال عليه الآن.والكتاب يحاول فيه المؤلفان تصحيح صورة العراق في المخيلة الجماعية الغربية والتي لا تراه، أو لا تريد أن تراه، سوى في أجزائه دون أن تأخذ باعتبارها المسافة التي قطعها منذ أن كان يمثل بلاد «ما بين النهرين» وحتى العراق كما هو قائم الآن.

مؤلفا هذا الكتاب يؤكدان أنه كان مسكونا باستمرار منذ تلك الحقب القديمة حتى اليوم دون انقطاع، ويرسمان ملامح تطوره على صعيد السياسة والاقتصاد والثقافة، والسياسة أولا، والتي لم تكن سوى مقدمات الصورة التي هو عليها اليوم.

الكتاب: من بلاد ما بين النهرين إلى العراق

تأليف: هانس ج. نيسن، وبيتر هاين

الناشر: جامعة شيكاغو 2009

الصفحات: 192 صفحة

القطع: المتوسط

From Mesopotamia to Iraq

Hans J. Nissen, Peter Heine

Chicago Universit 2009

.P192