تضرب رواية الكاتبة البريطانية نيكولا باركر الجديدة «سرقة صندوق بريد قرية بيرلي كروس» جذورها في نكتة عملية عاشتها المؤلفة، فقبل سنوات تقدم أصدقاء لها بطلب للحصول على ترخيص بتعديل دارهم، فبادرت هي وصديق لها، على سبيل الدعاية، إلى كتابة رسالة يفترض أنها من مكتب التخطيط، في معرض الرد عليهم، تطالبهم بوضع فاصل في غرفة معيشتهم.
وبعد ان تحملت المتابعة المندرجة في تقليد شعار مكتب التخطيط على رأس الورقة التي تحمل الرد وتكليف صديقها بإرسال الرسالة من مكتب بعيد عن مقر إقامتهما في شرقي لندن، تقول باركر إنها كفت عن التفكير في الأمر، ولكن بعد أيام قلائل اتصل بها أصدقاؤها هاتفياً ليقولوا لها إنها وصديقهما بن كانا وراء الرسالة بالتأكيد وأعربوا عن غضبهم الشديد وقد تم إنقاذ الموقف واستعادة الصداقة بين الجانبين.
ولكن عندما تعرض هؤلاء الأصدقاء أنفسهم لمتاعب من جيران كان يعلقون على سورهم الأمامي كيساً بلاستيكياً مليئاً ببقايا الكلاب، أدركت باركر أنها أمام فرصة لإصلاح الوضع، حيث طلب أصدقاؤها منها كتابة قصة حول هذا الموقف، وهو ما بادرت إلى القيام به، لتسليتهم في المقام الأول.
ولكن هذه القصة، التي كتبت في شكل رسالة موجهة إلى مكتب الصحة، والتي أعجب بها أصدقاؤها، ما لبثت ان تمت وتحولت إلى رواية «سرقة صندوق بريد قرية بيرلي كروس».
وتقول باركر عن روايتها الجديدة: «ليس بمقدوري أن أصدق أنني أفلت بمثل هذا العنوان، الذي يشير إلى حزمة من الرسائل التي تصل عبر البريد الداخلي للشرطة إلى رجل الشرطة روجر توبينج، في إيكلي بوست يوركشاير، ويتم تكليفه بالتحقيق في سرقة الرسائل من صندوق بريد قرية بيرلي كروس واكتشافها في وقت لاحق في حارة في بلدة سكيبتون.
وتقدم الرسائل نوعاً من اللغز ـ هل يمكنك أن تخمن من المسؤول عن هذه «اللاجريمة»؟ ـ وتتحول اللوحة التفصيلية إلى شيء مفعم بالعاطفة والانفعالات حول قرية «صغيرة وتابعة على نحو مثير للسخرية وقريبة من السبخات».
الآن، وقد وصلت باركر إلى العام الرابع والأربعين من عمرها، وقدمت للمكتبة العالمية أحد عشر كتاباً، فقد اعتادت على أن توصف بأنها كاتبة أصيلة ونشطة، ولكن روايتها لا تندرج بسهولة حتى في إطار النوعيات المتباعد للروايات البريطانية، الحديث، ولا يتردد النقاد في وضعها بأنها غريبة وضاربة ومختلفة.
وربما كانت تلك استراتيجية تتقصدها باركر تقصداً، فهي تكافح من أجل تقديم شيء بديل، وللانطلاق قدماً بما هو غير رائج وبما لا ينتمي إلى عالم الصرعات. وهي تقول في هذا الصدد: «إذا رفض عمل لي، فإن ذلك يجعله محببا لدي بصورة أكبر».
وتأخذ هذه الرواية من حيث قالبها الإبداعي شكل الرسائل المتوالية، فهي مؤلفة من 31 رسالة طويلة، نلتقي عبرها مع شخصيات تتسم بغرابة الأطوار تعيش في قرية بيرلي كروس في وارفديل في وست يوركشاير، وفي أطول ليلة من العام أي في 21 ديسمبر 2006 تسرق الرسائل من صندوق البريد في القرية، في وقت ما بين التاسعة مساء عندما مضى قس القرية ليبعث شيئاً بالبريد وبين التاسعة والدقيقة الثانية عشرة، عندما أبلغت سوزان تروت عن عثورها على صندوق بريد القرية مرمياً على الأرض وقد سلبت منه كل الرسائل.
في وقت لاحق تكتشف الرسائل في حارة مظلمة في بلدة سكيبتون المجاورة، ونحن نتابع عبر سلسلة من الأحداث الكوميدية والضاحكة محاولة كشف أسرار ما حدث.
ونلتقي على صفحات الرواية برجلي شرطة، سيدهشنا أنهما يشاركان في تشكيل ثلاثي عاطفي عجيب، وأحدهما يستهل الرواية بينما الآخر ينهيها، وهما مثيران للسخرية، فالجريمة التي يحاولان كشف أسرارها تنتمي إلى نوعية الجرائم الصغيرة والهامشية، والقرية التي تتمحور حولها يسكنها أناس مدللون وغريبو الأطوار ينتمون إلى الجيل الثاني من ملاك البيوت المتقاعدين.
وعبر الرسائل التي يتم العثور عليها، تتعالى الأصوات حاملة المونولوجات المفعمة بالكآبة، وعناصر الخبث والضجيج والعاطفة في تناغم يميت القلب ضحكاً، ويبعث في الوقت نفسه على الدهشة والتعاطف مع الحياة فيما يعرف بانجلترا الصغيرة.
وباركر تفاجئنا بحسها الفكاهي الحاد عبر كل رسالة، بل عبر كل صفحة من الكتب، لكن أهدافها أبعد ما تكون عن العبث والتلاعب، وفي كل صفحة جديدة نقلبها نجد أنفسنا على موعد مع المزيد من الفكاهة والطاقة والتلاعب بالكلمات والبهجة حيال ما تشكله اللغة وما تفعله.
سرعان ما ندرك أننا لكي نحب كتب باركر يتعين علينا أن نشاركها فكاهتها، ولكن حتى أولئك الذين لا يستطيعون فهم نكاتها لابد لهم من أن يلاحظوا براعتها، فمن الذي يستطيع ان يمسك بمقاليد قرية بأسرها عبر صندوق بريد بالمهارة التي أنجزت باركر ذلك بها؟
فمن ذا الذي يمكن ان يجعلنا نضحك من القلب على حشد من النماذج البريطانية التقليدية على نحو ما فعلت هذه الكاتبة؟ من غيرها يجعلنا ننطلق مسرعين عبر حشد من الأساطير والنكات وألوان التحيز على الطريقة البريطانية.
ونظل في نهاية المطاف حيال رواية مدهشة، قادرة على تفجير الضحك حتى في قلب نسيج بالغ التعقيد وموح بالضجر والكآبة، نظل حيال رواية تدور حول مجتمع هامشي يحفل بأناس لا تنقصهم غرابة الأطوار ولكننا في نهاية المطاف، نتفهم حياتهم، ولا نملك إلا ان نتعاطف معهم.
الكتاب: سرقة صندوق بريد قرية بيرلي كروس
تأليف: نيكولا باركر
الناشر: هارير كولينز، نيويورك 2010
الصفحات: 368 صفحة
القطع: المتوسط
Burly cross postbox theft
Nicala barker
Harper Collins
385P.
