يبحث كتاب «الفقر والفساد في العالم العربي»، لمؤلفه الباحث الاقتصادي سمير التنير، والصادر عن دار الساقي-لندن2009، في ماهية العلاقة الجدلية بين ظاهرتي الفقر والفساد في العالم، والعالم العربي بشكل خاص، حيث يحاول الباحث أن يكشف عن العلاقة الجدلية بينهما، من خلال تناول أشكال الفساد المالي والإداري والسياسي، لا سيما في لبنان.
قدّم للكتاب الدكتور سليم الحص، رئيس وزراء لبنان سابقا، مشيرا إلى أن أخطر درجات الفساد، المتمثلة في انتشار ما يسمى بثقافة الفساد في المجتمع، هي بمثابة مؤشر على مدى انتشاره، والصعوبة الشديدة في مكافحته، بعد أن يكون المزاج العام قد بلغ حالا لا يصبح فيه مرتكب الفساد مدانا من قبل المجتمع، وذلك نتيجة تحول الفساد إلى ظاهرة مألوفة، الأمر الذي يجعل مكافحته قضية حيوية في العالم العربي.ويرى الحص أن هناك مجموعة حلول تجاه هذه الظاهرة، ومنها الفصل بين السلطات، تحديدا بين السلطتين الاشتراعية والتنفيذية، وأيضا بين البرلمانات والمحاكم القضائية والتنفيذية، إضافة إلى تطوير نظام تربوي ثقافي صالح وقطاع إعلامي موضوعي مستقل وفاعل. وإذا كانت قرارات الإصلاح هي قرارات سياسية، فإن الإصلاح السياسي يشكل مدخلا طبيعيا للإصلاح الشامل، وفي مقدمته إيجاد قانون انتخاب عادل وفاعل.
يستهل التنير فصول كتابه بمدخل موسع يقدم ضمنه تعريفا موسعا للفساد، لافتا إلى انه تحول إلى ظاهرة عالمية، بغض النظر عن طبيعة أنظمته السياسية. وقد ترافق هذا الانتشار مع اتساع سياسات الانفتاح الاقتصادي والنشاط المتزايد لرفع القدرة التنافسية للمنتجات، ما أدى إلى تزايد حركة الأموال وغسل الأموال، حتى بلغ في تسعينيات القرن الماضي درجة غير مسبوقة، فتمخض عن ذلك تزايد الوعي بضرورة مكافحته، خاصة بعد أن أظهرت الدراسات دوره في إعاقة عملية النمو وتخريب التنمية على المستوى الاقتصادي.
ومن هذا المنطلق يركز المؤلف على تعريف مفهوم الفساد أولا، وتحديد أنواعه وكيفية معالجته تاليا، مستندا إلى التعريفات التي قدمتها الشفافية العالمية والبنك الدولي له، ليخلص في هذا الشأن إلى تبين آليتين رئيستين من آليات الفساد، أولها آلية دفع الرشوة والعمولة للموظفين والمسؤولين في الحكومة والقطاعين العام والخاص بغرض تسهيل عقد الصفقات.
والثانية هي الرشوة المقنعة، المترجمة في شكل وضع اليد على المال العام والحصول على مواقع متقدمة للأبناء والأصهار والأقارب في الجهاز الوظيفي. وتعدُّ الظاهرة الثانية الأكثر انتشارا في العالم العربي.
وتسمى الآليتان السابقتان بالفساد( الصغير)، في حين أن الفساد الكبير يرتبط بالصفقات الكبرى التي تتم في مجالات المقاولات وتجارة السلاح، والحصول على توكيلات الشركات العالمية وبيع أملاك الدولة، بواسطة المسؤولين الحكوميين لتحقيق المصالح الشخصية. ويعمد التنير إلى تحليل وتفكيك بنى هذه الظاهرة بعمق، فيتطرق لتحديد مجال انتشار الفساد الذي يعم الدولة في خطوط الاتصال بين القطاعين العام والخاص، من خلال الرشوة.ويوضح التنير ان حرب العراق كشفت عن ظاهرة بيزنس الحرب بين الصناعات العسكرية والبيوت المالية والمؤسسات الإعلامية وشركات المقاولات في أميركا. وقد أظهرت دراسة متخصصة العلاقة القوية بين نسبة الإنفاق العسكري والفساد.
ثم ينتقل بعدها إلى البحث في النتائج السياسية والاقتصادية البالغة الخطورة التي تنجم عن الفساد، وأبرزها انخفاض الأداء الحكومي وإشاعة أجواء من عدم الثقة، إلى جانب انه ينشر الشعور بالظلم وتقويض الشرعية السياسية للدولة. ويترافق مع تشوهات هي من صنع المسؤولين، بغية الحصول على ريع الفساد، ما يقود إلى الإضرار بالاقتصاد والتنمية معا.
ويؤكد المؤلف على أن النتيجة السياسية الأولى للفساد تتمثل في التسبب بإضعاف الدولة والنيل من هيبتها على المستويين الداخلي والخارجي، فإذا كان الفساد يفرض على المستثمرين ضريبة إضافية ذات كلفة عالية جدا، فإنهم يبحثون عن الأعمال التي تدر ربحا سريعا وعاليا دون النظر للخسائر التي يتكبدها النمو الاقتصادي.
ويفرد التنير محورا خاصا لموضوع الفساد السياسي، يستهله بتعريفه وتحديد أشكاله وتبيان آثاره عبر ما يشكله من عقبة أمام الشفافية في الحياة العامة، ومن فقدان للثقة بالسياسيين والأحزاب، ينعكس تحديا للقيم الديمقراطية وصدمة للمجتمع.ويتحول المؤلف إثرها إلى شرح وسائل مكافحة الفساد، والتي تشمل وضع قواعد للتمويل السياسي وقوانين لمراقبة الإنفاق ووضع رقابة خاصة على القطاع الخاص فيما يخص صفقات الأسلحة والنفط، إلى جانب إجراءات خفض تضارب المصالح، ووضع رقابة على الموظفين الذي يتمتعون بالحصانة، كما يتناول التنير العلاقة بين المال السياسي والفساد من خلال تأثيره في الممارسة الديمقراطية، التي تعد شرطا للفاعلية السياسية.
ويرسم الباحث مصورا لجغرافية الفقر في الوطن العربي، حيث لعبت السياسات الاقتصادية والاجتماعية دورا في تعميقه، كما يظهر من خلال الإحصاءات التي تبين أن نصيب الفرد من الناتج المحلي في بداية السبعينيات كان أكبر منه في التسعينيات.
الكتاب: الفقر والفساد في العالم العربي
تأليف: سمير التنيِّر
الناشر: دار الساقي لندن 2009
الصفحات: 160 صفحة
القطع: المتوسط
مفيد نجم

