بادرت صحيفة «غارديان» اللندنية إلى إجراء مقابلة مع الكاتبة البريطانية نيكولا باركر، ألقت فيها الضوء على عالمها الروائي مشيرة إلى أن الشخصيات التي تسكن هذا العالم هي حشد من اليائسين الغاضبين الذين يسعون إلى فهم معنى الحياة، و إلى أن تركيزها على إبداع هذه الشخصيات نابع من اعتقادها أن المعاناة جزء من الحياة والحس الأخلاقي، وأوضحت آليات عملها اليومي والسر في أن بعض كتبها تصل إلى ضعف الحجم المألوف للروايات، ولم تتردد، أخيراً، في الإعراب عن اعتقادها بأن الكتاب مضجرون والكتاب وسيلة لإهدار الوقت، وفيما يلي نص الحوار:

أمضت الروائية البريطانية نيكولا باركر طفولتها المبكرة في قرية قرب ميلتون كينز. وكان أبواها زوجين شابين ينتميان إلى الطبقة المتوسطة، بادرا عندما كانت في التاسعة من عمرها إلى الأخذ بنصيحة جار لهما هاجر إلى جنوب إفريقيا، فحذوا حذوه، وهناك عملت أمها مدرسة في سويتو خلال المقاطعات التعليمية، وكانت لها صلة بالنقابات، وتداعى الزواج عندما كانت نيكولا في الثانية عشرة، فعادت الأم وابنتها نيكولا إلى بريطانيا، بينما بقى الأب وأخت لها في جنوب إفريقيا، وهي الآن الوحيدة من أقاربها المباشرين التي تقيم في بريطانيا.

ويحفل الحوار مع نيكولا باركر بالعديد من القصص الطريفة، وهي في الحياة كما في الفن تجد نفسها منجذبة إلى الشخصيات الصعبة والتي لحق بها الضرر، والشخصيات التي تبدعها هي شخصيات مكتئبة وبعيدة عن الأمل ومهاجرون وأرواح ضائعة وشباب غاضبون ونسوة مصابات باختلال في العادات الغذائية، وهم يعملون كمكافحين للحشرات وسائقين وبستانيين وعاملين في مغاسل المستشفيات وموظفين في مكاتب الأشياء المفقودة.

والشخصية المفضلة لديها هي شخصية ويسلي، بطل روايتها «العجيزة» والذي يقتل أخاه دون قصد بأن يوصد عليه باب ثلاجة، ويطعم يده لبومة، وهي تقول إنها أحست بالغضب حيال وقاحة الجميع الذي التف حول الصندوق الزجاجي الذي استقر فيه الساحر ديفيد بلين ليلتزم فيه بإتمام صيامه الذي استمر 44 يوماً على ضفاف التيمس، بحيث إنها انقطعت عن كتابة روايتها «آن دار كمان» لتؤلف كتاب «صاف»، وهي رواية تدور حول هذه الشخصية.

وهي في روايتهما «عينان مفتوحتان على اتساعهما» تمضي بتعاطفها مع الشخصيات المهزومة إلى الحدود القصوى، جاعلة إحدى شخصياتها ابن رجل منحرف، يرتكب جريمة اغتصاب وقتل مروعة، وقد وصف أحد كتاب عروض الكتب هذا الكتاب بأنه «أكثر جودة من أن يفوز بجائزة بوكر»، ولكن بفضل ترشيح ناقد نرويجي لها فازت بجائزة «إمباك» التي تقدر قيمتها بمئة ألف جنيه استرليني، الأمر الذي غير حياتها.

وهي تقول عن الجائزة التي تتم إدارة شؤونها في دبلن، ولكنها مفتوحة أمام الكتاب من جميع أنحاء العالم، طالما أنها ترجمت إلى لغة أجنبية واحدة على الأقل.

واهتمام باركز بالجغرافيا وسلطة الأماكن على الناس الذين يعيشون فيها هي المجال الذي تجتذب فيها الواقعية عند باركر نحو شيء فائق للطبيعة، ينتمي إلى عالم آخر.

وفي زيارة قامت بها باركر إلى بلدة أشفورد عندما كانت عاكفة على تأليف رواية «آن داركمان»، ابتهجت الروائية البريطانية عندما اكتشفت أن هناك عيادة لعلاج الأقدام في المكان ذاته على وجه الدقة الذي اختارته لشخصية إيلين من إبداعها والتي تعمل بعلاج الأقدام.

وهي تقول إنه من خلال النظر إلى خريطة: «تحس بالبطاقة المنبعثة من البلدة، وهي تبدو كما لو كانت هراء معمارياً ينتمي إلى الطراز الجديد، ولكنها في بعض الأحيان تعطي الإحساس بالنجاح في تحقيق التأثير المطلوب منها».

وخلال سنوات نشأتها، كانت باركر معجبة أشد الإعجاب بالشاعرين تيد هيوز وسلفيا بلات. ويعد ديوان «العزاب» من الكتب الأثيرة لديها، وليس من المتعذر رصد تأثير الشاعرين عليها. وأخيراً اكتشفت توماس مان الذي تصفه بأنه «عشق حياتي بقدر ما يتعلق الأمر بالروائيين». ولكن انجيلا كارتر ومارتن ايميس هما من تدعوانهما ب:«الأم والأب بالنسبة لكتاباتي».

وقد أجرت مقابلة مع إيميس عندما كانت طالبة، وهي تقول عنها: «لقد وافق على إجرائها بسبب اسمي فقط، فقد كان وقتها عاكفاً على تأليف رواية «حقول لندن» وكانت بطلته تدعى نيكولا سيكس». ومضت في نثرها لتقلد شيئاً من طاقته الكوميدية الشهيرة.

وتصف إحدى قصص مجموعتها القصصية الأولى التي فازت بجائزة أدبية، وهي بعنوان «أحبوا أعداءكم» زوجين يتعاركان على حضانة كلب أفغاني، ويصل العراك إلى ذروته مع ترك الزوجين رسائل أحدهما للآخر منقوشة بالحلاقة لشعر كلاب.

ولا يتم غالباً الربط بين إيميس وكارتر، ربما لأن النزعة الغرائبية عند كارتر يتحمس لها النقاد ذو الاتجاه النسوي والذين لا يميلون إلى إيميس، ولكن في خيال نيكولا باركر فإن هذين الكاتبين يعدان خيطين مهمين في نسيج الإبداع الروائي لأواخر القرن العشرين. وتحب باركر لندن، التي تشبهها، كما كان حرياً بكارتر أن تفعل وإن كان النسويون المحدثون سيحجمون عن ذلك، ب«عاهرة كبيرة تبادر إلى الترحيب».

وتطل الشقة التي تقيم فيها الروائية البريطانية في شرقي لندن على النهر، وهي لا تتصور أنها كان يمكن أن تقيم في أي مكان آخر، ولكنها تشعر بأن المطاف انتهى بها هناك بالصدفة، وهي لا تدعي أنها بمثابة حكيم شرقي لندن، وهي تقول في هذا الصدد: «إنني إنسانة تامة الجهل، وليس لدي إحساس بالاتجاه، وعندما يطلب مني أي شخص القيام بأي شيء حيال الإقامة هنا، فإنني أحدث نفسي على الدوام: لماذا أقوم بذلك فيما يقيم إيان سانكلير هنا؟ لسوف يكون ذلك أمراً محرجاً فحسب».

وهي تتجنب المجتمع الأدبي في العاصمة البريطانية، وهي تقول: إنني لست من الكتاب الذين ينتمون إلى الأندية، وأنا أجد الكتاب مضجرين، والكتابة نوع من الإهدار المتدني للوقت». كما أنها لا تعرف الكثيرين من قرائها، كما أنها لا تساهم في الكثير من الفعاليات العامة.

وتقول نيكولا باركر: «أعتقد أن الكثير من الناس الذين يتسمون بغرابة الأطوار يقرؤون كتبي، وهم يصلون إليها مصادفة».

وهي تقول إنها لا تستطيع التفكير في أرقام توزيع كتبها، وتعتقد أن وكيلها سيغمى عليه إن سألته عنها. وتقول: «يتعين عليك أن تكون واقعياً حول نوعية الكتاب الذين تنتمي إليهم، أليس كذلك؟ فلن يتم الإعلان أبداً عن كتبي في أنفاق المترو، وأتمنى لو أن الأمر كان كذلك بالنسبة لي، فبعد سنوات من الجدل حظيت بمصمم أغلفة كتب رائع، وعندما أتطلع إلى أغلفته الجميلة أحدث نفسي:

«ألا تبدو هذه الأغلفة جميلة في أنفاق المترو؟ ولكنني ما ألبث أن أحدث نفسي: من الذي سينظر إلى هذه الأغلفة ويحدث نفسه: أريد أن أقرأ ذلك الكتاب؟ ما من أحد سيحدث نفسه بذلك.

وقد طورت باركر طريقتها الخاصة في الكتابة، فهي عندما تجري أبحاثاً حول موضوع بعينه، فإنها تنغمس فيه أشد الانغماس، ثم تنسحب وتعكف على العمل معيدة تكوينه من خلال شخصياتها، وهي بصفة عامة تعمل في الوقت نفسه على أكثر من كتاب، وتقاطع كتبها الكبير ـ مثل «عينان مفتوحتان على اتساعهما» و«العجيزة» و«آل داركمان» ـ على امتداد أشهر قلائل لتكتب الأعمال الأصغر، التي غالباً ما تروى بضمير المتكلم.

وكانت روايتها الجديدة «سرقة صندوق بريد قرية بيرلي كروس» عملاً غير مألوف. من حيث قالبها كان شديد الأهمية بالنسبة لفكرتها الأصلية. وفي العادة فإن القالب ليس شيئاً تخطط له باركر بصورة مسبقة.

وهي تقول إنها تحس بالأسف لأن كتبها قد أصبحت ممتدة للغاية، فروايتها «آل داركمان» التي يبلغ عدد صفحاتها 840 صفحة هما ضعف الطول المألوف بالنسبة لمعظم الروايات، ثم ما تلبث ان تغير رأيها، وتقول إنها لا تحس بالأسف لذلك، فكيف كان يمكن أن تزيل جزءاً من لغز معقد؟

وتتابع إن اختيار قالب بعينه والتمسك به سيكون: «أمراً فظيعاً مثل الاحتضار».

ولكن استعدادها لرؤية كتبها من منظور القارئ هو أمر محبب، وتقول في هذا الصدد: «من الصعب ان تعطي كتاباً كبيراً ومعقداً لأمك وتتوقع منها ان تقرأه. وأنا أجد هذا صعباً ومحرجاً».

وتوضح باركر آليات الإبداع كما تمارسه، فتقول إنها عندما تستهل مشروعاً، فإنها تشتغل عليه ساعتين أو ثلاث ساعات يومياً، ولكنها في النهاية لا تشتغل على شيء آخر تقريباً. وفي القريب ستعود للاشتغال على كتاب «عند المداخل»، وهو كتاب معقد حول التوارث في باسنجستوك، وهو مرتبط بمجموعة قصصية لم تنشر بعد.

ولا تتردد الروائية البريطانية، أخيراً، في الإعراب عن اعتقادها بأن المعاناة جزء لا يتجزأ من الحياة ومن الحس الأخلاقي، وهي ربما لهذا تحب قراءة سير الحياة المفعمة بالبؤس، وتقول في هذا الصدد: «إنني أعرف ان الكثير من الناس لا يتفهمون ذلك، ويزدرون هذه النوعية من الكتب، ولكنها بالنسبة لي تدعو إلى التواضع، حيث توضح مدى عمق معاناة الناس، وهو أمر أعتقد أنه مهم للغاية».

منى مدكور