يبرز لنا في بناية صخرية، يعود بناؤها إلى القرن الثامن عشر، متحف لا يشبه المتاحف الأخرى، حيث يقع في شارع فيساندري في الحي السادس عشر من باريس. ويديره اتحاد المصنعين الفرنسيين (يونيفاب) ويعرض أكثر من 400 سلعة وبضاعة ولوحة، جميعها مزيفة، وتحاذيها في الوقت نفسه، إلى جوارها تماما، الأعمال الأصلية، وذلك بهدف توعية الزائر.

زائرو هذا المتحف، يجب أن يخضعوا منذ بداية جولتهم في أروقته وكواليسه، إلى قواعد اللعبة التي تنص على التسلح أكثر بالمعرفة، للتفريق بين ما هو مزيف وما هو حقيقي. ويسعى المتحف من خلال هذه المعروضات المزيفة، التي أعادت تصنيعها شركات ومؤسسات تجارية من وراء الأقنعة، دون احترام لأي بند من بنود حقوق الملكية الفكرية وموهبة الاختراع. وربما يتساءل الكثيرون: لماذا تم تأسيس هذا المتحف في عام 1951م، فهل هو لتشجيع البضائع والسلع والتحف الفنية؟ ولكن الإجابة تأتي من إدارة هذا المتحف بأن الغرض منه توعية جمهور المستهلكين بالحقيقة، وحثهم على مقارنة الأعمال المزيفة بالأعمال الحقيقية، كي لا يقعوا فريسة لهذا النصب والاحتيال.

تزييف للتفريق الحقيقي يزود المتحف الزوار بعدد من الحقائق حول السلع والبضائع الفاخرة، فأولا: أماكن البيع، إذ لا يمكن أن تُباع البضائع الفاخرة في الأسواق الشعبية. وثانياً: التغليف، فعادة ما يكون فاخراً أيضاً. وثالثاً: أنه نادراً ما يتم تخفيض أسعار هذه البضائع والسلع والأعمال. وقد لا يصدق زائر هذا المتحف الفريد من نوعه في العالم، أن يرى الأعمال الرفيعة والبضائع الفاخرة في نسختها الثانية، المزورة والمقرصنة، مثل منحوتات رودان البرونزية.

والسيكار الكوبي الفاخر، ونظارات ري بان، وساعات روليكس، وغيرها من الماركات التجارية، وكذلك الأقلام والملابس والألعاب والأدوات المنزلية والعملات والأسطوانات والأغنيات والأفلام والأدوية.

هذا المتحف يقودك في كواليسه ليكتشف الزوار، من الصغار والكبار، عالماً ساحراً ومثيراً حيث يخضع لامتحان الذكاء والمهارة في التفريق بين البضائع والسلع والأعمال المزيفة والمقرصنة، حيث تكاد الفوارق تنمحي بينهما، فطالما أجاد اللصوص والقراصنة في التعبير عن مهاراتهم وذكائهم وكذلك خبثهم.

أشهر أشكاله

وأشهر البضائع والسلع المزيفة هي حقائب اليد النسائية الأكثر استهلاكا في العالم، وخاصة ذات الماركات الفاخرة. وطريقة عرض المعرض بسيطة للغاية البضاعة الحقيقية. ويتم توفير هذه البضائع من إدارة الجمارك التي تلقي القبض عليها على الحدود. ومن ثم تأتي ألعاب الفيديو الأكثر تزييفاً في العالم أيضاً، وخاصة الأسطوانات الليزرية من أفلام وأغاني وبرامج الكومبيوتر.

كما يحتوي المتحف على مجموعة من العملات المزيفة، التي شهدتها كل العصور، والتي تدخر بعض البنوك كميات منها للذكرى. وتتميز عمليات تزييف العملات بكونها سريعة للغاية، وتجارة لا تتوقف عبر العصور. وقد تطلب الأمر أعواما طويلة من أجل السيطرة على تكنولوجيا التحكم بمراقبة وفحص العملات المزيفة، وهذا ما يجعل عملية إيقافها صعباً، إن لم يكن مستحيلاً.

والعملة الأكثر تزويراً هي الدولار. وحتى القرن الثامن عشر، كان مزيفو النقود قد تعرضوا لأحكام السجن القاسية، وعقوبتها اليوم تصل إلى 30 عاماً من السجن. وتأتي قرصنة مواد الانترنت، من برامج كومبيوترية وأقراص لايزرية وألعاب الأطفال، في المرتبة الأولى لأنها تمثل حجماً عملاقاً في التجارة العالمية، لا حدود لها ولا يمكن السيطرة عليها على الرغم من آلاف البرامج المخترعة لهذا الغرض. ويحتوي المتحف على نسخ من الأفلام المزيفة، يوجد على سبيل المثال، ثلاث نسخ من فيلم (تايتنيك) والجيش المميت وأربع نسخ من فيلم شفرة ميركوري.

تدمير ولا استثناء

يقوم (متحف الأعمال المزيفة) بعقد تظاهرات توعية للزائرين، حيث بادر ( اتحاد المصنعين) إلى جمع نحو 5 آلاف ساعة يدوية مزيفة تمثل الماركات العالمية الشهيرة، وكبسوها مع بعضها البعض بطريقة هيدروليكية، لتصبح كتلة نحتية واحدة تعرض من أجل التوعية، إذ قام النحات الفرنسي (مات) بصياغة كتلة الساعات المكبوسة في منحوت شاخص، واشتغل عليه في مقر الجمارك في مطار رواسي، ونرى فيه الساعات المقلدة والمزيفة لأكبر الماركات:

أرماني، برتلينغ، لونجينس، تاغ هوير، وهي وافدة من الصين. ويؤكد رئيس اتحاد المصنعين، مارك أنطوان جامي، بأن 80 بالمئة من السلع والبضائع المزيفة تُصنع في آسيا. في ما أكد جيروم فورنيل، المدير العام للجمارك، بأنه في السنوات العشر الأخيرة تضاعف عدد البضائع والسلع المقلدة إلى ثلاثين ضعفاً.

وحسب (اتحاد المصنعين) أن عمليات تزييف الماركات تؤدي إلى تدمير 38 ألف وظيفة سنوياً في فرنسا. إن عمليات التزييف والقرصنة تطال جميع الفعاليات والأنشطة الاقتصادية، ويوجد في المتحف ما يقارب 400 نسخة من الأعمال المزيفة، تم وضعها جنباً إلى جنب مع المادة الأصلية. وتتمثل الكارثة في أن عمليات التزوير والقرصنة تعمل على تدمير فكرة التجديد والإبداع والنمو وازدهار الصناعات.

لذلك يعمل (اتحاد المصنعين) على تجميع الشركات ذات العلامات التجارية العملاقة مثل: شانيل، أورييل، لاكوست، بيجو، وغيرها، لإقامة اليوم العالمي للكفاح ضد عمليات التزييف من أجل بث الوعي، والكشف عن العواقب الاجتماعية والاقتصادية لهذه الظاهرة التي تنخر الصناعة والمجتمع والإبداع.

القرصنة معاناة فرنسا

تتجسد المشكلة التي تعانيها فرنسا في هذا الخصوص بكون تدفق السلع والبضائع المزيفة تأتيها من خارج حدودها، حيث تتصدر الصين البلدان التي تقوم بتزييف الأعمال والسلع( 59 بالمئة)، وتأتي بعدها تايوان، وهونغ كونغ، ثم مصر وايطاليا والبرتغال. ويكون المستهلك إما شريكا أو ضحية. وهناك نحو 60 بلداً يقومون بعمليات التزييف والقرصنة، ومعظمها في القارة الآسيوية.

وآسيا تصدر 80 بالمئة من هذه المواد منها 20 بالمئة إلى أوروبا والجنوب والمغرب. ويقلق (متحف الأعمال المزيفة) كثيرا من عمليات البيع التي تتم على شبكة الانترنيت، حيث تمثل هذه السوق نحو 6 مليارات يورو في فرنسا.

وتتعدى عمليات التزييف السلع والبضائع لتصل إلى الأدوية والعطور ومواد التجميل والنظارات وألعاب الأطفال والمجوهرات، وهذه تؤدي إلى إلحاق الضرر بمستخدميها وما تبعثه من مواد سامة وإشعاعات ضارة، وخاصة بالنسبة للأطفال.

اعتراف

لم يتم الاعتراف ب( اتحاد المصنعين) إلا في عام 1877م، وذلك باعتباره في خانة الجهة والهيئة المجتمعية ذات النفع العام. وقد أصدر الاتحاد كتاباً توثيقياً يحتوي على جميع الماركات التجارية، ورموزها المعروفة. وهو يضم 700 شركة و50 رابطة مهنية.

شاكر نوري