كتاب جنوب إفريقيا هم حقاً ضميرها الحر، ولذا ليس من قبيل الصدفة أن ينتهزوا فرصة فعاليات الدورة الحالية لكأس العالم لكرة القدم التي تقام على أرض بلادهم، ليصارحوا العالم بما يدور في خواطرهم حول مستقبل بلادهم، حيث تعلق آمال كبرى على «أمة قوس قزح»، وعلى مستقبل لامع وبراق ينتظرها، لكن ذلك لا يحجب أيضاً المخاوف المتعلقة بتزايد الجريمة وتعمق الفقر وإيغال اليأس في أرض كان ينبغي أن تنطلق بنقيض هذا كله. وفي ما يلي نلتقي مع آرائهم كما كتبوها بصراحة ووضوح.

ريان مالان: غضبي لن يجعلني أحزن إذا توجت الدورة بالفشل تصور أبناء جنوب إفريقيا، في وقت من الأوقات، أن دورة كأس العالم ستجعلنا جميعاً أثرياء. وفي ما يتعلق بي فقد ناضلت لتصديق أن نصف مليون من السياح، عشاق كرة القدم، سيعبرون الكوكب وسط ركود وحشي لزيارة بلد أشتهر بنسبة الجريمة العالية فيه. أما جيراني فقد سخروا من ذلك، مفضلين الاعتقاد بأنهم سيحققون فائدة كبيرة من خلال تأجير بيوتهم، ويا للحسرة! فإن الحجوزات تصل إلى نصف المستويات المتوقعة. ويحس مشترو بطاقات المباريات بالحيرة حيال هذه البطاقات التي لا يستطيعون حتى القيام بأهوائها، وأذكر أن الذراع التسويقية لـ «الفيفا» قد أفلحت فقط في تأجير 1% فقط من المقاعد الخاصة في ملاعبنا الجديدة، ذات التكلفة الباهظة.

إنني استمتع للغاية بصيحات الألم الناجمة عن ذلك، فقد جعل «الفيفا» من جنوب إفريقيا قرداً، حيث شمعنا على إنفاق المليارات، التي لم نكن نملكها على ملاعب كرة القدم، التي لم نكن نحتاج إليها، في إطار الاعتقاد العبثي بأننا بمقدورنا أن نعوض خسائرنا باستقطاب سياح كرة القدم الذين كان استعدادهم للقدوم إلى جنوب إفريقيا موضع شك، وقد تعاون قادتنا في إطار هذا التوجه مع «الفيفا» بحماس. ويرجع ذلك في جانب منه إلى أنهم تحمسوا لمجد تصدر فعاليات في مستوى كأس العالم، كما يرجع إلى أنهم متحمسون للمشاركة في الصفقات الغامضة التي يحقق في إطارها أناس لهم أهداف سياسية أرباحاً هائلة من عقود الإنشاءات التي مولها دافعو الضرائب.

والآن تثقل كواهلنا جميعاً، ديون ستحتاج إلى أجيال لتسديدها، ويستبد بي غضب شديد بحيث إن جانباً مني سيسعد إذا تحولت هذه الدورة إلى فشل تام.لكن جنوب إفريقيا بلد معقد، وهناك دائماً جانب آخر للقصة، وكأس العالم لكرة القدم، هي فعالية ذات أهمية رمزية هائلة، وسيحاول قادة حزب المؤتمر الوطني الإفريقي إقناع الجميع بأن هذه الدورة هي رمز لانتصارهم البطولي على التفرقة العنصرية وانتصارات الروح الإنسانية المرتبطة به، وبالنسبة للناس العاديين في جنوب إفريقيا فإن التوق إلى النجاح يضرب جذوره بالفعل في اليأس، فهم قد سئموا من كونهم فاشلين، ومن ارتباطهم بقاع مجتمع يهدد بالمزيد من التردي، وكان حلمهم أن عيون العالم ستستقر علينا خلال الدورة، وتجد أخيراً شيئاً تعجب به.

والرجل العادي في جنوب إفريقيا ينظر إلى هذه الأمور بمزيد من الفخر، ويشعر بأن مجدها ينعكس عليه بصورة مباشرة، وبالإضافة إلى ذلك فهناك الأمل المعلق على أن سياحة كرة القدم ستوجد فرص عمل للأبناء الذين يعانون من البطالة، وعلق الكثيرون الآمال على تأجير بيوتهم إلى السياح، إلى أن سحق محامو «الفيفا» هذه الآمال، حيث تعد الذراع التسويقية لـ «الفيفا» القناة الوحيدة التي يمكن التأجير عن طريقها.

هكذا فإننا نقف أمام العالم بأيد نظيفة، وليس هناك من شيء نكسبه من كأس العالم إلا سعادة صحبة السياح، وقد وصلنا بأنفسنا إلى حافة الإفلاس في غمار تصميمنا على استضافة ندوة تنطلق فعالياتها بدقة الساعة، وإذا لم يحدث ذلك، فإن بمقدورك الضحك على حسابنا، وقد نشرت الصحف مؤخراً تقارير محزنة عن عدم الاستعداد السائد في صفوف الفتيات الحسناوات اللواتي تقرر أن يشاركن، عن عدم الاستعداد السائد في صفوف الفتيات الحسناوات اللواتي تقرر أن يشاركن في عروض الافتتاح.

وبعد ذلك أبلغ الرئيس جاكوب زوما، أميركا بأن لدينا أكثر خدمة مدنية في العالم، كسلاً وافتقاراً للجدوى على وجه الكرة الأرضية، وفي بلد آخر كان مثل هذا الإقرار سيؤدي إلى سقوط الحكومة، أما في جنوب إفريقيا فقد نشر هذا الخبر في الصفحة الخامسة من الصحف.

إنني أناضل لفهم كيف يمكن لأحد أن يقاوم بلداً تقع فيه مثل هذه الأمور. إن جنوب إفريقيا بلد مذهل، وفي أي لحظة يمكن لأي مستقبل أن يكون شيئاً ممكنا، فنحن نكسب، ونخسر، ونحن نتقدم حتى في غمار تراجعنا، وكل يوم يجلب معه ألوانا من التقدم ونكسات هائلة، والشمس تتألق حتى في الشتاء.

وفيما يتعلق بالجريمة فإنها تهديد قائم، ولكن شرطتنا تلقت أوامر بسحق أي شخص يمس شعرة من أي مشجع لكرة القدم. وإذا حجزت الآن فسوف تصل في وقت يتيح لك رؤية اللمحة الأخيرة من قوس قزحنا الآخذ في الاختفاء والتقلقل الأول لأزمتنا المقبلة.

وإذا كان ذلك يبدو بمثابة تحذير، فإنني لن أشعر بالقلق حيال ذلك، فهناك الكثير مما يقال عن العيش عند الحافة في مكان يحفل بـ «فضاء القلب وخطر الجمال»، على نحو ما قال الشاعر برايتنباخ يوما. وتبدو بريطانيا بلداً شاحباً بالمقارنة بجنوب إفريقيا. وفي ما يتعلق بالبرلمان المعلق في بريطانيا، هل تسمى هذه أزمة؟ يا إلهي! إننا نعاني من أمور أسوأ من ذلك بكثير قبل الإفطار كل يوم، ونظل نواصل الضحك، وخير لكم أن تصلوا إلى هنا قبل أن نتوقف عن مواصلة الضحك.

مارجي أورفورد: في السجن عرفت جذور العنف المندلع في بلادي

في عام 1990 خرج نلسون مانديلا كالجني من قمقم سجن فيكتور فيرستر، وانطلق لإنجاز سحره السياسي، ولصياغة أمة قوس قزح، التي تعلو في بعض الأحيان على وحل تاريخ جنوب إفريقيا، وبعد سبعة عشر عاماً من إطلاق سراح مانديلا، وهي أعوام أمضيتها في محاولة سبر أغوار العنف الإجرامي الذي يشكل محنة ديمقراطيتنا، عدت إلى هذا السجن نفسه، حيث كنت واحدة من مجموعة من الكتاب دعاها مهرجان «فرانشويك» الأدبي لحضور حفل توزيع الجوائز على السجناء الذين ينظمون الشعر، ولقضاء ساعة معهم.

وفي نهاية هذه الفعالية سألني قاتل شاب خجول عما إذا كنت سأعود إلى السجن، فقلت إنني سأفعل ذلك، وتم تنظيم ذلك بسرعة، وعدت إلى السجن كل يوم جمعة لتعليم الكتابة الإبداعية لـ 15 من السجناء في الجزء من السجن الذي يخضع لإجراءات الأمن القصوى.

كنت خائفة في المرة الأولى التي انطلقت خلالها إلى السجن، ودار خوفي حول ما سوف يعنيه العمل عن قرب بالغ مع الرجال الذين يملؤون صحفنا بصور الجثث المهشمة ويحولون أحلامنا إلى كوابيس. وأدخلني الحراس من بوابات السجن، فانطلقت بسيارتي عبر المرج الأخضر وأحواض الزهور، وما يشكل الواجهة العامة للسجن.

لدى وصولي إلى داخل السجن، قال ضابط التثقيف الذي جعل هذا المشروع شيئاً ممكناً: «إليك مجموعتك القادمة من قسم الإجراءات الأمنية القصوى»، وهناك وقف رجال أشداء ذوو مظهر خشن لا ينقصهم الوشم الذي يتوقعه المرء عند أمثالهم، وانطلقنا إلى الجمنازيوم الذي سيكون مقراً لحوارنا حول الكتابة الإبداعية.

من أين نبدأ في فك الخيوط التي تربط هؤلاء الرجال بي؟ بدت الطفولة زماناً مناسباً في حياتهم يمكننا معاً الانطلاق منه، حيث أطلت لمحات من طفولتهم في طرائف يروونها عن الحرمان، الضرب بالأحزمة، رحلة صيد للسمك مع أب غابت ذكراه، أمهات غاضبات ذوات عيون مسودة من الضرب، الكثير من الأطفال، مدارس يحاولون التعلم فيها ويفشلون في ذلك بامتياز، وتحدث واحد منهم عن دراجة تجمع بين اللونين الأزرق والأصفر، أهديت له في عيد ميلاده التاسع.

تحولت ورشة العمل إلى ما يشبه الإيقاع الثابت، حيث أمضي إلى السجن كل يوم جمعة لحضور الفصل الدراسي الذي يستمر ثلاث ساعات مع فترة راحة في منتصفه، كنا نتحدث، نعم، نكتب ونقرأ الشعر سوياً، وتدور قصيدة «فالس أبي» التي نظمها ثيودور روثيكي عن الأبوة والخوف والحنين، فلبالنسبة لهؤلاء الرجال كانت هناك صلة تشبه الحبل السري، قوامها الشكل والمضمون، وللمرة الأولى كان معظم هؤلاء الرجال يقرؤون قصائدهم حول الآباء الذين يخشون، أو يفتقدونهم أو يتوقون إليهم.

ثم وقف رجل عصابة «موشم»، وقرأ بصوت عال قصيدته للمرة الأولى. واقترحت أن يبعث بقصيدته إلى أهله، وقال لي إنه بعد عدة أسابيع زارته صديقته السابقة، وأحضرت معها ابنه البالغ من العمر ستة أعوام.أشار إلى صورة وهو يقول: «احتضنته، وبمقدوري أن أحس به في فؤادي».

إنني أفكر في ذلك الصبي الصغير، الذي تلقى قصيدة من أبيه يبلغه فيها كيف أنه يريد أن يكون أباً له، حتى وإن مني بالفشل، ويحدثه بأنه أحبه، حتى وإن لم يدر كيف كان ذلك، وهذا شيء يفوق ما يحصل عليه الكثير من الصبية، أكثر من ما حصل عليه الرجال الخمسة عشرة، الذين عملت معهم في ورشة الكتابة الإبداعية.

وفي نهاية العام، كانت لدي كومات من القصص والقصائد المكتوبة على مكتبي، وحمل الورق معه رائحة السجن الدالة، يأس مترب ورمادي لحياة تحولت إلى رماد، وهي رائحة تقلب المعدة، ولكن العمل مع هؤلاء الرجال ساعدني على فهم السر في أن جنوب إفريقيا على هذا القدر من العنف، كما علمني أن أجد الصلة بين هؤلاء الذين ننحيهم من خلال الخوف والازدراء لما فعلوه، والعائلات التي مزقوها والعنف الذي اقترفوه.

إن الطريق الوحيد المفتوح أمام الكثير من أبناء البلدات المعزولة، بالغ المشقة والوحشية، بحيث إنه يقضي على الذوات الشابة المعرضة للخطر، الذوات «المزهرة»، إذا كان بمقدوري وصفها بأنها كذلك، التي ترغب في المجتمع والعائلة والحب.

زوكيسي وانر: الفشل ليس مطروحاً في بلادي وهذه هي الأسباب

ولدت في زامبيا، في سنة انتفاضات سويتو، لأب من جنوب إفريقيا وأم من زيمبابوي، وكان أبواي ناشطين سياسيين، حيث عمل أبي مع الجانب العسكري لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي، وعملت أمي مع حزب الاتحاد الشعبي الإفريقي في زيمبابوي، وهكذا فإننا على امتداد العديد من السنوات، منعنا من دخول البلدين كليهما، وانتقلنا إلى زيمبابوي بعد الاستغلال، ولكن كوني جنوب إفريقية، كان جزءاً قوياً من هويتي، وتقت للذهاب إلى جنوب إفريقيا.

من هنا فإن إعلان فريدريك دي كليرك المفاجئ عن قرب إطلاق سراح نلسون مانديلا في 2 فبراير 1990، وإسقاط الخطر عن المؤتمر الوطني الإفريقي ومؤتمر عموم إفريقيا، جاء مفاجأة سارة للفتاة ذات الأربعة عشر ربيعاً التي كنتها، والحريصة على التمسك بتراثها، وهكذا استطعت أخيراً وللمرة الأولى الذهاب إلى وطني.

خطفت جوهانسبرغ أنفاسي، فقد كانت مدينة مترامية الأطراف، وذكرتني كثيراً بلندن، التي كنت قد زرتها وأنا في الثانية عشرة من عمري، فذهلت. ومضيت للإقامة مع ابن عم أبي وعائلته، العمر فيليل والعمة تيمبي وأبنائهما الذين أصبحوا العائلة الممتدة التي طالما حلمت بها، وكنت أصغر بشهور قلائل من ربيعي الثامن عشر، عندما أجريت أول انتخابات حرة في جنوب إفريقيا العام 1994، ولم أتمن قبل ذلك أو بعده أن أكون أكبر سناً.

لقد شهرني العقد الذي أعقب الانتخابات وأنا أتحول إلى إفريقية تجوب العالم، فقد درست في هاواي، وأقمت في انجلترا، وارتحلت في أرجاء أوروبا. مات أبي، فعدت لشهود جنازته وأدركت أن وطني حقاً هو حيثما يوجد قلبي، ومع عدم احتمال حصولي على فرصة عمل، قررت العودة إلى جنوب إفريقيا، ويرجع جانب من السبب في ذلك، إلى أنني في غمار عودتي خلال الفترة الرئاسية الأولى لثابومبيكي، وجدت بلداً يقول لي إنه لا بأس بأن أكون إفريقية ويمكنني أن أكون أي شيء أريده، ولست ممثلة لعرقي أو قارتي وإنما فرد حر في أن يكون ذاته، أياً كانت هذه الذات.

وأخيراً أحسست بسلام العودة إلى الوطن.وجدت أنني حرة في كتابه ما أريده وفي انتقاد القيادة السياسية، من دون أن يقلل ذلك من الاحترام الذي أحظى به، وأحببت القصص المتعددة التي تعين على جنوب إفريقيا أن نرويها بسبب ثقافاتها المتعددة. ثم اشتعلت جوهانسبرغ في عام 2008، حيث تم شن موجة من الهجمات القاتلة على المهاجرين من الدول الإفريقية الأخرى، الذين أصبحوا ضحية للمشكلات الاجتماعية، مثل:

البطالة، الجريمة والافتقار إلى الإسكان. وللمرة الأولى في حياتي ساورني الشعور بالخجل من كوني جنوب إفريقية، فما من قدر من الفقر أو البطالة يمكن أن يكون عذراً لأناس يضحكون فيها بوضع إطار سيارة حول عنق رجل، ويحرق لا لشيء إلا لأنه ليس من جنوب إفريقيا، كما أنه لا يمكن أن يفسر السرقة والنهب.وكان الصمت من جانب القيادة السياسية مدويا، وشأن كل السود المنتمين إلى الطبقة المتوسطة، رحت أبحث عن تفسير، وكتبت عن غضبي في مدونتي، وصدمت عندما تلقيت تهديداً عبر الهاتف من شخص وثيق الصلة بالسلطة.

وقال الصوت المتناهي عبر الجانب الآخر من الهاتف: «إنك تقضين في صف القوى المضادة للثورة». وكنت قد عرفت هذا الرجل على امتداد ثلاث سنوات، وظننت أنه صديق، لم يعد الكتاب أحراراً كما كنت اعتقد».على الرغم من ذلك، فإنني لست متشائمة تماماً.

وأعرب أنه مقابل كل فم يعمل كالمحرك، مثل جوليوس ماليما رئيس رابطة الشباب التابعة لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي، هناك خمسة من أبناء جنوب إفريقيا الذين لا يبررون إخفاقاتهم بالتلويح ببطاقة عرقهم، وأعرف أنه مقابل كل يوجين تيري بلانش هناك عشرة من أصحاب الأعمال الذين يعاملون العاملين لديهم باحترام، وأنا أعرف كذلك أنه مقابل كل عشرة من البيض الذين يحزمون أمتعتهم ويغادرون جنوب إفريقيا لأن البلاد «تذهب إلى الكلاب»، فهناك كيفن بلوم حريص على التشمير عن ساعديه وبذل الجهد من أجل هذا البلد الذي يدعوه وطنه.

ويلوم هو كاتب جنوب إفريقي لقي ابن عمه مصرعه في جريمة قتل عبثية في كيب تاون، ويتحدث كتابه بعنوان «طرق البقاء»، عن قرار البقاء في البلاد.إن جنوب إفريقيا التي تفشل، ربما باستثناء الفشل في كرة القدم، ليست خياراً مطروحاً، وهناك الكثيرون من أبنائها مثلي، سيناضلون للحيلولة دون هذا الفشل.

جيليان سولفو: فقدنا شيئاً عميقاً في مرحلة الانتقال

في عام 1994، شاهد العالم جنوب إفريقيا وهي تمضي إلى الانتخابات، وامتدت طوابير الناخبين عبر البلاد فيما البيض والسود، الشبان والكهول، السادة البيض وخدمهم، يدلون بأصواتهم في أول انتخابات ديمقراطية حرة تشهدها البلاد، فكما قال نلسون مانديلا في خطاب توليه الرئاسة كانت أمة طالما اعتبرت ظربان... العالم تضوع برائحة عطرة للغاية، وتم تجنب حرب فظيعة.

حيث أفضت المفاوضات إلى السلام.في عام 2004، كنت مع أختي في موزامبيق للاحتفال بذكرى أولئك المقاتلين في جيش المؤتمر الوطني الإفريقي الذين قتلوا في غارة ماتولا.

وماتولا هي ضاحية من ضواحي مابوتو، وكانت قاعدة لمجوعة من أبناء جنوب إفريقيا السود الشبان، الذين كان الكثير منهم تحت قيادة أبي، جوسلوفو، الذي كان رئيس أركان الجناح العسكري لجيش المؤتمر الوطني الإفريقي، وكان يدير وحدة خاصة، ورجال ماتولا هم نخبة رجاله، وعلق آمالاً كبيرة عليهم بالنسبة للمستقبل، وقتل (16) منهم، بعد أن قامت وحدة من عسكريي جنوب إفريقيا الذين سودوا بشرتهم بعبور حدود جنوب إفريقيا بصورة غير مشروعة إلى موزامبيق وقتلوهم في إطار مذبحة وحشية، وضمن ماضينا المشترك لرجال ماتولا أن يحتلوا مكانة خاصة في قلوبنا.

ولكن كان هناك سبب آخر لكوننا هناك، فبعد ماتولا بعام، وفي 1982 ، تعرضت أمن روث فيرست، التي كانت تقيم آنذاك في مابوتو، للقتل بفعل رسالة متفجرة بعثت بها إليها شرطة جنوب إفريقيا، ودفنت إلى جوار ضحايا ماتولا.وقفت مع أخواتي وأقارب ضحايا ماتولا والأعضاء السابقين في الجناح العسكري للمؤتمر الوطني الإفريقي، خلال الاحتفال الذي أقيم إلى جوار المقبرة، ووضعنا على القبور باقات الزهور فيما عزفت الفرقة العسكرية الموزامبيقية الموسيقى، ثم مضى جمعنا إلى الكنيسة.

كانت تلك أياماً قليلة غريبة، فالمفوض السامي، وهو مسيحي، قد جعل الدين في بؤرة الاحتفال، وفي غضون ذلك انضم المعالجون التقليديون من جنوب إفريقيا إلى نظرائهم الموزمبيقيين لتطهير القبور روحياً، وبدا أن تيارات تحتية قوامها الصعوبة، وتعكس النبضات المتناقضة في جنوب إفريقيا، تتدفق بين هذين المعسكرين وطرقهما المختلفة في إسناد التاريخ إلى نفسيهما.كانت كاتدرائية ماتولا هي ساحة هذه الفعالية، وكان هناك أساقفة ومطارنة وجوقات وقراءات من الإنجيل وتراتيل وخطب، أما ما لم يكن هناك فهو إيضاح من كان من قتلى ماتولا وما الذي ماتوا دفاعا عنه، إلى أن برز وسط الجمع جاكوب زوما.

كانت أيام قوس قزح رئاسة مانديلا قد مضت، وحل محله ثابو مييكي، الذي كان حديثه عن عصر نهضة إفريقي لا يتسق مع آرائه وجموده حيال الإيدز، وكان زوما نائب مبيكي، ولكن مع تناثر مزاعم عن الفساد حوله، كان وضعه غير آمن، ومع ذلك فإن خطابه هو الذي جعل الجمع يتألق، وأضفى معنى على الفعالية.

وكان زوما قد عمل تحت الأرض في مابوتو، وكان القتلى رفاقه في السلاح وزملاءه وأصدقاءه، وتحدث عنهم لا بحسبانهم ضحايا أبرياء، وإنما كمقاتلين، وتكلم عن الطريقة التي انطلق بها إلى ماتولا ليشهد الدمار، ثم بدأ ينشد أناشيد الحرية التي دعمت النضال ضد نظام الفصل العنصري. ها هنا، أخيراً، كان الماضي كما نتذكره، وأضفى عليه زوما الصوت نيابة عنا.

إذا سارعنا بالانتقال إلى الحاضر، فإننا نجد أن زوما بعد أن نجا من مزاعم الاغتصاب، والفساد قد استخدم صوته الهادر للتغلب على مبيكي في التسابق على رئاسة المؤتمر الوطني الإفريقي، قبل أن يصبح رئيساً لجنوب إفريقيا، ويبدو أنه قد نحى جانباً الحداثة التي جعلت مبيكي أثيرا عند الغرب، وبالنسبة للامنتمين فإنه يمكن أن يظهر باعتباره «الآخر»، النبض الأسود الغريب لإفريقيا، وعلى الرغم من عدم ارتياح الكثيرين في الغرب لأسلوب حديثه القاطع فإنه هو الذي سيتألق على امتداد أيام فعاليات كأس العالم.

وعندما زار لندن أخيراً كان الوفد الذي يرافقه كبيراً للغاية، والمعجبون به من التعدد بحيث إن الحفل الذي أقيم على شرفه لم تتم إقامته في مقر المفوضية السامية، وإنما في فندق دورشبستر، وكانت أبرز فقرة في زيارة مانديلا إلى لندن، هي خطاب ألقاه في ميدان الطرف الأغر.

ونحن نعيش اليوم في زمن مختلف، فالجموع التي تدفقت على فندق «دورشستر» كانت مؤلفة في المقام الأول، من رجال الأعمال والأثرياء الجدد، الذين ساعدوا على بروز جنوب إفريقيا الجديدة. كان عدد القطط السمان يتنافض بشدة مع الفقر المهيمن على جنوب إفريقيا، ولم يكن خطاب زوما حنيناً إلى الماضي البطولي، وإنما إشادة بأمجاد كأس العالم لكرة القدم، وكانت زيارة مانديلا للندن شهادة علي الجسارة، أما زيارة زوما، الرجل الذي وضع يده على ماضيه في مابوتو، فكانت إعلاناً عن ماركة تجارية.

هكذا يمضي التاريخ قدماً. وفي عالم يزداد عدم الثقة في السياسيين تحت آفاقه، فإن جنوب إفريقيا ليست استثناء، وحزب المؤتمر الوطني الإفريقي يمكن إغراؤه كذلك بالاعتقاد بأن التسويق والعلاقات العامة يمكن أن يحلا محل الحلول للمشكلات المعقدة. ولم لا؟ لقد كتب ماضيه بالألم، والبلاد أيضاً من حقها أن تكون عادية، لكني لا أستطيع منع نفسي من الشعور بأنه في غمار تحول جنوب إفريقيا، فإن شيئاً عميقاً قد فقد.

مبوميليلو جروثوم: الاعتقاد بأن الكأس ستقلل فقرنا وهم كبير

تكمن مشكلة جنوب إفريقيا في أننا قمنا بانتقال أسهل مما ينبغي إلى الديمقراطية، حيث تم اكتساح كل التأثيرات السامة للفصل العنصري والتوترات بين الأعراق المختلفة ووضعها تحت السجادة، في محاولة من نلسون مانديلا وغيره لإيجاد يوتوبيا جديدة، هي «أمة قوس قزح»، وبقدر ما يعتبر انتقالنا، الذي لم تلطخه الدماء، إلى الديمقراطية، جديراً بالإعجاب، فإنه من الواضح أن المشكلات التي لم يتم التعامل معها قد عادت لتطل برأسها، وستبرز يوماً لتطاردنا.

أخيراً، عندما ثارت ضجة حول قيام جوليوس ماليما، رئيس رابطة الشباب التابعة لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي، بترويد نشيد «اقتلا البوير!» أدرك الناس أن مشكلاتنا لم تنته، فهناك شيء مظلم وخطر لم تتم معالجته، وأخيرا عندما قتل الزعيم الأبيض يوجين تيري بلانش، دعا الكثير من «الأفريكانر» إلى شن غمار الحرب، وهددوا بقتل السود.كان نظام الفصل العنصر ناجحاً للغاية.

والسود، سواء أكانوا يعرفون ذلك أم لا يعرفونه، لايزالون يحاولون التعامل مع تراثه، ويفشل البيض في فهم السر في أن معظم السود لايزالون عاجزين عن اغتفار ما حل بساحتهم من جراء التفرقة العنصرية، عندما دعا قادتنا إلى المصالحة، ولكن السود حرموا الحرية الاقتصادية على مداد سنوات عدة، وحرموا حرية التعليم، ونقلوا إلى المعازل والمناطق المغلقة، وبالطبع سيحاول بعضنا الوصول إلى أفضل ما يتيحه موقف سيء، ولكن ماذا عن أولئك الذين لا يستطيعون القيام بذلك؟ هل يمكنك توجيه اللوم لهم؟

لقد منح الناس حريتهم بعد عام 1994، ولكن ما جدوى الحرية عندما لا تمتلك سبل العيش الحر؟ عندما تكون قد نشأت في بيئة محكومة تحرمك من الحق في التعليم المناسب؟ عندما تحجب عنك كل ثروة بلادك؟

الآن، ها نحن جبال كأس العالم لكرة القدم، التي تحمل أملاً بالنسبة للكثيرين من الناس، ولكن ما الذي ستفعله من أجلنا؟ ما الذي ستفعله للفقراء؟ هل ستحل المشكلات العديدة التي يواصل عدد لا حصر له من أبناء جنوب إفريقيا مواجهتها؟قال لي أحد معارفي، أخيراً: «إذا كنت سأظل فقيراً بعد كأس العالم، فليس هناك أمل بالنسبة لي».

وقد جعلني ذلك أدرك كيف أن الكثيرين ممن لا يعملون تحت ماركات تجارية شهيرة، قد علقوا بالفعل آمالهم على هذه الدورة، ولكن هل ستتوافر فرص عمل على نحو عجائبي الآن لمن يعانون من البطالة؟ هل سيكف الفقراء عن كونهم كذلك؟ إن هذا وهم خيالي لا علاقة له بالواقع.تماماً كما جافى الكثيرون الصواب في الاعتقاد أن الديمقراطية ستحل مشكلاتهم كافة، فإن كأس العالم ستجيء وتذهب، ولن يتغير الكثير. خذ المسرح، على سبيل المثال، حيث يجري تنظيم العديد من عمليات الإنتاج، لتقدم عروضا مسرحية خلال كأس العالم.

ولكن من الذي سيستفيد؟ هل سيستفيد زملائي في المسرح الذين كانوا يناضلون اقتصاديا على امتداد سنوات عدة؟ لا، فهذه البرامج يديرها أناس لهم اتصالات، ولا يحتاجون إلى العون العجائبي من كأس العالم في المقام الأول، والسر الكبير المتعلق بكأس العالم هو أن الأغنياء وحدهم هم الذين سيزدادون ثراء من جرائه.

منى مدكور