الجماد: إيقاع الحياة الأكثر صخباً، وهو في تعددية إمكاناته وقابليته للتجدد والإفصاح الطبيعي عما في الكون من غنى، من وسائل عيش، والصعود إلى أعلى، كما هو الهبوط إلى الأسفل، تعبيراً عما نجهله ونريد اكتشافه.
لا يؤخَذ بالجامد إلا في اعتباره الثابت في مكانه، ما لا يُنتبَه إليه إلا في حالة خاصة، كما هو الجماد الذي يأتي تسلسلاً في الدرجة الدنيا في سلم الكائنات، رغم أننا نتحدث عن الاسم الجامد الذي يكون مصدر أفعال شتى!
إن أردنا فتح محضر ضبط للجماد، وراعينا المنطق الذي ثبَّتناه بداية، فسوف نجد أن ما نحاول تجاهله هو الذي يمثّل نقطة الانطلاق لتكويننا الحياتي، أي نكون في عداد كل الكائنات الحية التي يحتويها كوننا الكبير.
صحيح أن فكرة الجماد تحفّز على التعامل معه باعتباره المادة القابلة للتذرير، أو التفتيت دون أن يطرأ أي تغيير عليه، لأنه يفتقر ؟ تقديراً- إلى الهوية المعتبَرة للكائن الحي، ولكنها الفكرة التي لا تعدو أن تكون شهادة عيان صادقة على مدى التعسف في فهم الحياة ولعبتها، والإساءة الكبيرة إلى قانون الكبير ومن يكون وراءه عالياً عالياً.
لعل الخلل قائم هنا! من لحظة تصور سهولة التعريف بالجماد سلبياً، ومدى قابليته للتصرف به، وتحويله إلى شكل آخر في محيطه، أو خلطه مع سواه( عندما نمزج أجساماً جامدة مع بعضها بعضاً: في البناء مثلاً، أو في صناعة السيارة..)، بما أن الممتد من حولنا، يضعنا على أهبة الاستعداد لمواجهة ما تجاهلناه طويلاً، وهو أن الجماد الذي لا نكف عن العبث به، بذرائع شتى، سرعان ما يضيق علينا الخناق، لهجرنا وعي العلاقة به!
تُرى ما الذي يحول دون رؤية الجماد وهو في ثراء إمكاناته الهائلة، هذه التي تمنحنا فرصاً متتالية من الشعور بغبطة الذات، ومعايشة نعم الكون وجماليات المأثور الكوني؟
أوليس المتحول العمراني، وما يقرّب بين المسافات الجغرافيات، على الأرض، وعبر المياه الأوقيانوسية، وفي أجواز الفضاء، وما يمد في قوانا الحية، ينمُّ عن جمهرة كبرى من الجمادات التي لا تتوقف عن الإيعاز إلينا بضرورة تجاوز الجمادي فيها، وهي تحرّك فينا ما يكون منسياً، في المنبهات التي لا أثر لها إلا جرَّاء هذا المتحول في الجماد والذي ننسّبه إلينا دون منحه فرصة التعبير عن نفسه، أو النظر فيه على أن له كينونة مهما قبِل الانقسام أو الانشطار، خارج مفهوم الهوية التي أصَّلت فينا كثيراً حمَّى الاعتداد بالذات، والتطاول على المحيط الخارجي، باعتباره معطى لنا دون حدود!؟
في المنحوتات، في الآثار الفنية التي تكاد تنطق عن تواريخ تمنعها من الاندثار، في روائع اللوحات التي لا تعدو أن تكون هي الأخرى مستولدة من « جمادات « طبيعية، فيما يحمينا صناعياً.. إنه عالم يغمرنا ولا نشعر به.
الجماد: إيقاع الحياة الأكثر صخباً، وهو في تعددية إمكاناته وقابليته للتجدد والإفصاح الطبيعي عما في الكون من غنى، من وسائل عيش، والصعود إلى أعلى، كما هو الهبوط إلى الأسفل، تعبيراً عما نجهله ونريد اكتشافه، ليكون التوجه واحداً جهة الاكتشاف لما هو كوني.
ولما يشدنا إلى ما يتجاوز قوانا، فيكون الدرس الجمالي والأخلاقي في الاهتمام به بمرونة أكثر، يكون اللقاء المختلف كماً وكيفاً، في التفاعل، ضماناً أوفر للإنسان المعتبَر خليفة خالقه في الأرض، وما في ذلك من تأكيد غير معتنيً به، وبالمنظور المباشر، لمصلحة تشمله وتمد في بقائه الأكثر توازناً، والأكثر انتماء إلى الإبداع، كما لو أن الجماد محوَّل ركبُه هنا، واضع الرهان لأي منا، وهو تحت اسم لا يثير إلا انتباه القلة القليلة فينا.
إن الجماد أكبر من اسمه، لأن ما يردنا منه هو الذي يحدد مصائرنا مستقبلاً، بقدر ما يكون رهاننا الذاتي والكوني معاً، ومقياساً على مدى رقينا ولقاء حياً بهذا الخليفة الجميل الذي نكونه وننساه.
وفي حالات خاصة: في الكوارث التي تمثل على صعيد الطبيعة رعشات كونية، وربما احتجاجات غير مفكَّر فيها، بسبب هذه الذاتية المفرطة والبذخية المهلكة في أولي أمر « الجماد « والحي المستأثر به، تنتفض ذاكرة جمعية، في حدود معينة، لتعيد اعتباراً إلى أن الجماد ليس جماداً، إنه الصائر جماداً جرَّاء وهم العلاقة مع المحيط الخارجي الذي يتم التغافل عن نبض الجمال فيه، وهو الدال على وعي جمالي بائس فيناـ لاختزاله عالماً كاملاً.
وحدهم أهل الفن، والخافقون بأرواحهم يقيمون وشائج قربى مع كل ذرة، فيكون أمناء على كل ما يصلهم بها.
إن الأعمال الفنية، وكذلك روائع الموسيقى، وتلك النصوص التي تخرج الإنسان من جاذبية الموقع الضيق، والجدران الأربعة للمنزل أو المكتب، وتؤكّد فيه كونيته اللاحدودية، لا تتطلب شاهد عيان على أمثولاتها في الذوق والأخلاق، فهي ذاتها فيما تأتي به إبداعياً وفيما تحققه من مردود روحي، تثبت شهادتها في الزمن !
أبسط ما يمكن قوله اليوم وفي عالم موسوم بالكشكولية وضعف الولاء لعقل ناظم لما يحيط به، هو هذا التركيز على ما هو روحي في الفن والكتابة، على هذا الذي يبعد الإنسان عن جبروته الفردي الوهمي بقدر ما يحث على تجنب لوثة الصدأ الذي يعيق عمل القلب عن الخفقان العاطفي المناسب، والرؤية المناسبة لجعل الإنسان كونياً حقاً. هذا يعيدنا إلى الجماد وكيفية الدخول معه في توثيق عقد كوني يعترَف به، إنه عقدنا الذاتي والكوني معاً!
ابراهيم محمود
