الليل في سكونه الوقور، والقمر في ليلة التمام ينعكس على صفحته النيل، الذي يتدفق بهدوء يحكي حكاوي كل العصور، كاتم الأسرار، شاهد على العشاق، وعلى حكايات الفراق، على سطحه تطفو العوامات، ومراكب الصيد التي تشهد رزق الصيادين الذين يتوكلون على الرحمن في فجر كل يوم جديد ينتهي بالرضا والحمد ودعاوى بدوام الرزق الوفير.

العوامات والذهبيات التي تسكن فوق صفحة النيل هي أحد معالم القاهرة، بل من أهم معالمها، ففيها كانت تشكل الحكومات، وتوقع القرارات، عاشا فيها صفوة المجتمع المصري في القرن الماضي من باشوات وبكوات وفنانين وصحافيين ومثقفين، ولكن «دوام الحال من المحال»، والمجتمعات كل يوم بحال، متغيرات ورياح تغيير شاهدة على عصور تجيء وأخرى تزول، ولكنها في القلب والوجدان تدوم وتدوم، لأنها ذكريات زمن جميل مازال يتدفق في الشرايين، وأصبح جزءا من نسيج كل من أحبوه وعاشوا فيه ومعه، زمن الكبار الذين حملوا عصور شامخة وساروا بها. من مفردات وجماليات هذا الزمن ما يعرف بالعوامات أو الذهبيات، التي كان لها دور البطولة في ثلاثية الروائي العالمي المصري نجيب محفوظ، ووصف السهرات التي كان يقضيها السيد كمال عبدالجواد في العوامات.

وخاصة عوامات الراقصات الشهيرة مثل بديعة مصابني، التي اشتهرت بالرقص بالشمعدان في فترة الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي، وكان يجتمع في العوامات كبار الفنانين في الأربعينات من القرن الماضي، مثل تحية كاريوكا راقصة مصر الأولى أيامها، وسامية جمال، وأسمهان وفريد الأطرش ومحمد عبدالمطلب، وكبار الكتاب والمثقفين. ومن أشهر العوامات في تلك الحقبة في مصر عوامة منيرة المهدية في أوائل القرن الماضي، وهي العوامة رقم 165، وقالت في تصريحات لها قبل وفاتها: «لو فكر صحافي أن يسترق السمع إلى صالوني في تلك الفترة، لاستطاع معرفة أخبار مصر كلها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية».

ومن هذا المنطلق تعتبر العوامات التي كانت ترسو بصفة خاصة في منطقة الزمالك، ذلك الحي الأرستقراطي، وجاردن سيتي، حي النخبة والأسر الكريمة، وحي الدقي الراقي، من هذا المنطلق كانت العوامات العملاقة هذه شاهدة على عصر بأكمله بكل تفاصيله ومفرداته. ومن أشهر العوامات، تلك التي كتب عنها نجيب محفوظ في روايته «ثرثرة فوق النيل» إنعكاساً للواقع المصري في فترة الثلاثينات والأربعينات في بدايتها، وكأن العوامة في أدب محفوظ رمز لعصر بأكمله.

ومشهد العوامات الراسية فوق ماء النيل مشهد يعكس جماليات زمن ولى، ولكنه في القلوب حي، وفي الذكريات يملأ فراغ أزمنة باهتة.

أنوار العوامات تغازل النيل في ليل القاهرة الساحر والمميز بخصوصية لا مثيل لها.

دار الزمن دورته، وخفتت أنوار العوامات، ربما إلى الأبد، بعد ان هجرها سكانها الأصليون في عصر مميز بالناس والمكان والأحداث، ولكنها راسية، ولكن بمفهوم مختلف، يسكنها أناس من طبقة دون المتوسطة، منها ينبعث صوت أغاني زمان التي بقت ولم تستطع هذه الطبقة ان تزيلها مثل أغنية «إمتى الزمان يسمح يا جميل، وأتمشى معاك على شط النيل»، وأخرى لعبد الوهاب «بلاش تبوسني في عينيه دي البوسة في العين تفرق ويمكن في يوم ترجع إليّ وحلم القلب يتحقق» .

والآن يشهد النيل في سكونه أيضاً زمناً مختلفاً فتشق عبابه سفن عملاقة حديثة التصميم، جميلة بجماليات مؤقتة، بعيدة عن الأصالة، ولكنها كما يطلق عليها فنادق السبع نجوم العائمة، وتبدأ رحلتها النيلية من أمام فندق «النيل هيلتون» العريق أو فندق شبرد بجاردن سيتي.

وهما فندقان شهد كل منهما أعراس الطبقة الارستقراطية بمصر، في نزهة نيلية فوق الفنادق العائمة، التي تشق طريقها حتى ضاحية حلوان تتهادى فوق صفحة النيل، تقدم أثناء رحلتها عشاءً فاخراً، أيضاً تقام على متنها الأفراح وأعياد الميلاد وسط ضجة موسيقية تهتز لها مياه النيل، فيخرج عن صمته، ويشارك في أحداث زمن لاهث مجنون.

في رمضان تتحول الفنادق العائمة هذه إلى ما يشبه الخيّم الرمضانية، ولكنها حديثة التكوين والمعنى، وتشبه هذا الزمان!

وعندما نتذكر العوامات العريقة، لابد أن تقفز إلى بؤرة الشعور «يخت المحروسة» الملكي الذي أبحر بالملك فاروق، ملك مصر بعد ثورة 23 يوليو، فما هي حكاية يخت اليخوت هذه؟

هي حكاية ملكية تعكس زمناً خاصاً جداً، في العام 1863 أمر الخديوي إسماعيل والي مصر أيامها ببناء اليخت والتي أنجزته شركة «سامودا» البريطانية، وأبحر اليخت أول مرة في شهر أغسطس 1865 من لندن على ضفاف نهر التمييز الانجليزي إلى ميناء الإسكندرية المصري.

ويصل طول اليخت إلى 411 قدماً وعرضه 42 قدماً، والحمولة 3417 طناً، يعمل بمحرك بخاري بوقود فحم حجري يعمل بنظام الطارات الجانبية بسرعة تصل إلى 16 عقدة/ الساعة،.

وتزينه مدخنتان، بالإضافة إلى ثمانية مدافع من طراز «أرمسترونج» البريطاني للحماية من أي غارة بحرية.

وأهم رحلات اليخت الملكي «المحروسة» في العام 1867، حيث استخدم اليخت في الحملة المرسلة لإخماد الثورة بكريت، وفي العام 1868 أبحر به الخديوي إسماعيل لحضور المعارض المقامة بباريس عاصمة النور والجمال.

وفي العام 1869 أبحر به الخديوي إسماعيل لميناء مارسيليا الفرنسي لدعوة ملوك وأمراء أوروبا لحضور الحفل العالمي لافتتاح قناة السويس، وسط تظاهرة فرح عالمية، وكان اليخت أول السفن عبوراً عند افتتاح قناة السويس، وسط حضور لفيف من ملوك وأمراء أوروبا، منهم أمير وأميرة هولندا، وولي عهد ألمانيا الأمير فريدريك، والإمبراطورة أوجيني إمبراطورة فرنسا وإمبراطور النمسا فرانسوا جوزيف.

ومازال اليخت الملكي يشق عباب البحار، ففي سنة 1899، أبحر الخديوي إسماعيل باشا، بعد عزله عن حكم مصر إلى ميناء نابولي في ايطاليا، وفي سنة 1899 أبحر اليخت من الإسكندرية «عروس المتوسط» إلى بورسعيد لإزاحة الستار عن تمثال ديلسبس، وفي العام 1914 أبحر اليخت مقلاً الخديوي عباس حلمي الثاني إلى منفاه بالآستانة بتركيا.

وفي سنة 1939 جاء على متنه محمد رضا بهلوي شاه إيران، متوجهاً إلى مصر لعقد قرانه على الأميرة فوزية، شقيقة الملك فاروق.

وشهد اليخت في سنة 1946 بأمر من الملك فاروق إبحار الملك عبدالعزيز آل سعود ملك السعودية على متنه إلى ميناء بور فؤاد المصري في زيارته التاريخية لمصر في 6 يناير عام 1946، وبعد زيارته عاد به اليخت إلى جدة.

ولكل بداية نهاية، ففي العام 1952 غادر به الملك فاروق إلى منفاه في ايطاليا، بعد تنازله عن عرش مصر والسودان، بعد قيام حركة الجيش المصري في 23 يوليو عام 1952، وكان ينوي الاحتفاظ به معه، إلا أن طلبه قوبل بالرفض من السلطات المصرية وقتذاك، ورحل الملك فاروق، وبذلك انتهى عصر الملكية وبدأ عصر الثورة.

وأين اليخت الآن؟!

يرسو قبالة شاطئ قصر التين الملكي بمدينة الإسكندرية حيث عدل اسم اليخت رسمياً من قبل الحكومة المصرية إلى «يخت الحرية»، ولكنه حتى الآن يذكره الناس باسم يخت المحروسة.

وربما لاقت العوامات في مصر المصير المنحدر نفسه، مثلما حدث مع يخت المحروسة بإختلاف التفاصيل، فالعوامات المصرية في طريقها إلى الإنقراض، بعد توقف التراخيص بحجة أن النيل سيصبح تجمعاً سكانياً عشوائياً في زمن تختلط فيه الأمور والحابل بالنابل.

المراكب مازالت تشق عباب المتوسط والنيل مع اختلاف كبير، فالتحديث طال الشكل والمضمون، فالمراكب أصبحت تخصص للرياضات المائية في بحر الإسكندرية وبورسعيد والمسطحات المائية حول مصر، وفي المصايف الحديثة التي انتقلت إليها النخبة الجديدة، مراكب صغيرة الكترونية باهظة الثمنه يلهو بها أولاد «باشوات العصر الحالي» وتشهد الشواطئ كل صيف حوادث مروعة بسبب رعونة الشباب الذي يلهو بالمراكب بلا مبالاة، وآخرين يلهون بالبلسوار «نوع من المراكب».

في طرف آخر من العالم، في جنوب شرق آسيا تستخدم المراكب كأسواق عائمة دائمة فوق المسطحات المائية ـ تستخدم ـ في بيع الفواكه الاستوائية كجوز الهند والمانجو بكل أنواعها والكيوي والبطيخ والموز وفواكه «الاناييس» وهي ثمار صغيرة تشبه النجمة ذات مذاق لاذع، ولكنه يكون التركيبة الغذائية لهذه البلاد التي تطلق عليها نظرية «سويت أند ساور» أي الطعام الحلو الممزوج بمذاق لاذع.

أيضاً يباع في المراكب الخشبية يدوية الصنع في جنوب شرق آسيا الزهور، والملابس القطنية الملونة، ويقف الباعة على أطراف هذه المراكب معتمرين القبعات القشية الكبيرة، وينادون على منتجاتهم بأصوات تشبه الصراخ، وهذه المشاهد للدكاكين المائية الطافية هي جزء من السياحة في بلاد جنوب شرق آسيا.

وتقام مهرجانات الفواكه على متن هذه المراكب العائمة الملونة كل عام، فتكتسي المياه ومسطحات الأنهار بمراكب خشبية ملونة فوقها الزهور والفواكه والقبعات القشية وهدايا يعود بها السياح من بلاد السحر الآسيوي الرائع.

وماذا عن الفن السابع وإنعكاس المراكب بكل أنواعها فيه؟

لها حضور قوي، ابتداء من العوامات التي على متنها صور فيلم «ثرثرة فوق النيل» وهو من روائع أدب نجيب محفوظ، إنتاج عام 1971 بطولة أحمد رمزي وميرفت أمين وسهير رمزي وعماد حمدي وعادل أدهم ومن إخراج حسين كمال، يعكس متغيرات المجتمع المصري وقتذاك.

وفيلم «المراكبي» بطولة صلاح السعدني ومعالي زايد يعكس الحياة داخل مركب شراعي متوسط الحجم في منطقة النيل بضاحية المعادي، والفيلم يعكس قصة إجتماعية ترمي بظلال الانسحابية والرضا بالواقع وعدم التطلع للأفضل، ويعتبره النقاد فيلماً رمزياً بالدرجة الأولى.

ويعتبر فيلم «العوامة 67» بطولة أحمد زكي من الأفلام التي امتزجت فيها البطولة فيما بين أبطال الفيلم والعوامة.

وتعكس السينما العالمية العديد من الأفلام التي لعبت فيها المراكب بمختلف أنواعها وأحجامها دور البطولة مع الأبطال من الممثلين، منها فيلم «قراصنة الكاريبي» بطولة «جون ديب» الذي أطلق الجزء الرابع من الفيلم والذي تكلف 56 مليون دولار ولاقى نجاحاً منقطع النظير، يدور حول قرصنة البحار التي أصبحت ظاهرة عالمية.

ويحرص المخرج المصري خالد يوسف على تصوير فيلمه الجديد المقبل باسم «الغريق» يتناول فيه الهجرة غير المشروعة من الشباب عن طريق المراكب منتهية الصلاحية والتي عرفت ضمنا باسم «مراكب الموت» ويتم التصوير عبر الشواطئ المصرية والحدود الليبية وبعض الدول الأوروبية المطلة على المتوسط.

ولعلم النفس رأي في المصالحة النفسية عن طريق المراكب العملاقة مثل «فرعون النيل» وهي يخت عملاق، يقول الدكتور أحمد عكاشة إن رحلة المركب تعكس هدوءاً على الذين يعانون من الاكتئاب، فالإبحار في حد ذاته يهدئ النفس، وينطلق بها نحو آفاق بعيداً عن اليابسة.

والرياضة المائية تعكس أهمية المراكب التي تشترك في السباقات الدولية، وربما من هنا نلتقط الفارق الكبير فيما بين العوامات المعروفة باسم «الذهبيات» التي كانت ترسو في الزمالك وجاردن سيتي وبين المراكب الشراعية الملونة ومراكب الصيد والرياضات المائية، فالمراكب في النهاية شاهدة على رياح التغيير في المجتمعات، وبصفة خاصة في المجتمع المصري.

سباقات القوارب

الإمارات اشتهرت تقليدياً بسباقات القوارب، حيث تشهد بحيرة خالد في الشارقة في العديد من المناسبات سباق القوارب وتشتعل السماء بالألعاب النارية المبهرة، فيكون عناق السماء والماء في عروض رائعة ترفيهية ملونة بألوان الطيف، ومثيلتها يشهده خور دبي.

وإذا تركنا التحديث جانباً، يطل علينا تاريخ بناء السفن الإماراتية والعبارات وجميعها من الخشب الصلب، منها ما يستخدم كفنادق ثابتة فوق الماء ومنها ما يرحل من أجل التجارة إلى بندر عباس ومدن أخرى حاملة معها كل شيء، وتجلب البخور والحرير الهندي والتوابل، أيضاً هناك القوارب والسفن التي تحمل على متنها الغواصين المحترفين، يغوصون للأعماق لجلب اللؤلؤ الذي اشتهرت به الإمارات.

منى مدكور