جزء ثان من ثلاثية حول الحياة الموحشة في ظل ستالين ينسب إلى الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين، تقليديا قوله: «إذا كان موت إنسان مأساة، فإن موت مليون إنسان هو إحصاء».
وربما كان هذا قد قيل عن ستالين وليس على لسانه، غير أنه يمكن أن يشكل مقدمة مناسبة لرواية الكاتبة والشاعرة البريطانية هيلين دانمور الجديدة الصادرة أخيراً بعنوان «الخيانة»، والتي تشكل الجزء الثاني من ثلاثيتها التي استلهمتها قبل عشر سنوات برواية «الحصار».
وكانت «الحصار» قد أدرجت في القائمة القصيرة عام 2001 لجائزتي أورانج ووايتبريد، بالنظر إلى تصويرها المذهل للحياة التي يعيشها الناس العاديون في ستالينغراد تحت الحصار النازي عام 1941، وقد أشار بها الكثير من النقاد والقراء على السواء. وتلتقط رواية «الخيانة» طرف الخيط في سرد حياة الأبطال الذين بقوا على قيد الحياة في نهاية «الحصار».
نلتقي في الرواية الجديدة مع أنا وزوجها أندريه وأخيها الأصغر كوليا، وقد مضوا بشكل أو بآخر في حياتهم انطلاقاً من حيث تركناهم في نهاية «الحصار»، وبينما تمثل إبداع تلك الرواية في إبراز الجوع والبرد المرافقين للحرب في ستالينغراد، فإن الرواية الجديدة تجسد الإحساس بجنون الاضطهاد والارتياب، الذي تكاد تلمسه لمس اليد في حياة الناس العاديين في الاتحاد السوفييتي في صدر الخمسينات من القرن الماضي.
وفي الصفحات الأولى من الرواية يدرك أندريه، الطبيب في أحد مستشفيات ستالينغراد، والذي يحاول ان يعيش حياة عادية يتماهى فيها مع كل شيء حوله فلا يبرز للعيان ولا يرصده راصد، أن :
«ما من أحد يغدو عدواً أكثر لدداً من رجل اضطر للتوسل إليه لتساعده»، ويتحقق ذلك على الصعيد العملي عندما يتوسل إليه روسوف، زميله في المستشفى لتولي رعاية فتى مريض في العاشرة من عمره، يعاني من سرطان يوالي الزحف على ساقيه.
من سوء الطالع بالنسبة للطبيب المثالي أندريه أن الفتى المريض ليس إلا نجل فولكوف، الضابط البارز في الشرطة السرية، ويتضاعف سوء الحظ عندما يكشف التشخيص عن سوء حالة الفتى.
غالباً ما تصف روايات دانمور العلاقات العائلية التي ينالها العطب على نحو ما، والحياة العائلية التي نواجهها في هذه الرواية تعكس الصدمات في كل أشكالها، بما في ذلك التأثير الوحشي لستالين نفسه.
ونحن نتابع أنا، التي تبلغ الثالثة والثلاثين ولاتزال توالي بالعناية والرعاية أخيها الصغير كوليا، الذي ماتت أمهما وهي تلده فتبددت بذلك كل أحلام أنا عن حياتها، والآن غداً كوليا فتى في السادسة عشرة مجرداً من أي شعور بالعرفان للجميل نحو أخته وزوجها أندريه، اللذين يحلمان في صمت بأن ينجبا طفلاً يملأ حياتهما سعادة.
في الوقت نفسه يرتبط أندريه بصفة إنسانية بالفتى المريض جوريا، الأمر إلى يجعل صلته بأبيه الضابط فولكون أكثر خطورة وتعقيداً، حيث يبدو أن من الضروري إجراء عملية بتر لساقي الفتى المريض بالسرطان، وحتى في حالة إجراء هذه العملية، فإن نجاته ليست مضمونة.
ومع تحول حياة أندريا إلى مادة تصاغ منها الكوابيس تبرز التفاصيل الدقيقة والوحشية ذات الطابع السوريالي لمعاناته ومعاناة زوجته أنا، حيث تبرز البطولة الملحمية لأولئك الذين يتعين عليهم الانتظام، حيث نقرأ في الرواية: «بدا أن الموظف قد حسب بالضبط مقدار اليأس الذي يحتاج إليه كل فرد يقف في الطابور أمامه كل يوم».
وأيضاً: «في الخارج، ما كان يمكن له أن يصدق أبداً أن الحروف الثلاثة الأولى المنقوشة في قطعة صابون يمكن أن تكون شيئاً ثميناً إلى هذا الحد».
في غضون ذلك، تستميت أنا للحفاظ على الطابع العادي للأمور في حياة أسرتها، على الرغم من الضغوط المستمرة والأهداف المفروضة عليها في عملها كمعلمة في مدرسة للصغار، وهي تناضل من أجل حماية أخيها الأصغر، الذي يناضل بدوره شأن أخته للتغلب على ذكريات وتأثيرات الجوع الرهيب خلال الحصار النازي، ولكنها توالي بعنايتها موهبة كوليا كعازف بارع على البيانو ومؤلف موسيقي.
ونحس طوال الوقت بالضغوط المكثفة التي تتعرض لها شقتهما المؤلفة من غرفتين، حيث يتربص بهما الجيران لإدانة أي تصرف يمكن أن يوصف بأنه مخالف للأعراف الاجتماعية للمرحلة.
هكذا نتابع نضال أنا في الحياة اليومية من أجل تقديم حساء مغذ لزوجها وأخيها، وجعل الثياب في حالة لائقة وتوظيف إبداعها الأنثوي لتخفيف ضراوة حياة زوجها أندريه.
كما أنها تلهم المؤلفة مقاطع شعرية بديعة في هذه الرواية، في غمار تشجيعها لزوجها على مشاركتها في نزهات صيفية على شاطئ نهر نيغا أو محاولة ترميم كوخ العائلة الريفي الذي دمره الجنود النازيون خلال الحرب، كما أنها تتوق إلى إنجاب الطفل الذي تحس بأن زوجها أندريه يتمنى أن يملأ حياتهما.
وتشكل الذكرى وتداخل الماضي والحاضر نصوصاً فرعية في هذه الرواية المؤثرة، حيث نجد أن أنا مدفوعة بقوة لحماية أعمال أبيها التي تحمل أفكاراً ومشاعر انشقاقية على نظام ستالين.
وهي تحيا شأن أبيها من قبلها في ظل الخوف من طرقات تنهال كالمطارق على باب دارها مع قدوم زوار الفجر لاصطحابها إلى رحاب المجهول، في إطار اعتقال ربما تعرف أوله، لكنها لن تعرف أبداً نهايته، وهو اعتقال يتزايد احتمال حدوثه مع تزايد عجز زوجها أندريه عن تخفيف معاناة ابنة فولكوف الذي توحي حالته باليأس.
وعلى امتداد هذه الرواية ذات الإيقاع السريع والتي تخطف أنفاس القارئ تعطينا هيلين دانمور إحساساً غنائياً ومدهشاً بالمكان، فنحن نرى كوليا وهو يقطع الخشب، ويستخرج ثمار البطاطا من الأرض، ويروي السوسنات الصغيرة في قطعة الأرض المجاورة لكوخ العائلة الريفي.
ويستمد أندرية إلهامه من الذكريات التي لا تفارقه لعبق هواء غابات التايجا المفعم بروائح الراتينج وثمار الفراولة، ولكن إزاء هذا المناخ الرائع وفي تضارب وحشي معه يبرز الواقع الجهم الذي يجري وصفه.
حيث نصدم بالصور الوحشية لما يجري خلال عمليات التحقيق في مقر الشرطة السرية والحجز الانفرادي للسجناء ونقلهم لاحقاً إلى المنفى وكل ملامح القمع المعهود في المرحلة السوفييتية.
وعند انتهاء القارئ من قراءة الرواية فإنه لن يكون قد صادف هذا فحسب، وإنما سيلتقي بالرقة المدهشة التي تلمسها عند الكثيرين من الناس العاديين في زمن حافل بالعنف والرعب، فهناك كوستيا، الطبيبة العجوز وجارة العائلة القريبة من كوخها الريفي.
والتي تنثر من حولها التماسك واللمسات الإنسانية والدفء الحضاري من خلال إيماءات بالغة البساطة، مثل إبقاء فرن العائلة وإدخال الطمأنينة على نفس أنا، وتبدو المفارقة هائلة بينها وبين سونيا ماسلوف، زوجة الطبيب الاستشاري البارز الذي يعجب به أندريا، والتي لم تتردد في الانتماء إلى الدولاب الوحشي للنظام القمعي.
وليست هذه هي المفارقة الوحيدة التي نجدها في الرواية، وإنما هناك المفارقة المركزية بين كوليا الذي يطرق أبواب الرجولة والفتى التعس جوريا الذي يطرق أبواب الموت والذي فجر مرضه هذه التراجيديا بأسرها.
وتظل «الخيانة» رواية من نوع فريد، وإذ كان القارئ الذي تابع، يحب وتعاطف، رواية «الحصار» قد انتظر عشر سنوات ليقرأ الجزء الثاني، فإننا نأمل ألا يطول انتظارنا لصدور الجزء الأخير من هذه الثلاثية المدهشة، التي تدور في جوهرها حول شجاعة الناس العاديين التي مكنتهم من تحقيق صمودهم الملحمي في مواجهة نظام وحشي قدر له في النهاية الانكسار في مواجهة هذه الشجاعة.
الكتاب: الخيانة
تأليف: هيلين دانمور
الناشر: نغوين نيويورك 2010
الصفحات: 528 صفحة
القطع:المتوسط
The Betrayal
Helen Dunmore
Panguin, N.Y., 2010
528P.
