أطلقت نبيلة أحمد علي على كتابها «الحلم الأسود. . قراءة للشخصية النسوية في آثار كاتبات القصة الإماراتيات» عبارة (دراسة تتبعية)، وهي تسمية في محلها تماماً، إذ إنها تتبعت بمبضعها الشخصية النسوية، منذ بداية عهد القصة القصيرة النسائية في الإمارات على يد شيخة الناخي، صاحبة مجموعة (الرحيل)، الفائزة بجائزة وزارة الشباب للعام 1972م، عن القصة التي تحمل الاسم نفسه، ومروراً بالكثير من المبرزات وإبداعتهن القصصية، التي توالت بعد مجموعة شيخة الناخي.
استعانت المؤلفة للتدليل على حقها المعنوي في عرض وجهة نظرها في الموضوع، حتى ولو سبقها إليه باحثون آخرون، استعانت بمقولة الجاحظ: «الأفكار على قارعة الطريق مبذولة لمن يشاء، والتفاوت بين الكتاب يكون بطريقة التناول والفحوى والغرض».
وهي تقول في هذا الصدد إنها بادرت إلى بحث هذا الموضوع لأنها لم تعثر على صوت امرأة من المشتغلات بالنقد الأدبي أقبلت على تفكيك مجموعة من النصوص القصصية لبعض بنات جنسها، من اللواتي صدرت أعمالهن بغرض تقديم قراءة نسوية تواكب إنتاج القصة التي تكتبها حواء، فتكون بمثابة راصد من داخل موقع وجود النساء المشترك نفسه في المجتمع.
خصصت علي الفصل الأول من الدراسة لتناول ما كتبته بعض رائدات القص في الإمارات، وعلى رأسهن شيخة الناخي، وذلك في الهروب من خاصية المرأة إلى عامية المشاكل.
وتسجل المؤلفة للناخي أنها أعادتنا إلى حقيقة عدم استطاعتنا الاستغناء عن الحب بكل ظرفه وجنونه وتدميره، خصوصاً عندما نعيشه على انفراد، كما سجلت لها أيضا تفكيكها البنية الاجتماعية التي مازالت المرأة تعيش فيها، تتأثر بها وتؤثر فيها، وهي تعتبر أسيرة هذه العادات والتقاليد التي تحرم الفتاة من اختيار شريك حياتها.
وأشارت المؤلفة إلى أن البطلة اختارت الاستكانة والرضوخ، ولم تقاوم عندما أجبرت على الزواج من رجل عجوز لا يناسبها، وحتى عندما انفصلت عنه اختارت العودة للعيش في كنف والدها وزوجته، دغم تعرضها للأذى منهما سابقاً.
وتنتقل علي من مجموعة (الرحيل) إلى نتاج قاصة أخرى، وهي سلمى مطر سيف، والتي وصفتها بأنها صاحبة أنضج التجارب النسوية في القص، خاصة في مجموعتها (عشبة)، وتعرض الباحثة علي إلى علاقة أهل الخليج بالبحر.
حيث وصفته بالثابت المتحرك الصامت الشاهد على جميع المتغيرات والتحولات الاجتماعية والاقتصادية، دون أن يتغير، وأنه أكبر مصدر رزق، بما يمنح مرتاديه من أسماك وغوص وتجارة، وأيضاً لأنه شاهد على لوعة الفراق والحنين والانتظار، بعد أن يبحر الرجال بحثاً عن الأسماك واللؤلؤ.
وفي محطة عرضها الثالثة، توقفت المؤلفة علي عند نتاج القاصة مريم فرج جمعة، حيث استعرضت مسيرة هذه القاصة تفاصيل شاملة لحياتها اليومية، مبينة أنها تتجول بين ثنايا المفردات وتشارك الرجل مأساته وهمه وتشرده، أو تكون سبباً في ذلك، كما في قصة (عبار)، التي قامت البطلة فيها بدور المحرك لهواجس العبار العجوز. وتجد المؤلفة نجاحاً واضحاً للقاصة جمعة في تصوير التفاصيل الحياتية بشكل ميكروسكوبي للبؤس الإنساني.
وبخصوص القاصة سعاد العريمي، ترى علي أنها أسهمت في إخراج المرأة من دائرة الاستكانة إلى دائرة المشاركة في كل القضايا المحلية بشكل خاص، والعربية بشكل عام، فهي تحاول جرها إلى حركة التاريخ والفعل حتى يمكن إنقاذ ما تبقى، فالمرأة الجديدة من خلال بطلات العريمي واثقة من نفسها، ومتحدية، ومصرة على متابعة الطريق رغم أن الكثيرين خذلوها.
وتضيف المؤلفة أن العريمي انتقلت بحرفية من الهم المحلي إلى العربي العام، وذلك بتجليات البطلة (طفول) في قصة (طفول وسيف القبيلة)، فأرخت معها لحوادث عربية وقومية مهمة.
وعنونت المؤلفة محور نقدها للقاصة ظبية خميس ب«الغربة في الوطن وحرية المشروط»، حيث ناقشت في هذا المحور ماهية نجاح القاصة في التعبير عن نفسها بكل جرأة لغوية، وتجسيدها معاناة الفتاة الخليجية في ظل المصاعب الاجتماعية ومسألة التكيف مع مجتمع مغاير عن مجتمعها.
وفي معرض نقدها لأعمال باسمة محمد يونس، توضح علي أنها امتلكت الجرأة الكافية في تناول القضايا المسكوت عنها، خاصة قضايا الشرف في مجتمعاتنا العربية، واستشهدت هنا بنصوص للقاصة تتضح فيها المهارة في اجتثاث النزف والقيح المتخثر في نفوسنا وتجز العادات السلبية التي تمنعنا من النهوض والتقدم.
وفي الفصل الثاني الذي أفردته المؤلفة للحديث عن للقاصات الجديدات، بدأت بمجموعة فاطمة الكعبي (مواء امرأة)، لافتة إلى إنها تمثل القصة الوحيدة التي كتبتها فاطمة الكعبي، وتتساءل عن السبب، وفي الوقت نفسه ترصد تمكن القاصة من تلخيص التراكم الكبير لحياة النساء، شارحة عيوب الزواج التقليدي، وذلك على لسان البطلة، واصفة إياه بقتل المستقبل.
وتشير علي إلى انه، وعلى غرار فاطمة الكعبي، سجلت سارة الجروان مجموعة قصصية وحيدة، رغم أنها تكتب منذ التسعينيات بشفاف القلب ووجع العقل الرافض لكل العادات والتقاليد التي تقف في وجه بطلاتها ليرتقين أكثر في سلم الحياة.
وتؤكد المؤلفة في محور بحث جديد يعنى بنقد الإنتاج القصصي لكاتبات الإمارات، على سبر وتحليل تجارب عدة، وتختار الإضاءة على نتاج إبداع ريا مهنا سلطان ومعاركها الفكرية الواضحة في قصصها، حيث تهدف من خلالها إلى تغيير النظرة الذكورية نحو المرأة، وتصف علي هذه القاصة بأنها باحثة عن الحرية والمعرفة، ولكن لابد من وجود ضحايا أثناء البحث، فالفكرة تبدأ حلما ثم تصبح معرفة.
ومن خلال (قصة رقم 13) تقوم الباحثة بتقييم الوضع الذي اختارته القاصة عائشة الكعبي لبطلة القصة، التي تحمل هذا الاسم، حيث فشلت في زواجها المبكر وطلاقها، فقرارها بالتفرغ لتربية الأولاد، ومواصلة تعليمها الذي حرمت منه، إلى أن حصلت على الدكتوراه في الفلسفة.
وأما القاصة أسماء محمد جاسم الكتبي، في مجموعتها (سكانر)، فترى المؤلفة أنها تلامس تابو علاقات المحرم - على حد تعبيرها، وتضيف علي: إن هذه القضايا لا تزال من المحرمات الممنوع التحدث عنها.
وانتقلت الباحثة في الفصل الثالث إلى الحديث عن قاصات يتأرجحن بين التجديد والنمطي، وبدأت بفاطمة المزروعي التي تناولت الحرية على المستوى العام في مجموعتها (ليلة العيد)، مفسرة كيف يمكن أن تقتل الأحلام في ليلة العيد، بسبب الحروب والمذابح الوحشية.
وتعرضت المؤلفة، بعد ذلك، لمجموعة (ما بعد الطوفان) لعائشة عبد الله محمد، مبينة أنها تضعنا أمام فراغ وجودي يتأرجح بين الموت والطوفان، ليصبح كابوساً أو موتاً.
وفي الفصل الأخير من كتابها، بحثت المؤلفة علي في مضمون نتاج إبداعات عدد من القاصات الجديدات، اللواتي يجددن الخطاب النمطي القديم، مثل مريم سعيد المري، صاحبة مجموعة (لوحة المطر)، وشروق محمد سلمان، مجموعة (نجحت الخادمة).
الكتاب: «الحلم الأسود..قراءة للشخصية النسوية في آثار كاتبات القصة القصيرة الإماراتيات»
تأليف: نبيلة أحمد علي
الناشر: وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع
الصفحات: 160 صفحة
القطع: المتوسط
أيمن حجازي
