يحرص كتاب «قصيدة النثر وما تتميز به عن الشعر الحر»، لمؤلفه الناقد العراقي عبد القادر الجنابي، والصادر عن ثقافات إيلاف والغاوون ـ بيروت ـ 2010، على بحث قضية ملامح التمايز والاختلاف بين قصيدة النثر والشعر الحر بوجهة تحليلية دقيقة، حيث يستهل الباحث محاور دراسته بالتأكيد على أنَّنا في الوسط الثقافي العربي، لم نرافق ولادة المصطلح الثقافي الذي يأتي عبر جهد ورؤى لثقافة حيوية.

إضافة إلى قصور أو انعدام متابعتنا لسيرورته (تداعياته)، ما جعلنا نجهل شروط نموِّه إلى مصطلح آخر أكثر استقلالية وتحرراً في بيئته البعيدة عنا، وينطلق الجنابي من ثبوت ورسوخ هذا الأساس ليفيدنا بفحوى تجربة معايشات معروفة للوسط الثقافي العربي، خبر عبرها في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، فورةً ثقافية ناقصة تقوم على التعليق وليس على النص.وعلى الفرع وليس على الأصل، إذ انبثقت حركة «الشعر الحر» في لغتنا الشعرية بالعالم العربي، فقدَّمت أعمالاً وأثارت سجالات من أنواع شتى، لنرى مع هذا الواقع غياب أي قدرة حقيقية للأقلام في توضيح ماهية الشعر الحر، أي ضمن معطياته لدى الآخر الذي أخذنا منه المصطلح، خصوصا وأننا كنا نتصورهم مطلعين بعمق على تاريخ المصطلح لهذا الشعر، إلى جانب مختلف، تطوراته، حيث وضح أنهم في حقيقة الأمر، لم يكونوا أقل جهلاً من قرَّاء لا يعرفون لغة ثانية.

ويبرز الكاتب هنا نماذج تجارب لبعض الكتاب العرب، مثل جبرا إبراهيم جبرا الذي رأى أنَّ شعر نازك الملائكة وبدر شاكر السياب، لا تصح تسميته بالشعر الحر، وإنما يجب أن تطلق هذه التسمية على شعره هو، وأيضا على شعر توفيق صايغ ومحمد الماغوط، ويلفت الجنابي إلى أن جبرا لم يعلل أو يفسر سبب طرحه بشكل مقنع.

ويشير في هذا الخصوص إلى أن أفضل قصائد حركة الشعر الحر، في نظر النقاد، هي تلك التي كتبها شعراء ضليعون بالعروض الانكليزي، إلى حد أنهم عرفوا كيف يتلاعبون بالتفاصيل والمقاطع النبرية وغير النبرية، غاية خلق وحدة وزن جديدة في قصائدهم.

وفي محور بحث أخر ضمن هذا الموضوع المطروق، ينبهنا الجنابي إلى أن الكتب التي ظهرت مؤخراً حول قضية الشعر الحر تثبت أنه ليس ثمة «شعر حر» واحد، بل مئات من أشكاله، يسكنها شبح وزن ما، وهناك في الفرنسية بالمقابل شعر واحد تتغير فيه فقط مقاربات الطرح من شاعر إلى آخر، وبذا يستنتج الكاتب، أن شعراء التفعيلة، مثل الملائكة والسياب والبياتي، هم نقطة الانطلاق الأولى للشعر الحر في العالم العربي، على الأقل، في إطار مفهوم أوائل الشعر الانكليزي، ولكنهم توقفوا عند الأسس، والتي تتلخص ب:

عدم الالتزام بعدد ثابت من التفعيلات، وتحويل البيت من شطرين إلى واحد، ومزج تفعيلات بحر بتفعيلات آخر، والوقفة، حيث يريد الشاعر، إلى نهاية المعنى، ونسف نظام الروي مع جعل الصوت متنقلاً، وعدم خضوع الموسيقى للوزن لتلتصق بالحالة النفسية للشاعر، والتدفق.

وبناء على ذلك يشدد الجنابي على أن هؤلاء أوجدوا قيوداً خليلية جديدة دون أن يذهبوا إلى مرحلة أبعد أو اكبر. ثمَّ يذكِّر عبد القادر الجنابي القارئ بأنَّ توفيق صايغ لم يعنون ديوانه الأول(30 قصيدة) بنثر، ولم يُشر إلى أنه يقدِّم نماذج قصيدة نثر.

كما أن الماغوط لم يُشر في أي ديوان من دواوينه إلى مسمى قصائد نثر، وإنما ـ شعر، وهذا مشار إليه، حتى في لائحة مجلة «شعر» لكتبها الصادرة، ولكنها ميَّزت ديوان أنسي الحاج (لن) ب «قصائد نثر»، وفي مقال بمجلة «الآداب» كانون الأول 1962، شتم الماغوط جماعة «شعر» مستهزئاً بقصيدة النثر.

وبشأن قصيدة النثر يتبدى مع تحليل ودراسة الجنابي أن هذا المصطلح يعود إلى شخص اسمه «غارا»، وذلك في مقال له حول»خرائب» فونلي في العام 1791، وأن قصيدة النثر ولدت لمَّا ولدت على الورقة، أي كتابياً، وليس كالشعر على الشفاه، لأنها لم ترتبط بالموسيقى مثله.

وما اقترح كتابها أن تغنى، ولا يمكن أن تقرأ ملحمياً أو بصوت جهوري يحافظ على الوقفة الإيقاعية القائمة بين بيت وآخر، وأيضا أن قصيدة النثر لا يختلف بناؤها عن قصر المتاهة المذكور في الأساطير اليونانية، إذ يمكن لشاعر قصيدة النثر أن يبدأ من أي مدخل يشاء: كان يا ما كان، عندما كنا، ذات ليلة.

ويبين الجنابي أنه تكمن شعرية قصيدة النثر في هذه اللا غرضية المجانية، فالنثر بحد ذاته، غير قادر على التخلص من وظيفة الوصف بفرضية منطقية، فبفضل اللا غرضية تلك، يتخلص السرد، الذي هو سمة رئيسية في قصيدة النثر، من جفوته ومنطقيته النثرية.

وهنا يؤكد الكاتب على انه يجب أن لا نخلط بين قصيدة النثر والشظية الفلسفية، كما هو عند نيتشه، ففي هذه الشظايا(الكتل النثرية القصيرة)، ثمة قصد فلسفي وغرضية واضحة أو مستترة وراء موعظة ما، فقصيدة النثر هي النثر قصيدة، وبمعنى أبسط :كتلة يتأتى قصرها من نظامها الداخلي، ومن كثافتها النوعية ومن حدتها المتزنة.

فهي عمليا جميع هذا، ولكن الشيء الثابت هو أنَّها نقيض قصيدة النثر العربية السائدة التي لا تلبي مطلباً واحداً من مَّا اتَّفق جلّ النقاد عليه، رغم كل الاختلافات بينهم.

الكتاب: قصيدة النثر وما تتميَّز به عن الشعر الحر

تأليف: عبد القادر الجنابي

الناشر: ثقافات إيلاف والغاوون بيروت2010

الصفحات:176صفحة

القطع: المتوسط

أنور محمد