يشدد كتاب «ما بعد الفلسفة - مطارحات رورتية»، لمؤلفه محمد جديدي، والصادر عن الدار العربية للعلوم ومنشورات الاختلاف ـ بيروت ـ 2010، على أن الفيلسوف الأميركي ريتشارد رورتي (1931م - 2007م) ، شكّل ظاهرة متميزة في الفكر الأنغلوساكسوني المعاصر، كونه دافع عن الفلسفة من دون الفلسفة، وبحث عن الحقيقة في اللاحقيقة، وتمكن من بعث الروح في الفلسفة البراغماتية من جديد، حتى بات المحرّك الأول للمذهب البراغماتي على ساحة الفلسفة العالمية.

ويبين جديدي في بحثه أن براغماتية رورتي تحاول ردم الهوة ما بين النظر والعمل، ووصل الجانبين ضمن تصور هاجسه الأول الإنسان في الواقع، والإنسان التاريخي، المجسد للإنسان صانع الحقيقة وصانع السعادة، مشيرا إلى أنها تمتاز في هذا المنحى بأنها فلسفة بلغة اللافلسفة، نظرا لارتكازها على أرضية ومنطلق النسبية، لتكون بذلك عنصراً أو صوتاً داخل مضمار الثقافة الإنسانية. ومن ثم دعوتها إلى محادثة لا تضم فقط المفردات الفلسفية فقط، بل تمتزج بمفردات الإنسانيات والأدبيات والفنون والعلوم، حتى تكون محادثة حقيقية تعبر عن الفلسفة بخطاب لافلسفي، في مشهد ثقافة شاعرية، ميتا فلسفية، ميتا دينية، وما بعد حداثية.

ويرى المؤلف أن هذه الفلسفة عملت على بعث البراغماتية من سباتها وجمودها ومكنتها من نفس جديد، وذلك بفضل جهود رورتي الدؤوبة، موضحا ان فلسفة رورتي تتقن بجدارة لعبة القراءة والكتابة الفلسفية، فمن يطلع على نصوصه، سيقف على تلك الخلفية النظرية المزدحمة بأسماء الفلاسفة، والتي ملأت تاريخ الفكر الفلسفي الغربي من أفلاطون إلى ديوي، بل حتى بعض معالم الفكر الشرقي أو أنماط الفكر الإنساني الأخرى، الأمر الذي ينم عن عمق القراءات الفلسفية لدى رورتي، وساعده ذلك على الكتابة الفلسفية من منطلق الاطلاع الواسع على مذاهب الفلاسفة ونظرياتهم، وأيضاً على طرائقهم في الاستدلال والاحتجاج.

وبذا فإن رؤاه ونظرته التحليلية جوهر بنية فلسفته المنفتحة، ما أهلها لتتحمل مسؤولية التوسط وتوفير جسور التواصل بين الفلسفات، لا سيما في دعوتها إلى التقريب بين الفلسفتين:

القارية (الأوروبية) والتحليلية (الأميركية). وهذا خاصة وان رورتي تمكن من خلال النقاشات التي بعثها في مواضيع فلسفية كثيرة، بروح براغماتية جديدة في الطرح، من أن يعيد نسج علاقات وطيدة مع فلسفات تتقارب في نظراتها مع البراغماتية.

ويؤكد المؤلف أن موت الفلسفة يندرج في سياق ثقافي، وقد بدأ بالإعلان عن نهاية أو موت الإله مع نيتشه، وهو إعلان بشر بقيم جديدة لإنسان جديد، إذ توالت بعدها النهايات ولم تنفك عن البروز، فمن موت الإنسان إلى موت اليوتوبيا فموت المرأة والدولة القومية، مروراً بنهاية التاريخ والإيديولوجيا والحداثة.

وهكذا لم يكن الحديث عن موت الفلسفة مجرد نشاز أو أمر خاص، بقدر ما كان فكرة جرى الترويج لها ضمن إطار شامل، وعلى هذا الاساس فإن فكرة النهاية، بما تمتلكه من قوة الدلالة الرمزية في التجاوز والخلق الجديد أو خاتمة كل شيء بمعنى القيامة (الإبسكاتولوجي)، تعد تصوراً تقويضياً، تهديمياً وتفكيكياً، وهي ظهرت بمنطق الموضة العدمية التي تعلن عن نهاية لكل شيء، مرة باسم البنيوية.

وأخرى باسم الوجودية، وأحياناً باسم البراغماتية أو باسم الوضعية أو التفكيكية، واللافت هنا انه جرى تحول دور الفيلسوف، فلم يعد منظراً أو مصلحاً أو مثقفاً قادراً على لعب دور مهم في تغيير الوضع الاجتماعي، طبقا لما آمن به فلاسفة أوروبا وثاروا حتى على سياسات بلدانهم الظالمة القمعية، وفي مقدمهم سارتر.

ويطلعنا المؤلف جديدي على انه، وفي مقابل ذلك، سارت الأمور في غير هذه الوجهة ضمن أميركا، إذ غدت الفلسفة مع التحليليين مجرد فرع معرفي في الجامعة، ذي صبغة احترافية تخصصية، لا يملك معها الفلاسفة سوى إثارة قضايا، والكتابة بشأنها، ومناقشتها مع زملاء لهم ضمن قاعات الجامعة أو في فضاءات خصصوها لذلك، فازدادت عزلة الفلسفة وتكرس بعدها اهتمام الجمهور بها.

وينبهنا جديدي في هذا الخصوص إلى أنه، ومنذ العصر الحديث ومع كانط، وبتحول الفلسفة إلى فرع أكاديمي، حدث تحول في مفهوم الفلسفة ووظيفتها، وصارت الجامعات تعجّ بأساتذة فلسفة وليس فلاسفة، ويعترف المؤلف بصعوبة الإمساك بموقف رورتي من نهاية الفلسفة، كون تصريحاته، من جهة أولى، لا تعلن عن موت للفلسفة، بل إنها تؤكد استمرارها.

ويخلص جديدي في مناقشته المعمقة لأفكار ورؤى رورتي، إلى أن فلسفته نموذج حي ومثالي للفلسفة الأميركية الراهنة، وهي تعرف اهتماماً متزايداً ليس في أقسام الفلسفة فقط، بل في أقسام الإنسانيات، ولكن المؤسف - برأيه - أن هذا الاهتمام لا ينطبق على عالمنا العربي الذي يظل اعتناؤه بالفلسفة الأميركية ضعيفا، بشكل عام، مقارنة مع ما يجري ويحضّر وينجز من دراسات وبحوث ومناقشات ومؤتمرات فلسفية في أمريكا اللاتينية وفي آسيا على الأقل، وعليه فإن الفيلسوف ريتشارد رورتي لا يزال مجهولا نسبياً بالنسبة لدارسي الفلسفة وطلابها في البلدان العربية، فضلاً عن المهتمين بالبحث الفلسفي.

الكتاب: ما بعد الفلسفة مطارحات رورتية

تأليف: د. محمد جديدي

الناشر: الدار العربية للعلوم ومنشورات الاختلاف بيروت 2010

الصفحات: 279 صفحة

القطع: المتوسط

عمر كوش