يعتقد الكاتب الايطالي ألبرتو مورافيا بأن مجتمع البروليتاريا الرثة كان بالنسبة للمخرج بيير باولو بازوليني (مجتمعاً ثورياً تماماً مثل المجتمعات المناصرة للمسيحية، أي أنها مجتمعات تحمل من دون وعي منها رسالة تواضع زهدي، يتعارض مع المجتمع البورجوازي الميال إلى المتعة والبذخ).
لم يقتصر إبداع المخرج الايطالي بيير باولو بازوليني (1922 ـ 1975)، على إخراج الأفلام، بل تعداه إلى كتابة السيناريو والمسرحية والشعر والرواية. رأى النور في مدينة بولونيا، وتوفي في أوستية بالقرب من روما التي استقر فيها منذ عام 1949 ودرس فيها الفلسفة، وبدأ اسمه يظهر على الساحة المحلية كاتباً روائياً. ومع ظهور الحزب الديمقراطي في السبعينات، سطع فيه نجم بازوليني سطوعاً قوياً، فتبنت مؤلفاته دار نشر كبرى، وظهرت مقالاته في أهم الصحف. وبدأ مع ربيع عام 1972 في كتابة رواية «البترول» التي أراد لها أن تخرج في 2000 صفحة، لكنه أنجز منها 500 فقط قبل مقتله. تحدث فيها عن المذابح الفاشية، وعن العلاقة بين السياسة والمال، وقدر لها أن تنشر عام 1992.
في عام 1956 أصدر روايته الأولى (راغازي دي فيتا)، وترجمتها المناسبة (صعاليك الشوارع)، التي استوحى موضوعها من حياة الناس في أحزمة الفقر التي تحيط بروما. وقد أحدثت هذه الرواية حال صدورها ضجة هائلة في الأوساط الأدبية الإيطالية.
واستاء المثقفون المحافظون واليمينيون لأن بازوليني تجرأ على كشف الصورة البشعة والمنفرة لعاصمة بلادهم، حيث الجريمة والعنف والسرقة والأوبئة والفجور والدعارة. ومنذ ذلك الحين أصبح بازوليني فنانا وكاتبا يحسب له ألف حساب.
روايته (راغازي دي فيتا)، هي الرواية الوحيدة التي كتبها بازوليني، في حياته، وهي تروي قصة ولد الشوارع الفقير، ريسيتو، الذي يقدم على سرقة شحاذ أعمى. وبعد سنوات قليلة، ينتقل إلى الأعمال الشريرة، ثم إلى الدعارة حيث يبيع جسده.
وخلال ذلك الوقت، يتم اغتيال عدد من رفاقه. ويتم القبض عليه، ويودع في السجن بعد قيامه بعدد من السرقات لشراء خاتم لخطيبته. وبعد سنوات، يتم إطلاق سراحه، ويعود إلى الشارع ذاته الذي أمضى فيه طفولته.
ويوضح بازوليني للقارئ بأن ريسيتو ورفاقه هم متسكعون بطبيعتهم، ليس لديهم أهداف أو خطط للحياة أو للمستقل، بل ولا يعبأون بذلك. هم أكثر من مجرد منحرفين أخلاقيين، بل هو أسلوب يرى فيه بازوليني الناس الخارجين من قاع المجتمع. وهو أيضا يعجب بما يطلق عليه مرحلة ما قبل التمرد السياسي.
وهم معزولون عن مرحلة ما بعد الحرب في ايطاليا. أراد بازوليني بهذه الرواية أن يستحضر في أذهان القراء وجود هذه الطبقة في قاع المجتمع. وهم كما يقول: (يفكرون مثل كتاب مغلق)..
لذا كتب روايته هذه بلغة شعبية تبسيطية، وأحياناً من خلال إدخال اللهجة الدارجة، لأنها تعتبر عن «حثالة البروليتاريا» على حد تعبيره، لذلك لم تكن الرواية قابلة للقراءة من قبل فئات الطبقات العليا، لعدم درايتهم بهذا الواقع، وهي ايطاليا التي ثار ضد قيمها البرجوازية المنافقة.
وكتب لاحقاً (إن لغة الرواية يجب أن تُكتب جوهرياً بلغة مغايرة للغة الكاتب، فاسحة المجال لمجرى نهر العفوية التام). هناك ميزة أخرى تتمتع بها هذه الرواية؛ وهي أن المؤلف لا يزود القارئ بأية خلفية عن المجتمع ويسجنه بين جدرانه. إن سرده في هذه الرواية يضعه على قدم المساواة مع مستوى الشعب الذي يكتب له، وهو لا يسرد من برج عاجي، لأن عجلة التصنيع والحداثة هي التي جلبت الفساد لهذا المجتمع.
ويرى بأن (صعاليك الشوارع) هم الأحرار الوحيدون حقاً، وحتى الحزب الشيوعي يرى نفسه فوق هذه الطبقة. وفي حقيقة الأمر أن هذه الرواية تشبه إلى حد ما بعض أفلامه مثل (ماما روما) و(لاريكوتا) من حيث تطوير منهجه في الواقعية الجديدة، بمعزل عن المخرجين الايطاليين الآخرين أمثال روبيرتو روسوليني وغيرهم ممن ظهروا في مرحلة ما بعد الحرب.
ومنهجه هو الواقعية التي يمكن أن نطلق عليها(الواقعية المفرطة). وفي الوقت الذي أضاء المخرج روسوليني حياة الرجل العادي، ذهب بازوليني لإضاءة حياة الرجل الصعلوك.
وكانت روايته بمثابة حجر الأساس في تطويره لمفاهيمه الأخرى سينمائياً وأدبياً. أثارت هذه الرواية الكثير من الجدل والنقاش شأنها شأن أفلامه المثيرة، حيث أدانت الحكومة التي كان يتزعمها تيار (الديمقراطية المسيحية) واعتبرتها فضائحية. ورفضها الشيوعيون واعتبروها (مصطنعة)، لأن الأبطال غائبون عنها، ويفتقرون إلى (الأفق).
ولهذا السبب نستطيع القول إن ماركسية بازوليني كانت (ماركسية بدائية) تنتصر فيها العواطف على الصرامة الإيديولوجية التي كانت تتميزّ بها الأحزاب الشيوعية الستالينية في الفترة اللاحقة للحرب العالمية الثانية. وعلى الرغم من ذلك أراد بازوليني بكل ابداعاته المتنوعة أن يكون شاعر البسطاء والمقهورين وسكان أكواخ القصدير والصفيح في ضواحي روما البائسة.
وتعود جذور كتابة هذه الرواية إلى أن بازوليني عاش في ضواحي روما الفقيرة وعرف الشقاء والبؤس. وشيئا فشيئا، اكتشف الواقع الايطالي ونفذ إلى أوساط المثقفين والفنانين، كما نفذ إلى أوساط البروليتاريا الرثة التي كانت تحيط بروما مثل حزام.
الكتاب: صعاليك الشوارع
الكاتب: بيير باولو بازوليني
الناشر: كاركنيت بريس 1986
الصفحات: 256 صفحة
Ragazzi de vita
pier palo pasoleni
carcanet press 1986
P 256
شاكر نوري

