أجرت صحيفة «غارديان» اللندنية هذا الحوار مع الروائية والشاعرة البريطانية هيلين دانمور مع صدور روايتها الجديدة «الخيانة» التي تعد الجزء الثاني من الثلاثية التي استهلتها قبل عشر سنوات بروايتها «الحصار».

حيث ألقت الضوء على عالمها الإبداعي، وأشارت إلى أن الرواية إذا كانت قوية فإنها تفرض نفسها على مؤلفها، وقالت إن الاعتقاد بأن الكاتب يتعين عليه أن ينتج طوال الوقت هو عبء رهيب، وأعربت عن اعتقادها بأن الجوائز الأدبية هي جزء من الطقوس الاجتماعية في بريطانيا، وأنها تضفي المزيد من الحياة والحيوية على هذه الطقوس. وفيما يلي نص الحوار:

تخصص هيلين دانمور الحائط الخلفي بكامله في مكتبها الصغير الواقع في الطابق الثامن من بناية رشيقة في شمالي بريستول للاستخدام كباب زجاجي يفضي إلى شرفة رحبة، وفي الأسفل تمتد شوارع المدينة وحدائقها ودورها عبر الطرق المفضية إلى التلال عند خط الأفق. وتقول دانمور:

«إنه مكان جميل أستخدمه للكتابة فيه، وأنا أعرف مؤلفين يقولون إنهم لا يمكنهم الكتابة إلا إذا كانوا يواجهون جداراً وصمتا، حيث يجدون أن العالم الخارجي مشوش للغاية، ولكنني أحب ما يذكرني بأن كل شيء موجود هناك في الخارج».

والتشبيه بالروائي الذي يرى كل شيء تصعب مقاومته، فدانمور تجلس في هذا المكان العالي، مطلا على الحياة التي تتماوج في الأسفل. ولكن مثل هذه المسافة الجمالية لا وجود لها في رواياتها، فالعوالم التي تبدعها عاجلة وحميمة، وهي تتحدث عن شخصياتها كما لو كانوا أصدقاء مقربين، وتمضي بالحوار معها باستمرار عائدة إليها، شأن أم فخور أو حبيبة.

وتتمثل مهارة دانمور الكبيرة كروائية في الهبوط من المعقل المرتفع للمؤرخ الذي يبدو كل شيء منه منظماً ومألوفاً بمرور الأيام، والتوغل إلى داخل الحياة اليومية للناس. وهي تقول: «إننا لا نفكر أبداً في خاطرة فظيعة أو سامية من دون أن تترادف معها خاطرة أكثر عادية، فهويتنا الجوهرية المتعلقة بالحياة اليومية لاتزال تواصل إصدار طنينها».

ولايبدو أسلوبها مما يروق للجميع، فبينما وصفت الروائية ستيفي ديفز روايتها «الحصار» بأنها رائعة، وكتب أنتوني بيفور في صحيفة «تايم» يصفها بأنها «رواية من طراز عالمي» فإن مايكل وليامز الذي يقوم بعرض الكتب في صحيفة «أوبزرفر» أعرب عن عدم اقتناعه بالرواية. وترفض دانمور الاعتذار عما يراه وليامز تقصيراً فنياً.

وتقول: «إن حروب القرن العشرين شملت الملايين من المدنيين. وليست هناك شرعية أسمى في الكتابة عنهم من وجهة النظر العسكرية. أنظر إلى سراييفو، أنظر إلى الأطفال العراقيين، الذين يلقون حتفهم بسبب الامدادات الطبية غير الكافية. إن الحرب تخاض على نبضات قلوبهم.

وقد أردت كتابة رواية يحس الناس بالارتباط بموضوعها، وليس بأنه شيء غريب، ويقع بعيداً عنهم، وما كان يمكن أن يحدث إلا في بلد آخر. وأنا أحس بأنه ليس من المشروع الكتابة عن هؤلاء الناس فحسب، وإنما بأن ذلك أمر شديد الأهمية أيضاً».

ولم تبدأ دانمور كروائية، فهي قد ولدت في بيفرلي بيور كشاير عام 1952، وهو العام الذي تقع فيه أحداث رواية «الخيانة»، وكانت شاعرة في المقام الأول، وإن كان الشعر لم يعد يحتل المكان الأول في عالمها الإبداعي الآن.

وهي تقول إنها بعد دراسة اللغة الإنجليزية في جامعة يورك بدأت في النشر في أوائل العشرينات من عمرها، ومضى كل شيء على ما يرام، وهي معروفة الآن كروائية، ولكنها ظلت مستمرة في كتابة الشعر، وقد أصدرت أحدث مجموعة لها في عام 2007 بعنوان «سعيدة بهذه الأوقات» وفازت خلال الشهر الماضي في المسابقة الوطنية للشعر، التي تقدر جائزتها بخمسة آلاف جنيه استرليني.

ودانمور، التي هي أم لولدين، تجد أن إمكانية فقدان الأم لأبنائها موضوعاً يتمتع بقوة المغناطيس، ولذا فإنها تعود إليه مراراً وتكراراً في أعمالها. وفي روايتها «ياقوتة الحداد» يهيمن على زوجين موت ابنتهما الوحيدة. وفي رواية «مع فؤادك المحتال» تدفع الخيانة في حياة زوجية معقدة الأم إلى العكوف على الشراب وخسارة طفلها.

وفي رواية «رقية الشتاء» تكمن استحالة الانجاب في القرار المعتم لعلاقة معقدة. وفي روايتي «الحصار» و«الخيانة» نجد أن البطلين أنا وأندرية يتعاملان مهنياً مع الأطفال، ولكن جانباً كبيراً من «الخيانة» يتركز على حاجتهما ورغبتهما في الإنجاب.

ولكن لماذا؟ تتردد دانمور في الاجابة طويلاً، وفي النهاية تستقر على إجابة أكاديمية، فتقول: «عندما كنت مراهقة، كانت الكاتبات اللواتي أعجب بهن هن الأخوات برونتي، جين أوستن وفرجينيا وولف. وبدت الرسالة هي أنه إذا كنت امرأة فإنه سيكون بمقدورك كتابة شيء رائع، ولكن هناك شيئاً يقلل من هذه القدرة فيما يتعلق بإنجاب الأطفال.

ورحت أتساءل: هل هذا صحيح؟ أنه يتعين عليك ابعاد نفسك عن العالم المنزلي الحافل بالأطفال؟ لست أعتقد أن أي كاتب يعرف على وجه اليقين من أين تأتي الشحنة الدافعة للكتابة. وبالنسبة لي فإن نقطة انطلاق القصيدة تصبح قصيدة، ونقطة انطلاق الرواية تصبح رواية، إذا كانت قوية بما فيه الكفاية، فهي ليست بحاجة لي للوقوف إلى جانبها، وكلما قل ما أقوله كان ذلك أفضل.

وقد فازت دانمور بجائزة ماكتريك التي تمنح لأول رواية لكاتب فوق الأربعين من العمر، وذلك عن روايتها «زينور في الظلمة». وبادرت دار بنغوين إلى التعاقد معها على تأليف كتابين، وتوالت رواياتها حيث قدمت رواية كل عام على مدار السنوات الأربع التالية، ولكن روايتها «رقية الشتاء» فازت بجائزة أورانج في دورتها الأولى عام 1996، وسط ضجة إعلامية ونقدية مدوية.

وهي تقول إن من المؤكد أن ذلك كان بمثابة دفعة كبيرة بالنسبة لها، وتتابع: «لقد لاحظت أن هناك الكثير من الجدل فيما يتعلق بكل الجوائز الأدبية البريطانية، فنحن لنا طقوسنا الاجتماعية، والجوائز الأدبية هي جزء من هذه الطقوس».

وكان آخر إدراج لها في القوائم القصيرة للجوائز الأدبية في عام 2006 مع إدراج روايتها المكتوبة للأطفال «عقدة المد» وهي الجزء الثاني في رباعية للأطفال في القائمة القصيرة لجائزة نسله سمارتيز لكتب الأطفال.

وهي تقول إن الكتابة للأطفال هي شيء تزايدت أهميته بشدة خلال السنوات الست الماضية. والأطفال، حسب رؤيتها، هم جمهور مختلف عن الكبار تمام الاختلاف، وهي تستمتع بالكتابة لهم، فهناك شيء مؤثر تماماً في الطريقة التي يقرأون بها الكتب وكأنما يلتهمونها التهاماً، وهي تتأثر كثيراً بقيام الأطفال بإرسال رسوم من إبداعهم لشخصيات رواياتها إليها.

وتتابع: «إن الكتابة للأطفال تحررك، وتجعلك تضيف المزيد إلى عنصر التشويق والدراما السردية لتبدع المزيد من العوالم الحقيقية والمتخيلة ولتنطلق إلى رحابها، ولكن في الوقت نفسه فإن هذه الكتابة هي نفسها كالكتابة في روايات الكبار من حيث العواطف والانفعالات».

كل هذه النوعيات من الإبداع التي تتراوح ما بين الرواية والشعر والقصص القصيرة «وقد أصدرت حتى الآن أربع مجموعات من القصص القصيرة، وروايات الأطفال هل تنبع جميعها من مصدر واحد؟

ترد دانمور على هذا السؤال بالقول: «إنني أنظر إليها باعتبارها مترابطة، ولكنها مختلفة، وأنا أعرف أن هذه رواية وهذه قصيدة أو قصة قصيرة. كيف ولماذا.. هذا أمر لست واثقة منه، ولكنه واضح تمام الوضوح.

والشعر هو الأكثر اختلافاً، لأن القصائد تستغل كل الخواص الموسيقية للغة، ولكن من ناحية أخرى فإن العمل كشاعرة ساعدني بالتأكيد كثيراً في الإمساك بناصية الإبداع والإمساك بتلك الطاقة السردية والمضي قدماً، وأعتقد أن الشعر يعلم الكثير في هذا الصدد».

منى مدكور