هل تبدو رقصة «العيالة» الفلكلورية رقصة حرب؟ في ظاهرها هناك مؤشرات بسيطة تتمثل في حمل السيوف والأسلحة والعصي والتلويح بها وفي باطنها من إيماءات هي كذلك، رقص الاستعداد للحرب، كر وفر، قائد وجيش، وقصائد في الحماس. تتعدد أسماء «العيالة» بحسب البيئات في منطقة الخليج العربي، فتسمى «العرضة»، وتسمى «الحربية».
ويقوم في أدائها على ما يزيد من أربعين مؤد، وتقام في المناسبات الرسمية وفي مناسبات حفلات الزواج ولا تدخل النساء أبدا في أدائها بل هي للرجال، وللرجال من علية القوم أيضا، وهي رقصة الرجولة والوجاهة، لهذا يؤديها رؤساء الدول في منطقة الخليج في المناسبات الرسمية التي تتعلق بالأعياد الوطنية وأعياد الاستقلال، أو حينما تزور البلاد شخصية مهمة .«العيالة» رقصة حرب بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وهي تحضير الحماسة والفرح بالنصر قبل وبعد المعركة، ولا توجد مؤشرات على جذور الرقصة ولا تفاصيلها الأدائية التعبيرية، لكنها تتفاوت قليلا بين بلد خليجي وآخر.في الإيماءات التي يؤديها الراقصون، أو «الرزيفة»:
جمع «رزيف»، وهو الاسم الذي يطلق على راقص العيالة،هناك كثير من التفاصيل الدقيقة التي تحيل هؤلاء المؤدين إلى ممثلين بارعين في الأداء التعبيري، حتى ولو بدت لنا الرقصة أو «الرزفة» بالعصي والبنادق وصفي المؤدين، وكأنها ثابتة وجامدة في مكانها، وتغلب عليها السمة «السيميتيرية»، إلا أن في هذا السكون كثيرا من الإيماء الإيحائي المتعلق بالحرب وطقوس الكر والفر.
ففي العيالة يقف المؤدون في صفين متقابلين، كل صف لا يقل عن عشرين «رزيف» يقفون متراصين تلتصق أكتافهم ببعض، ويشتبكون بطريقة مرتبة، حيث يضع كل عنصر يده حول خصر الآخر، في ما يطلق العنان لليد الأخرى لتلعب «بالعصا»، يميلون بالعصي ذات اليمين وذات الشمال، ثم يرفعونها إلى الأعلى ويخفضونها إلى الأسفل، ثم وفي لحظة يركزونها في الأرض.
وبعد ذلك يضعونها على أكتافهم وتبدأ رؤوسهم في التمايل يمينا وشمالا وهم ينشدون.هذه الحركات الإيمائية ليست عشوائية وتحمل دلالات في القتال، فحين ما تتحرك العصي، إنما هي تمثل حركة السيوف، وحين ما ترتفع إلى الأعلى ثم ترتكز على الأرض، فهي تؤدي فعل الطعن، وحينما ترفع وتميل الرؤوس، فإنها تمثل الحالة النفسية للمحارب الذي فرغ من مهمته القتالية وبدأ ينتشي بالنصر على خصمه.
ثم لا تتم هذه العملية برمتها، بدون إشارات وعلامات و«كودات» خاصة، فجماعة الطبالين وضاربي الدفوف هم أيضا لهم حركاتهم الأدائية التعبيرية ذات الدلالات المعينة، ففي لحظة أيضا سترتفع الدفوف إلى الأعلى وستنخفض، وسيسير ضاربوها إلى الأمام ثم يستديرون إلى الخلف، ومثلهم سيفعل أصحاب الطبول الصغيرة، التي تسمى «التخامير»، هم أيضا لهم إيماءات خاصة.
أما ضارب الطبل الكبير «الراس» كما يطلق عليه، وهو قائد الطبول جميعها، فهو أيضا سوف يقوم بحركات ذات معان، ترشد الآخرين إلى الخطوة القادمة، سيقرع الطبل ثلاثا، وهذا يعني شيئا ما، وسيرفع الطبل عاليا على كتفه ويتوقف عن الضرب، فيما سيبقى دائرا حول نفسه، والجميع يفهم من هذه الإنشادات وهذه الأداءات التعبيرية سير العملية.
إنها عملية معقدة، دقيقة التفاصيل، سنعتبرها نحن المتفرجين مجرد لعب ورقص بالطبول، وحالة من الانسجام والطرب والانفلات مع الإيقاعات، إلا أنها عكس ذلك تماما، فهي تسير وفق نظام معين، وعند توقيتات معينة وحركات معينة. وهي شبكة متراصة من «الكودات» والعلامات والبنى الصغيرة في تفاصيل الأداء التعبيري، هي تماما تجسيد تمثيلي لحالة المعركة، كر وفر ومراوغة...
رقصة المحارب المنتصر
وعلى الجانب الآخر تحيل حركة الراقصين وسط حلبة المنشدين بين الصفين، الراقصين بالسيوف والبنادق، إلى مفاصل المعركة المجسدة، فهؤلاء سوف يستلون سيوفهم من أغمادهما، وبطريقة مرتبة ستكون يد قابضة على مقبض السيف.
والأخرى تلامس طرف السيف عند بدايته، وكذلك يفعل أصحاب البنادق وهم يسيرون بشكل دائري وتتمايل أجسادهم وترتفع خطاهم بناء على رتم الإيقاعات، في حالة من النشوة، هي الضبط رقصة المحارب المنتصر. أو المحارب المتأهب للحرب.
تأخذ العيالة حالتها من هذا التأهب الحربي، لهذا لا يمكن لأي كان أن يدخل إلى حلبتها، ولا يسمح للمتفرجين بالاندماج في رقصتها، إلا أولئك الذين لهم باع فيها.
هي رقصة الرجولة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، رقصة الذاهبين إلى مصائر لا يعرفون منتهاها، أو العائدين من أتون الموت. تظهر ملامح القوة على الوجوه، فيما المنشدون سيكونون قد دخلوا في حالة من التماهي مع إنشاد معاني القصائد التي يؤدونها.
أداء تعبيري
أشعار «العيالة» لا تنتمي لشاعر معين، فهي أبيات متوارثة، يمتلكها الموروث الشعبي. لا يتصدى شعراء للتأليف لفن العيالة، لكن أهل العيالة أنفسهم يختارون ما يحفظون من أشعار، «فالعيالة» هي التي تختار أشعارها، وعادة هي أشعار مديح تتغنى بالقوة والكرم والشجاعة، وتحتوي أيضا على شعر رومانسي وغزل.
وفي عموم الفلكلور الخليجي الكثير من هذه السمات، رقص مشحون ومكنوز بالدلالات التعبيرية، لكن لم يحن الأوان لأحد لأن يتصدى لتفكيك بناه الأساسية والشطح به في فضاء الأداء التعبيري، لينهل منه تعابير ودلالات حركية أدائية قد تفيد في تطوير رقصات عن رقصات، أو ابتكار ما يوازيها من أداءات تعبيرية.
لم يفكك احد من المهتمين حركات فن «العيالة» لكي يستنبط جديدها المتاح، ولهذا بقيت «العيالة» على حالها، كما تمت عملية وراثتها عن الأجيال السابقة. ولهذا فانه إلى اليوم لا زالت العيالة تسير بأسلوبها، وإلى الآن لم يقترب منها احد، ولم يستثمر تلك السمات والكودات التعبيرية، كما فعل كثير من بحاثة الفلكلور الأدائي في العالم.
ومن بينهم المسرحيين من أمثال غروتوفسكي ومييرهولد، حينما ذهبا إلى طقوس الرقص الهندي وحاولا البحث في جمله الأدائية واستنباط مع يمكن استنباطه لخطة ما يمسى بمسرح البيومكانيك، القائم على الاداءات الجسدية التعبيرية، والتي منها استثمرت إبداعات أدائية عديدة.
وذلك مثل ما يحلم المسرحي العراقي فاضل الجاف، المغترب في السويد، والذي قضى وقتا طويلا وهو يتأمل المنهج المييرهولدي، بإعادة اكتشاف طقوسنا ومسرحنا العربي تحت تأثير هذا المنهج، الذي يعيد بناء السمة الأدائية في الفلكلور، ويوظفها لصالح الجسد والتجسيد، حيث يقول عن هذا النزوع:« السحر الذي يشدني في التراث الشرقي ينبع من كونه يتمتع بالسمة الشاعرية والروح الدرامية والرؤية الإنسانية.
وفي اعتقادي أن جوهر المسرح يكمن في هذه المقومات الثلاثة. ويظهر كل هذا في أسفار جلجامش وحكايات «ألف ليلة وليلة» وشاهنامة الفردوسي، وغيرها من الأعمال الغنية.
ففي هذه الأسفار والمغامرات يبرز الجوهر الدرامي صارخاً، حيث يمكن القيام بإعادة صوغه في شكل مستمر واستلهام الكثير من السياقات منه. ولكن للتراث الشرقي ميزة أخرى هي الشمولية، فهو لا ينتمي إلى جغرافية ضيقة أو وطن واحد أو شعب واحد».
ويشكو الجاف من عدم ارتقاء المسرح الشرقي إلى ثراء التراث الشرقي وخصوبته:« نحن المسرحيين الشرقيين، نجد أنفسنا أمام كم هائل من المنجزات التي تبهرنا وتغرينا وتداعب مخيلتنا، إلا أننا نقف مكتوفي الأيدي إزاءها. فهي لم تزل مادة شبه خام لم يتم صوغها في أدب مسرحي غني. إن أجمل الصياغات المسرحية للتراث الشرقي نجدها في الغرب».
إن «البيوميكانيك» هو الطريقة المبتكرة من جانب مييرهولد للأخذ بالممثل نحو استغلال طاقته التمثيلية لإطلاق العنان لاندفاعات الجسد. وميزة البيوميكانيك تكمن في كونه منهجاً متكاملاً في تدريب الممثل إلى جانب كونه منهجاً في الأداء.
وقد طور مييرهولد هذا المنهج عبر تمارين تسمى «الإيتودات»، وهي تمارين دقيقة تضم كل ما تقتضيها حركة الممثل على المسرح من تنسيق وإيقاع وتوازن وحيوية. وقد صاغ مييرهولد تمارينه بعد دراسة عميقة للمدارس المسرحية العريقة في العالم، بدءاً من المسرح الإغريقي ومسرح شكسبير والمسرح الإسباني، وصولاً إلى المسارح اليابانية وتقاليد الكوميديا «ديل آرتي»، وذلك من أجل تقوية مهارات الممثل الجسدية والإيقاعية.
حاجة التطوير والبحث
وإذا كانت المقاربة تبدو بعيدة بين فن «العيالة» كرقصة فلكلورية، ورؤى وتصورات منهج مييرهولد في الأداء البيومكانيكي، فإنها تبدو اقرب حين ما ننظر إلى فن «العيالة»، باعتباره استعراضا مسرحيا وأدائيا بكل مع تعنيه الكلمة، فعند قراءة العيالة كأسلوب أداء وكمؤدين يقومون بأداء ادوار المحاربين المقبلين على الحرب، أو العائدين منها، وحين نتتبع كل تلك السمات والدلالات الأدائية.
وهم يقومون بتجسيد حالات النزال بالسيوف وطعن العدو والعودة ومهارات الكر والفر، فإننا بلا شك، سنتمكن من الوقوف على محطات ومساحات تقبل الأخذ بروح فن العيالة وسكبها في أعمال أدائية مختلفة لفنون مختلفة.
لقد بقيت «العيالة» على ما هي عليه، وبقاؤها مهم كونها احد أهم الموروثات الشعبية في منطقة الخليج، لكن وجودها في منطقة الأداء التعبيري يفتح الشهية على تخيل ما يمكن استنباطه منها من فنون تعبيرية في الأداء، تلقي بضلالها على الأداء التعبيري المسرحي، أو الأداء الراقص، مثل ما طور العديد من الفلكلوريين في أنحاء العالم فنونا جديدة من فنونهم الأصيلة.
مرعي الحليان

