غالبا ما تراه مشاغباً ومشاكساً وفوضوياً، لكن ببراءة وعفوية، فهو يحبَّ الحياة، ويريد أن يذكي جنباتها وآفاقها بما لديه من موهبة وخبرة فريدين في عالم الفن واللون، إنه الفنان التشكيلي السوري نهاد الترك، الذي تسكنه وتتفاعل في دواخله طاقة وكائن حرّ لا ينفكان يجهدان للخروج والاستلقاء فوق مساحات لوحاته، لنجد ذاك الكائن يمدُّ يديه ورجليه على امتدادات طولها وعرضها، وكأنّه جالس على شاطئ بحر، يضع الفرشاة والألوان بتوزيع مدروس ورؤية مفعمة غنية، قبل أن يبدأ عمله.
هو في هذا الخضم، لا يشغله أو يعنيه كثيرا الاهتمام بما يفعله الآخرون، لأنه مهجوس دوما بانجاز وتذخير تحفته الفنية، ليلج إثرها عوالم خواتيم صياغتها، فيقف مراقبا ومتأملا، عندما تنتهي معالمها، ثم يبتسم، وأحياناً ينفجر ضاحكاً.. ، كونه رسم شيطاناً له قرون وأصابع يدين ورجلين ـ كما يقول ـ إنه بصراحة، لا يدرك ماذا رسم، لكنه فعليا أنتج شكلاً مميزاً لا يمكن أن نتعرف على شبيه له لدى جميع الفنانين، وهذا هو ما يميزه عمليا.
تشكيلي من أشور وبابل
«إنها موقفي من الحياة». هذا ما يقوله الترك عن لذة الرسم المرعبة لديه، فهذا التشكيلي المبدع يحوز مميزات خاصة، يترجمها ويضفيها إحساسا عميقا في صميم أعماله، حيث انه لم يتعلم الرسم في أكاديمية للفنون، بل نهله وتعمق به من مدرسة الحياة، فاستقى معها من تجارب سابقة عاشها في عمر مضى، ربما منذ ألف عام، كان فيها يرافق السحرة والكهان في بابل وآشور ونينوى، وفي وادي النيل، ومحتمل أنها رفقة أعمق من ذلك بكثير، من يعرف ؟.
في محطة شيقة وجاذبة. يختار الترك أن يطلعنا على حقيقة ذلك الكائن الذي نراه في لوحته: «تجد أن هذا الكائن يتغير ويتحول ويكبر، أصبح له قرون، أحياناً تجده يشبه الأفعى أو الشيطان، ويدل أن يكون مهذباً، ستجده أصبح أكثر غرائبية، وربّما هو من الأساطير المختزنة في ذاكرتي».
تعويذة لقلق الإنسانية
مؤكد أن المتعمق في هذا الكلام والتصويرات العاكسة له فنيا في لوحة هذا التشكيلي، سيعي بعد دلالاتها الناسجة لصورة حالة استلاب الإنسان المعاصر، وذلك برتم ونوع جديد هو القهر والرعب والخوف، وهذا حتى ضمن بارقة أمل، لكنها تقص لنا حكاية تساؤل أغنى مفاده:
أين تجد الأمل؟ ولا نحار كثيرا في عثورنا على الإجابة الصاخبة، فهو مختزن في الحبات السبع التي ينثرها الترك في اللوحة أو يجمعها لتحمل توقيعه وترك بصمته على اللوحة، شيء ما يكون الرقم سبعة، قد تكون حبات العقد، أو أرجل الحيوان، أو قرونه، أو أسنانه، أو هي كما يقول الدكتور محمد فؤاد: «ثم أعبر الحياة بأرجل سبعة وتعويذة ملونة في العنق، وخلفي يلتمع خيط ذهبي من الألم».
كائن حاضر دوما
الأحمر، الأزرق، الأخضر، الأبيض، البني المحروق، ألوان يمزجها الترك، ليشكّل منها لوحته، ولكن كيف خطر له أن تمرّ الخرفان بأرجلها العديدة أسفل صحن الفواكه، وكيف تحلّق العصافير على الجرّة التي تنبت في وسطها زهرة ؟
ها هي الطاولة التي في وسطها فاكهة ما، يصعد إليها خرفان أربعة، والخروف نفسه أو غيره، يقف على طرف الصحن المملوء بالفاكهة، إذا خراف في كل مكان، أو ما يشبهها. تحملها أرجل سبعة وتحني رؤوسها لتمضي إلى عالم صامت يحيط اللوحة بقدسية أزلية.
ومجددا لماذا الخراف ذوات الأرجل السبعة والرؤوس المحنية؟ لماذا هذا الطوق ذو السبع حبات، ولماذا هذه الأشياء المتطاولة؟ لن نمضي طويلا في حالة تيه واختراق فلسفي، فرده جاهز مقنع وبسيط، يقول الترك حول هذه الحيثية: «لا أعرف، فرضت وجودها دون أن أنتبه».
ظلال وألوان وأشباح
لا مناص من أن نلج عوالم مفردات واكتشافات سحرية، عندما يبقى يلح علينا السؤال: من أين جاء نهاد الترك بهذه الكائنات، وهل هي من الفضاء الخارجي، أو هي خيال خصب تجسد في اللوحة قامات مربعة ومدوّرة وطويلة، تأخذ حجم اللوحة بكاملها، وغالباً ما يقف عصفور أو خروف (أو شيء آخر، لا أدري ماذا أسميه) ليراقب المشهد، أو يسير بصمت ووحدانية إلى عالم مجهول وفراغ لا نهائي؟.
إنها الظلال تتثاءب، والألوان تتداخل والأشباح تتهامس، شيء ما يهجم بقوة على هذه الأشباح، إنه التمسك بالأمل والحياة واستمرارية العمل من أجل البقاء. ويطوّح الفنان بالحجر الأزرق على اللوحة، ليقول لك: «أنا موجود، وهذا توقيعي».
يرسم الترك طاولات عليها مزهريات متطاولة أو دائرية الشكل وبها ورود وزهور مجنحة بخرفان تميل برؤوسها، وهي تصعد عالماً نحو أقصى اللوحة، وقد تحيط بها أشكال وهمية لبشر يقفون بصمت وهم مستلبون، ضائعون، متنافرون، يكلمون بعضهم بصمت، ها هو الريف مغروز بحنايا اللوحة. وكأنما الفنان لم ير بشراً، ولم ير فاكهة، ولم ير مزهرية في حياته، إنه يرى العالم بأشيائه وموجوداته بعينيه.
فيصل خرتش

