حوّل بيت الشاعر الفرنسي الشهير آرتور رامبو 1854 ـ 1891،إلى متحف،حيث يقع في 7 شارع مادلين في مدينته شارلفيل ـ ميزييه. وكان الشاعر قد سكنه من عام 1869 حتى 1975.

وتبلغ مساحة هذه الشقة(البيت) 130 مترا مربعا، وتقع في الطابق الأول.وتقديرا لشاعر فرنسا الثائر، أقدمت بلدية المدينة على شراء المبنى بكامله بمساعدة الدولة الفرنسية والقروض الأوروبية ومجلس مقاطعة «شامبين آردين» وحولته إلى ما يشبه المتحف المخصص للشاعر. تم صنع ديكوارت كل غرفة على حدة بحيث تنسجم من ديكورات ومخططات المدن التي زارها الشاعر مثل: حرار، لندن، شتوتجارت، عدن، بروكسل، روش، وباريس. وكل غرفة مزودة بنظام صوتي موضوع في مكان مخفي يبث أشعاره. وثمة صور ثبتت على الجدران تشكل شاشات تستحضر رحلات الشاعر، ذات ألوان خاصة، وهي تنبعث من مصادر متعددة إلا أنه لم يتم تغيير مظهر المبنى الخارجي بل ظل محافظا على طرازه المعماري القديم.

والهدف من تحويل منزل الشاعر رامبو إلى متحف هو تنشيط ذاكرة الزائر وخياله من خلال الإنارة والإضاءة وبث أشعاره مصحوبة بالموسيقى، وإعادة خلق تلك الأجواء ضمن «العالم الشعري الرامبوي» المعروف. وهناك صالة يتم فيها قراءة أشعاره، وكذلك صالة أخرى في الطابق الأرضي حيث يوجد فيها مئات الأعمال وبلغات متنوعة، وبإمكان القراء لاطلاع عليها. وفي عمق باحة المنزل خُصص مكان لإقامة الشعراء والفنانين. وفي 29 أغسطس من العام 1870، قام رامبو بأول هروب له. وكان عمره آنذاك أقل من 16 عاما، كانت تقتحمه رغبة عارمة في مغادرة مدينته الأصلية ومسقط رأسه «شارلفيل «، وهي من أغبى المدن في المحافظات الصغيرة «- كما كان يقول عنها- لكنه لم يتوقف عن التردد على هذا المكان ليهرب منه ثانية.

فقد غادر رامبو شقته الكائنة في الطابق الأول، حيث تسكن عائلته «أمه وأخواته وأخوه»، دون أن يشعر بأي شيء يربطه لا بالمدينة ولا بعائلته. لذلك ودعها. وقد كتب ما بين 1870 و1875، جوهر عمله الشعري كاملا.

زيارة ألن غينسنبرغ إلى بيت رامبو

في عام 1982، زار الشاعر الأميركي ألن غينسنبرغ الشقة التي كان آرتور رامبو يسكنها، وكانت ملكية الشقة آنذاك تعود إلى سيدة تدعى مدام ريغو، وطلب منها قضاء ليلة في غرفة الشاعر، فاستجابت لرغبته.

ومن بعده، جاءت باتي سميث تطرق الباب لتؤدي التحية إلى بيت الشاعر. فإذا كانت زيارة بيت رامبو تعتبر حلما فإن الأمر لم يصبح هكذا في الوقت الحاضر، وعلى الخصوص بعد افتتاح بيته رسميا بمناسبة الذكرى آل 150 على ميلاده.وقد عملت بلدية شارلفيل ما بين 1999 و2002،على تحويل بيته إلى متحف.

والسؤال المطروح هو: ماذا نجد اليوم في هذه الشقة؟

لا شيء تقريبا. الشقة خالية. ولا توجد مكتبة ولا صورة. والجدران عارية. وعندما يتم حكّ هذه الجدران تظهر الأوراق الأولى التي كانت ملصوقة بالجدران، تلك التي وضعتها عائلة رامبو، ولكن في أغلب الأحوال يظهر الصبغ الأصلي لها «كان من غير المعقول أن يصار إلى إعادة ترميم المكان: فلا توجد سوى آثار قليلة»، كما يشرح ألن تورنيو، المسؤول عن متحف رامبو في الوقت الحاضر.

دلالات خاصة

وهكذا فإن مفهوم هذا المنزل صمم على أساس أن نجد آثار الشاعر في أمكنة أخرى وليس في هذا المكان فقط. مخرج ديكورات البيت، فيليب كومت يقول: «لا نريد أن نصنع منه بيتا على شكل كتاب، كما لا نريد أن نقع في فكرة سجن الشاعر بين أربعة جدران.

نحن نفضل أن نعطي مفهوما للبيت الشاعري كمحاولة لوضع الزائر في علاقة مع خيال الشاعر الذي جاء من أمكنة أخرى». والذين يتوقعون بأنهم سيجدون تحف ومقتنيات حصل عليها الشاعر من الأماكن التي زارها، على غرار ما تم تنفيذه في بيت الشاعر الفرنسي الكبير فيكتور هيغو، فإنهم يصابون بالخيبة لأن هذه التحف والمقتنيات غير موجودة في بيت رامبو الحالي.

ولكن التعبير عن تجاربه تم من خلال التصوير الفيلمي. وقد حرص المهندسون الذي اشرفوا على هندسة البيت أن يظهروا جانب الحداثة الشعرية التي سار عليها الشاعر في بيته هذا، من خلال مجموعات من مخطوطات أعماله الشعرية.

أخته إيزابيل تروي حياته في هذه الشقة

تروي إيزابيل، وهي في الثلاثين من العمر، وشقيقها الذي عاد إليها بعد عشرة أعوام من الترحال(في السابعة والثلاثين).

كانت رفيقته خلال الأشهر الستة الأخيرة من حياته العابرة: «بعد عودته من إفريقيا وبتر ساقه في مستشفى بمرسيليا، رجع رامبو إلى أرض ميلاده في شارلفيل لكنه لم يتحمل البقاء في بيت أهله، فعاد إلى مرسيليا بعد ثلاثين يوما قضاها مع أمه وشقيقته وكأنه يهرب من البؤس المحيط به». ثم لحقت به إيزابيل ورافقته لدى إقامته الأخيرة في المستشفى.

ويكتب مؤلف الكتاب على لسان أخته وهي تحكي فيها قصة إنسان من دمها ولحمها كيف أنها كانت تأنس إليه وتفتقده بشدة وتبادله الحب الأخوي.

وتتخلل كلمات إيزابيل الأسرار التي كان يبوح بها شقيقها في تفاصيل مسترسلة مثل تلك اللحظات التي أصابه فيها صديقه فيرلين برصاصة من مسدسه فأصابت كتفه.

يحكي رامبو كيف باغتته الطلقة، خنقته برائحتها، وكيف تغلغل الألم الجسدي والروحي داخله في تلك اللحظة، ليتسلل ثم يرسخ في أعماق وجدانه. ولا يمكن لثورة «كومونة باريس»، أن تمر في هذه السيرة مرورا عابرا.

فمن المعروف أن هناك شكا حول انتمائه التنظيمي لها. وهناك صمت حول ما جرى له فيها من اعتداء على يد رفاقه الشباب في معسكر للتدريب العسكري وهو في السادسة عشر من عمره. ويمكن فهم لغز شخصية رامبو، من خلال قراءة قصيدته «القلب المقتول».

متنقل دائما

ومن هذه الشظايا المتطايرة من الذاكرة يمكن جمع مفاصل حياة الشاعر الماضية وسنوات الهجرة بين أثيوبيا وعدن. و«هذا الرجل الذي انتعل الريح».. هل كان من الممكن أن يسكن في بيت معين وهو الذي تنقل بين تسعة أماكن عامة ومدن عاش فيها ردحا من الزمن على أمل الانتقال إلى أماكن أخرى: باريس، مرسيليا، روش ـ أردين ـ، بروكسل، لندن، شتوتغارت، قبرص، عدن ـ اليمن، حرار ـ أثيوبيا ـ.

وكما في رواية الكاتب الفرنسي فيليب بيسون التي كتبها على لسان أخته إيزابيل، يعود رامبو إلى المكان الذي كان يهرب منه دائما أولا ليكتب بعيدا عنه، وثانيا لكي يصنع له ثروة في إفريقيا.

إيزابيل تعتني بشقيقيها المريض وتتعذب في الوقت ذاته من الأهوال التي كان رامبو يسردها على مسامعها. «المدينة الأكثر غباءً بين المدن الفرنسية الصغيرة الأخرى»، كما وصفها الشاعر، وهي تتفاخر بأنها أنجبت أكبر شعراء فرنسا، وربما أكثرهم إبداعا وتمردا وأصالة. بيت رامبو مثل شعره، نوع من طرق المستحيل، وهذا البيت خاو لكن أطياف شعره ما زالت تحوم بين زواياه وممراته.

والنص الوحيد الموجود في هذا البيت هو الرسالة التي كتبها الشاعر لأستاذه جورج ايزمبار «في 2 نوفمبر من عام 1870 «مرسومة على جدار الطابق الأرضي، كتب فيها:

«ماذا تريد إنني أعاند بشكل رهيب في عبادة الحرية المطلقة»، ويضيف: «أستاذي العزيز حاول أن تحتفظ بهدوئك وأنت تقرا قصائدي: لا تضحك، لا تبتسم، بوسعك أن تدخل السعادة إلى قلبي وان تزرع الأمل في نفسي لو أنك وجدت لها مكانا، ولو صغيرا بين البرناسيين».

شاكر نوري