لا يزال تاريخ الأندلس يشكل نقطة ساخنة مثيرة للجدل والنقاش في كنف مجتمع إسباني منشطر على نفسه إلى شطرين حيال التركة الحضارية التي خلفها العرب بعد أن حكموا البلاد طوال ثمانية قرون، أحدهما يرفض التسليم بشرعية الوجود التاريخي العربي في إسبانيا محاولاً التعتيم على إرث تلك الحقبة الذهبية من تاريخ البلاد وشطر آخر يعتبر أن الحكم العربي أو الثقافة العربية الأندلسية تشكل جزءا لا يتجزأ من تاريخ وحاضر هذه المنطقة من العالم.
في غمار حالة الجدل حامية الوطيس الدائرة على ضفتي المتوسط الأوروبية الجنوبية والإفريقية الشمالية حول الإرث الأندلسي، انبثق في عام 2002 عن دار» بلانيتا» للنشر في مدينة أشبيلية مشروع ثقافي ريادي تحت اسم» مؤسسة خوسيه مانويل لارا» يهدف إلى حماية هذه التركة التاريخية النفيسة عن طريق نشر التراث الثقافي الأندلسي عموماً ونتاجه الأدبي على وجه الخصوص. وهذا ما حدث بالفعل، فلقد راحت هذه المبادرة الطيبة تؤتي أكلها بعد أن صدر عنها حتى الآن 17 كتاباً تتحدث عن 17 مدينة أندلسية في مهمة ليست باليسيرة تصدى لها عدد من أبرز الأدباء والكتاب والباحثين الإسبان.
من بين المدن الأندلسية التي شكلت محاور لتلك المؤلفات تبرز اشبيلية، عبيدة، جبل طارق، قادش، ألميريا، كارمونا، قرطبة وغرناطة، ومن بين الكتاب الذين أسهموا في إنجازها هناك الروائي والباحث أنطونيو مونيوز مولينا الذي كتب « قرطبة الأمويين»، والأديب والشاعر أنطونيو غالا، الذي كتب «غرناطة بني نصر»، الذي صدر في طبعتين في إسبانيا، وفي طبعة عربية عن دار «ورد» للنشر في سوريا، ترجمها إلى العربية رفعت عطفة.
ولعملية اختيار المؤلف الذي يتم تكليفه بوضع كتاب في إطار مشروع «مدن أندلسية في التاريخ» أهمية بالغة، حيث تتم مراعاة طبيعة العلاقة الخاصة التي تجمع كل واحد منهم بالمدينة الأندلسية التي يود الكتابة عنها، وليس أدل على خصوصية علاقة كاتب بمدينة من علاقة الشاعر الاسباني أنطونيو غالا بمدينته غرناطة.
صحيح أن كثير من جوانب تلك العلاقة لم يعد سراً، ولا يخفى على أحد، إلا أن كتاب «غرناطة بني نصر» يصبح أكثر من ضروري في محاولة سبر مكامن صلة المبدع بالمكان عموماً، وصلته بالمكان الأثير على قلبه بوجه خاص، إذ يوضح مؤلف رواية «المخطوط القرمزي»، التي نقلها إلى العربية رفعت عطفة أيضاً، أن ارتباطه بالمدينة «واضح جدا» ذلك أنه» إذا كان يتعين عليه اختيار مكان ليس لأنه إحدى روائع العالم، وإنما موقع تركت فيه قلبي، فذلك المكان سيكون قصر الحمراء».
الحديث عن تلك الرابطة من الأمور المحببة على قلب الشاعر الكبير الذي ينتهز أية مناسبة للتعبير عن مدى متانتها وحميميتها، فها هو يصف عمله «غرناطة بني نصر»، الذي يعطي الكلمة للمدينة نفسها التي تلعب دور البطولة والرواي لتاريخها عن طريق قصر الحمراء، بأنه يضع كل شيء على المحك بالمعنى الحرفي للكلمة ، لأن الحمراء «صندوق نفائس، مكان أعود إليه من حين إلى آخر لرؤية كيف هي حال قلبي ذاك».
ولهذا، فإن قصر الحمراء هو الذي يروي تاريخ بني نصر، وهو يقوم بذلك بصيغة المتكلم، «فهذا الأسلوب يعطي انطباعاً بأن ما يقال هو أكثر حميمية، والقارئ يميل بهذه الحالة إلى الشعور بأنه مجبر على الإصغاء والقراءة»، على حد تعبير غالا.
علاقة غالا بقصر الحمراء لها طابع تاريخي، لكنها أخذت أبعادا خرافية تحديدا في عامي 1986 و1987 عندما أقام الأديب في حجرة واشنطن إيرفنغ وفي حجرة جمعية رودريغيز أكوستا على وجه التحديد، لكن تلك العلاقة لا تروق لجميع مواطنيه.
حيث يجد نفسه أحيانا مضطرا للدفاع عنها، ويقول: «يجب اعتبار أن مجمع الصرح التاريخي هو ثقافة فيها مغالاة بالدقة والفن، ذلك أن الأمر يتعلق بصحن الدرج الثالث للإسلام في إسبانيا»، حيث اشتغل الأمويون الحجر والكلس والمرمر والقرميد، والمرحلة الثالثة هي مرحلة بني نصر الذين استخدموا كل تلك المواد التي تعتبر جميعها رقيقة.
لكن شخصية مؤلف رواية «الوله التركي» المفضلة تبقى بلا شك شخصية أبي عبد الله «آخر شخصية سكنت هنا-في غرناطة- والتي أدركت أن كل شيء كان قد انتهى»، على حد تعبير غالا، الذي يرى أن المسألة تتعلق بشخصية «كل العالم يسكت أو يتكلم بالسوء عنها»، وهذا على وجه التحديد ما حمل الكاتب على موضعتها في المحور المركزي لرائعته الأدبية «المخطوط القرمزي».
تروي مدينة غرناطة بضمير المتكلم حقبة ازدهار غير مسبوقة عاشتها أيام حكم بني النصر، الذين سادوا منذ النصف الأول من القرن الثالث عشر حتى عام 1492، العام الذي غزا فيه الملوك الكاثوليك المدينة الأندلسية.
في هذا الكتاب تنبعث حياة وثقافة المدينة في غرناطة الإسلامية الأخيرة من خلال قلم كاتب أندلسي كبير يكن احتراما وتقديرا كبيرين لتلك المدينة التاريخية، التي يعتبر نفسه من أبنائها.
حيث يطلق أنطونيو العنان لكل مكونات المدينة من حارات وبيوت ودكاكين ومساجد وقصور وخانات وأسواق ووضع نسائها وحفلاتها وألعابها وشعرها وعلومها وديانتها والتعايش مع اليهود والمسيحيين والحياة الداخلية المعقدة لبني نصر، يطلق العنان لكل ذلك كي يروي قصة عنوانها الحضارة والرقي والحوار بين الثقافات والشعوب، قصة تعتمد على ما تبقى من شهادات لشعراء ومؤرخين يضمها هذا الكتاب بين دفتيه.
حيث يقف القارئ على إعادة إنتاج لا تنسى لعالم براق لامع متوار عن الأنظار يستدعيه أنطونيو غالا بدقة توثقية منقطعة النظير، لكن أيضا بلغة شخصانية أنيقة ولباقة أدبية رفيعة تسير جنباً إلى جنب مع موسيقى شعرية راقية.
لكن كتاب أنطونيو غالا لا يتناول الأوابد التاريخية العربية فحسب، بل خصص جزءًا منه لقصر كارلوس الخامس، الذي قال عنه إنه جاء «ثمرة الحب» و«هدية كارلوس الخامس لمدينة غرناطة»، الذي أستهل بناءه عندما احتفل الامبراطور بشهر عسله الثاني، حيث يؤكد غالا أن «كارلوس الخامس وإيزابيل البرتغالية ربما يشكلان الثنائي الوحيد من الملوك والأباطرة في هذه الحالة الذين كانوا عشاقاً حقاً».
ويبدو أن للقدر دوراً في اتخاذ غالا قراره الخاص بكتابة عمله هذا، فلقد كان الكاتب واعياً لحقيقة أن شهرته في ذلك الوقت كانت تقوم على أنه كاتب مسرحي، وأنه إذا أراد كتابة رواية «في بلد كهذا، فتلك الرواية كان يجب أن تكون استثنائية، فعكس ذلك كان يعني ألا يعرضوا لي أي عمل كوميدي آخر».
فعلى الرغم من إدراكه لمدى خطورة التركيز على شخصية أبي عبدالله، فإنه وضع فخاً للقدر لرؤية إن كان سيؤكد صحة ما ذهب إليه من عدمه، وهكذا كان.في «غرناطة بني نصر» يشير أنطونيو غالا إلى أهمية التعايش السلمي بين المسلمين والأقليات من يهود ومسيحيين وأندلسيين مسلمين مقيمين في مدن النصارى، الأمر الذي يسميه الكاتب الاسباني أنطونيو مونيوز مولينا «ميلونغا انطونيو غالا».
وكلمة «ميلونغا» تعني بالاسبانية إيقاعاً موسيقياً مشتقاً من رقصة التانغو، علما بأن غالا نفسه لا يرى في مؤلفه الغرناطي أي «ميلونغا»، ذلك أن «المسلمين عاشوا حقاً ثلاث ثقافات»، من بين أمور أخرى، لأنهم «كانوا مثقفين، ويحترمون الآخرين، بينما لم نكن نحن نحترم الآخرين».
بهذا الاتجاه، يقول غاليانو إن المسيحيين كانو يتمنون حلول فصل الصيف ليتمتعوا بما لذ وطاب من الأطعمة اليهودية والمحاصيل الزراعية العربية، مضيفاً: «وهكذا كنا نحن الذين لم نتعايش».
وربما هذا ما دفع الكاتب الاسباني إلى انتقاد اليمين الاسباني غير مرة، كان أبرزها حين رد على تصريحات لرئيس الوزراء الاسباني السابق خوسيه ماريا أزنار أكد فيها أنه «يتعين على المسلمين أن يطلبوا الصفح منّا؛ كونهم كانوا هنا طوال ثمانية قرون»، قائلاً بلغة ساخرة إن أزنار «رجل لا يحكم».
وتساءل حينها غالا عن أي إسلام يتحدثون؟! مؤكداً أن «هناك من يؤمن بشكل طبيعي بالله ويقرأ القرآن»، وهناك «مجانين أصوليون، مثلما كنا نحن في عصر لا نزال نطلق عليه العصر ذهبي».
زار أنطونيو غالا سوريا في نهاية العام الماضي، وهناك وقع «غرناطة بني نصر»، ولم يتردد آنذاك في وصف الملكين فرناندو وإيزابلا ب«طالبان ذلك العصر»، في حين خاطب العرب قائلاً:
«أنتم أجدادي الذين علمتموني وعلمتم البشرية كلها الكتابة، ولولاكم لما كتبت، ولما كنت أقف هنا»، وفي موضع آخر يوضح غالا هذا الانطباع الذي يتملكه بالقول: «في العصر الأموي كان في سوريا صراعات داخلية، مما جعل عبدالرحمن الداخل يهرب من هذا الصراع ليصل إلى الأندلس ويؤسس هناك إمارة تقوم عليها الخلافة الأموية. وبما أن عبدالرحمن الداخل من سوريا، أعتبر السوريين أجدادنا».
الكاتب في سطور
أنطونيو غالا قرطبي بالتبني الطوعي، لكنه ولد في مدينة «سويداد ريال» عام 1930. شاعر متميز، برز منذ وقت مبكر من أيام شبابه؛ فلقد حصل وعمره تسعة وعشرون عاماً فقط على جائزة «أدوناي» الشعرية.
كاتب مسرحي وروائي، حصل على الجائزة الوطنية لمسرح كالديرون دي لا باركا عام 1963 عن ديوان «حقول عدن الخضراء»، وعلى جائزة «بلانيتا» الأدبية عام 1990 عن روايته الأولى «مخطوط قرمزي».
باسل ابو حمدة

