الرياضي: مقايضة الريح بالعاصفة، حيث يتم تحويل مسار القوى الكامنة وفي طابعها الاجتماعي والحيوي إلى مشهد جسدي فردي، أكثر من كونه فردياً، إنه الدخول في رهان قوة، وبطولات، تكسب الفائز نجومية لافتة!
تقوم الرياضة على نظام هائل من المفارقات، على هذه المواءمة اللافتة بين أقصى الحسي، إذ يحضر جسم الرياضي وفي فن من فنون الرياضة، وأقصى التجريد، إذ يبرز الرياضي الآخر بذهنه وقد استحال تجريداً!
إنها مفارقة نعيشها مثلما نتوخاها، لحظة تمثيل الرياضة، ونحن نتحرى عمومية الاسم، بينما لكل منا خصوصية الهواية وتبعاً للعمر بالتأكيد، رياضة تحيل إليها عناصر الطبيعة عبر التماس معها أو التحليق من خلالها، وهو تحليق يتراوح بين كيفية الاعتناء بالجسم في أقصى حسيته، وبالجسم وقد استحال ملخَّص روح ينشد المطلق.
من المهبط المائي أو صوب الأعماق إلى المرتقى الفضائي، لسان حال رغبة في تكوين جاذبية تتوخى اللاتناهي.
بالقدر الذي تستجيب الرياضة في عمومية الاسم لرغباتنا المختلفة، وفي تنوعنا الجنسي، باعتبارها تتوزع في أسمائها ومسمّياتها على أمكنة وبيئات متداخلة ومتجاوزة: برية وهوائية ومائية، وأفراد يمثّلونها، بالقدر الذي تظهر عصية على التحقق كما نرغب، إذ تتمثل عالماً لا يحاط به، إنه عالم المثُل!
حيث نتصرف لاشعورياً بين الحين والآخر، في النظر عالياً إلى الجهة التي نعتقد أو نتصور أن ما يحقق بغيتنا كامن هناك، وهي نظرة تترجم على الفور، ودون أن ندقق في حركتها، ما يشدنا إلى الأرض، إلى جاذبية مكانية، ونحن محكومون بنظامها، لتكون النظرة المارقة تلك، سعياً إلى اخترق حدود الجاذبية، وتحرراً من وطأة المكان وماديته المسوَّرة.
يتحول الرياضي وهو في فولكلورية أسمائه، إذ يتعزز بجسمه المرئي، وبجسده الذي يسمّي فيه بعده الإنساني، إلى رهان الذين يتبصرون في قوامه ما هم راغبون في تحقيقه، أو ما هم متحفزون للوصول إليه من خلاله.
لا ينفصل الرياضي عن تلك الشروط التي تميّز مجتمعاً عن آخر، لحظة التعبير عن فن رياضي، وكيفية المشاركة فيه، إذ لكل مجتمع رياضاته، لكن ثمة ما يجمع بين عموم المجتمعات، من خلال الرياضة وقد حدَّدت باسمها ومناسبتها وتاريخها والمعنيين بها والجوائز التي تكتسب قيمة عالمية نابعة من هذا التجمهر العالمي.
يحضر الرياضي مأخوذاً بصور التدريب والمشرفين عليه، والمتابعين لكل تقدم منجَز من قبله، ليشكل ذلك رصيداً اجتماعياً وإنسانياً في آن، ليكون الرياضي رمزاً من رموز القوة المعترَف بها خارج حدوده المحلية.
يكون الرياضي المحارب الأكثر شراسة وعنفوانية، إنما بالطريقة التي يمتص بها كل أشكال القوة الدامية، ليكون فيما يجسّده رياضياً مسرح القوة الاستعراضية التي تغيّب الصراع المتنحى جانباً، لأن الرياضي في أس أسسه لا ينفصل عن أكثر المحاربين في التاريخ عتواً وصلابة وإقدامية، إنها الحيلة المحتفى بها للتطهير من عنف قائم.
الرياضي: مقايضة الريح بالعاصفة، حيث يتم تحويل مسار القوى الكامنة وفي طابعها الاجتماعي والحيوي إلى مشهد جسدي فردي، أكثر من كونه فردياً، إنه الدخول في رهان قوة، وبطولات، تكسب الفائز نجومية لافتة!
إن اهتمامنا بالرياضي لا يعدو أن يكون بحثاً عن السبل التي تصلنا بما هو مفقود فينا، ما يضفي على أجسامنا وقد ترهلت أجسادنا وقد انخرطت في لعبة اليومي والاستهلاكي كثيراً، تلك القيمة الجمالية التي تواسينا ونحن نتابع اللعبة المسماة، كلٌّ بحسب هوايته، ونحن في عقر دارنا، أو في الهواء الطلق، إنه رهان من رهاناتنا المتحولة!
بدءاً من حركة القدمين ومرونة حركة الرجلين، مروراً باللياقة الجسمية، وخفة النقلة والوثبة والالتفاف إلى هذه الجهة أو تلك، أو القيام بأكثر من حركة فنية، وصولاً إلى مقدرة الرأس على المناورة، واليدين اللتين تجهدان بدورهما في لعبة مقابلة، أو من خلال جملة حركات تعني الجسم في كليته في الماء مثلاً وغيره، تكون الرياضة قد عرَّفت بمجتمعها، وبنوعية الثقافة الساعية إلى بناء أجساد أكثر طلاقة، يتم الحفاظ عبرها على سلامتها، والحيلولة دون الصدام، دون إراقة قطرة دم، وإلا لفقدت الرياضة المرسومة بعلامتها الفارقة، كل قيمة رافعة لها.
إن الاهتمام بالزمان والمكان، ومن خلال مناسبات باتت معلومة في جهات الأربع، والزج بقوى مختلفة، يكون الجسد الرياضي فاعلاً في إبراز نوعية العلاقة بين شعوب وأمم وجماعات، اهتمام معتنيً به، ومتلفز، يواجهنا بقائمة الغرائز التي ألفناها مذ كنا، وما حيلة الرياضة التي نجلوها جسدياً، إلا باعتماد منطق الترويض:
أي إحالة القوة الطليقة وغير المحددة بأهدافها، أو ا لشاردة ودون ضبط، كما هو السيل، إلى قوة من نوع، قوة العاصفة التي توجَّه في الممر الذي ينزع عنها بعدها التدميري، وقد أضيء الجسد من الداخل.
إن حالات التحام خصوماتية بين رياضي وآخر، تفصح عن مدى تربص العنف بصاحبه وبالآخر، إلى مدى الاخلال بقانون الرياضة التي تكون من أولى أولياتها، كيفية إزاحة شبح العنف البغيض جانباً وبعنف مماثل.
ذلك ما نعيشه على صعيد الأفكار والعمليات الحسابية أو الرياضية، لحظة التفكير في الإجراءات التي نلجأ إلى اتباعها أو اعتمادها، لنكون جديرين بالاسم الذي نحمله: الإنسان! والتنوير ليس أكثر من تفعيل للقوة الروحية في الجسد، وربما يكون الشعار الأمثل لما هو رياضي على مستوى الكون: الشعور بجمالية الروح الرياضية فقط!
إبراهيم محمود
