عاشت المومياوات المصرية، ولا تزال، في هدوء وسلام، بينما هي تمكث في عدد من متاحف العالم، إذ يكاد لا يخلو منها متحف، وفي مقدمتها المتحف المصري بالقاهرة ومتاحف أوروبا، حيث نجدها مستقرة بتوزع متناغم في أركان عرض جاذبة، وهي محتفظة بكامل هيئتها الجسدية التي رحلت فيها.
ولا شك أن اكتشاف الآلاف منها على مدار قرن كامل، هو القرن العشرين، أسهم في تعدد وتنوع أشكال وجودها في المتاحف، ما جعل جميع الناس، بمختلف القارات، يطلعون على عبقرية ما وصلت إليه علوم التحنيط، من كيمياء وتشريح وجراحة ونبات، في مصر الفرعونية. هذه العلوم التي تشكل لغزا محيرا للعلماء في وقتنا الراهن. فهم لم يتوقفوا عن البحث والدراسة المعمقة حول هذا السر، وذلك منذ اكتشاف أول خبيئة مومياوات في الدير البحري بالأقصر في العام 1881م، فعلى الرغم من صدور آلاف الدراسات والبحوث والتحاليل والتشريحات المرتكزة على أحدث ما توصل إليه علماء الطب والتكنولوجيا من معارف وخبرات، ظلت هذه المومياوات عصية على الاستكناه العلمي المفصل والواضح، مخفية سر تحنيطها وخلود جسدها على مدار آلاف السنين.
مؤكد أنه كان أشد ما يزعج المصريين القدماء، ليس الموت ذاته، بل كيفية التغلب على الأخطار والعقبات التي يمكن أن تعوق رحلتهم في مجاهل العالم الآخر، ولذلك اهتموا بدقة في الحفاظ على الجسد سليما واضح الملامح، وأن يظهر في أحسن صورة ممكنة، بالتحنيط واللفائف والقناع والتوابيت، حتى يسهل التعرف عليه بواسطة الروح حال استدعائها لتحل في صاحبها بينما هو في العالم الآخر. كان المصريون القدماء، في العهد الذي سبق تاريخ الأسر الفرعونية، يضعون الموتى في حفر صغيرة لحفظها من الفناء ووقايتها من التلاشي، وذلك نظرا لحرارة الجو وجفاف الأرض، ثم عولوا على إيداع الجثث في أكياس من الطين أو الجلد لتبقى في حالة جيدة زمنا طويلا، وحرضوا على أن يكون بجانبها أواني الغذاء والشراب.
وبالنسبة لذوي الشهرة والثروة منهم، فيتركون بجانب جثث موتاهم، بالإضافة إلى ما تقدم، أدوات الصيد والقنص والقتال، دلالة على ما كان لهم من شأن عظيم في حياتهم.وبعد ذلك، في فترة لاحقة، اخترع الكهنة إثر توالي العصور، الوسائل الأولية لفن التحنيط بواسطة الصمغ الصنوبري، غاية حفظ الجثة أزمانا طويلة، على شكلها المعهود، ولتكون أليق في اتصال الروح بها عقب انتقالها من العالم الأول إلى العالم الثاني، وفي توالي الابتكارات بهذا الخصوص، تقدم فن التحنيط تقدما كبيرا، طبقا لما كشفته التجارب والاكتشافات العلمية، ليصبح له أماكن خاصة ورئيسا متفرغا.
رئاسة ومهام وقوانين
كان لرئيس المحنطين تأثير خاص، واللافت انه لم يكن ينتقى للاشتراك معه في إجراءات التحنيط، إلا من يثق بهم من رجال الكهنوت الأتقياء، ومن يأتمنهم من الجراحين والعمالة وبعض أرباب الصنائع التي يستلزمها التحنيط، بناء على أسراره وتعليماته، وكذلك إعداد اللفائف من غزل الكتان وغيره، وكان مساعدوه لا ينتخبون لهذه المهنة إلا بطريق التوريث.
واعتني أيضا بأن ترتب الأماكن المخصصة للتحنيط إلى أقسام، الأول منها يباح دخوله للجميع، حيث تشتمل مراحل ومكونات العمل فيه إعداد الأجزاء الصناعية المفردة فقط، وأما الثاني فهو القاعدة الخاصة بدرس علم التشريح فنيا، ولا يدخلها أحد غير الأستاذ خلال إلقاء الدروس، كما افرد القسم الثالث في هذا الموقع لوضع الجثث المحنطة، والتي تسلم للأقارب والأصدقاء بعد الانتهاء من تحنيطها.
وتأتي بعد هذه المراحل، خطوة أخرى مهمة، حيث أنه وعند وضع الجثة المحنطة ـ المومياء كما أطلق عليها في العصر الحديث ـ في القبر يلتزم بإتباع تعليمات محددة، وفي مقدمتها الدفن في المكان المصرح به، وهذا بعد دفع الرسوم المقررة لنفقات التحنيط (حسب الدرجة المتفق عليها)، ووضع وثائق تلخص تاريخ الميت والمرض المسبب للوفاة
وتوضع الجثة في تابوت خشبي يحلى بالنقوش، ويكتب على غطاء التابوت ثمنه وبيان محتوياته، وبطبيعة الحال كانت لهذه التوابيت أنواع شتى، طبقا لمستوى ثراء الميت، وبذا فإنها تركزت في ثلاثة أنواع رئيسة: درجة أولى، درجة ثانية، درجة ثالثة.
لعنة الفراعنة
رأى العديد من علماء الآثار أن لعنة الفراعنة هذه مجرد خرافة، وأن حالات الوفاة التي حدثت لا يمكن أن تتعدى الصدفة، والدليل على ذلك برأيهم هو حالة صاحب الكشف عن مقبرة الفرعون «توت عنخ آمون»، «هاورد كارتر»، حيث لم يصبه أي مكروه.
ومن الناحية العلمية، فسر بعض العلماء لعنة الفراعنة بأنها تحدث نتيجة لتعرض الأشخاص الذين يفتحون المقابر الفرعونية لجرعة مكثفة من غاز الرادون، وهو أحد الغازات المشعة، وبالرغم من أن غاز الرادون غاز خامل كيمائيًا وغير مشحون بشحنة كهربائية، فإنه فعليا ذو نشاط إشعاعي، أي يتحلل تلقائيًا منتجًا ذرات الغبار من عناصر مشعة أخرى، وتكون هذه العناصر مشحونة بشحنة كهربية، ويمكنها أن تلتصق بذرات الغبار الموجودة في الجو، وعندما يتنفسها الإنسان فإنها تلتصق بجدار الرئتين،.
وتقوم بدورها بالتحلل إلى عناصر أخرى، وأثناء هذا التحلل تشع نوعا من الإشعاع يطلق عليه اسم أشعة ألفا(نواة ذرة الهيليوم)، وهي نوع من الأشعة المؤيّنة، أي التي تسبب تأين الخلايا الحية، وهو ما يؤدي إلى إتلافها، نتيجة تدمير الحامض النووي لهذه الخلايا ـ خء ؟ وهو ما يمثل الخطوة الأولى لإصابة الشخص بسرطان الرئة، مسببا موته لاحقا.
وفسر العالم الأثري د. زاهى حواس، سر وجود اللعنة، بأنه تكونت في المومياوات الموجودة داخل المقابر، بفعل إغلاقها آلاف السنين، جراثيم وميكروبات هائلة غير مرئية، لذا فالمكتشف يتوفى على الفور بمجرد تعرضه لتلك السموم، لافتا إلى أنه عند فتح مقبرة ما، يرفع الغطاء وتترك المقبرة مفتوحة لعدة أيام، وهكذا يحل الهواء النقي محل الفاسد.
أشهر المومياوات
رغم وجود عشرات الاكتشافات التي عرفتنا على المزيد من المومياوات التي تحفل بها متاحف مصر والعالم، ظلت مومياوات الملوك والملكات موضوع دراسات مكثفة، وذلك لدور أصحابها التاريخي وما شهدته عهودهم من أحداث عظيمة أثرت في مجرى العالم القديم.
ومن هذه المومياوت مومياء رمسيس الثاني التي خرجت آلاف التأويلات حولها، بعضها يؤكد أنه فرعون موسى، مخرج اليهود من مصر. وكذا هناك مومياء توت عنخ آمون، ووالده أخناتون وزوجته نفرتيتي، والملكة حتشبسوت، وغير ذلك الكثير.
مومياء الملكة حتشبسوت
يعتبر الكشف عن مومياء الملكة حتشبسوت (من أبرز ملكات العالم القديم)، أحد أهم الاكتشافات الأثرية ل د. زاهي حواس، عالم المصريات، وهو يقول في هذا الصدد:
«بدأت قصة الكشف المثيرة عام 2007 م، عندما عرضت على قناة «ديسكفري» التلفزيونية، أداء فيلم توثيقي علمي عن الملكة حتشبسوت، وأخذت أعد لهذا الموضوع، وبالفعل زرت مقبرة الملكة حتشبسوت رقم (20)، في وادي الملوك بالبر الغربي في الأقصر، وهي من المقابر الأولى التي تم بناؤها في هذا الوادي الساكن، ولا أعتقد أن هناك أثرياً دخل هذه المقبرة بعد أن اكتشفها هيوارد كارتر في العام 1903م».
عثر د. حواس في داخل حجرة الدفن، بمقبرة الملكة حتشبسوت، على تابوت خاص بالملكة، وهو موجود الآن في المتحف المصري، وهذا بالإضافة إلى بقايا الأواني التي تحفظ الأحشاء ويطلق عليها الأثريون اسم الأواني الكانوبية، وقطع من الحجر الجيري تحمل بقايا نصوص من كتاب «ما هو موجود في العالم الآخر».
ويشرح د. حواس مجموعة من التفاصيل والمعلومات حول هذا الموضوع: «بعد زيارتي لمقبرة الملكة زرت خبيئة المومياوات الموجودة في الدير البحري بالقرب من وادي الملوك، وقد كشف عن هذه الخبيئة عائلة عبد الرسول الشهيرة في العام 1881م.
وعثر داخل هذه الخبيئة على (40) مومياء لفراعنة مصر، إلى جانب مومياوين لامرأتين مجهولتي الاسم من الأسرة المالكة، وكذلك عثر على صندوق من الخشب يحمل اسم العرش:
الاسم المولودة به الملكة حتشبسوت، وفي داخله يوجد كبد الملكة، والذي وضع في داخل الصندوق أثناء عملية التحنيط، وكان ظني في البداية أن إحدى هاتين المومياوين يمكن أن تكون للملكة حتشبسوت...
وعرضت المومياوين داخل جهاز الأشعة المقطعية، حيث اتضح أن واحدة منهما ماتت قتيلة؛ وذلك لأن فمها مفتوح حتى الآن، أما السر فقد كان في انتظارنا في المقبرة رقم (60)، والتي تقع أسفل مقبرة حتشبسوت مباشرة، وعثر عليها أيضاً هيوارد كارتر، وقام في عام 1907م، بنقل مومياء من هذه المقبرة كانت داخل تابوت من الخشب يحمل آخر حرفين من اسم مرضعة الملكة حتشبسوت، والمعروفة لدينا باسم «سات اين رع». ويتابع د. حواس في هذا الخصوص:
«وبدأت أبحث عن هذه المومياء في المتحف المصري، وعثرنا عليها داخل مخزن في الطابق الثالث، فوجدت أن طريقة التحنيط تمت على الطراز الملكي، ووقتها ظننت أن هذه المومياء يمكن أن تكون للملكة حتشبسوت، وكان ذلك هو بداية رحلة البحث عن مومياء الملكة حتشبسوت، أعظم ملكات مصر، من حكمت في أزهى عصور مصر بتاريخها القديم.
الملكة نفرتيتي
هناك قصة وخصوصية مميزة لمومياء الملكة نفرتيتي زوجه اخناتون، أشهر ملكات مصر القديمة، والتي يعود تاريخها إلى الأسرة الفرعونية 18، أي إلى نحو عام 1372 قبل الميلاد.
وهي اكتشفت من قبل الباحثة «جوان فلتشر»، أستاذ الآثار المصرية القديمة في جامعة نيوكاسل البريطانية، في العام 2003م، حيث تمكنت من تحديد شخصية مومياء مجهولة كان عثر عليها في العام 1889م، باستخدام تقنيات أشعة اكس، وتثبتت من أنها تعود للملكة نفرتيتي، التي اشتهرت بجمالها وآمنت بديانة التوحيد، المنادي بها زوجها أخناتون، الذي حكم من العام 1379 ق م إلى عام 1362 ق م.
مومياء أخناتون
شهد هذا العام اكتشافا مميزا على صعيد مومياوات مصر، حيث أعلن د. زاهي حواس في فبراير الماضي أنه وبعد أكثر من 120 عاماً من البحث عن المصير المجهول لمومياء الملك أمنحتب الرابع، المعروف باسم إخناتون، مؤسس أول ديانة توحيدية في مصر والعالم القديم، أصبحت تتوافر دلائل كثيرة تشير إلى انه تم العثور على مومياء هذا الملك.
وقال حواس في هذا الخصوص: «خلال البحث عن عائلة توت عنخ آمون تبين عبر تحليل البصمة الوارثية وتحليل الجينات، أن مومياء في المقبرة 55 في وادي الملوك هي مومياء والد الملك الذهبي توت عنخ آمون، وكان يعتقد أن المومياء تعود لرجل توفي في ما بين سن الـ 20 و25 عاماً، لكن تبين نتيجة الأبحاث انه توفي وهو يبلغ ما بين الـ 45 و50 عاماً، وهو ابن لأمنحتب الثالث والملكة تي، ما يشير إلى أنه هو نفسه إخناتون».
كما أكد العثور على الملكة تي:
«تم العثور على الملكة تي، التي توقع علماء في وقت سابق، أنها زوجة أمنحتب الثالث وأم أخناتون، ووجدت في مقبرة أمنحتب الثاني»، وهكذا فانه تم بذلك حسم الجدل والتأكد بأن نفرتيتي لا يمكن أن تكون والدة توت عنخ آمون، وهي من أنجبت شقيقاته الست».
والجدير بالذكر هنا، أن أخناتون حاول توحيد آلهة مصر القديمة في إله واحد «آتون»، ورغم أن هناك شكوكا في مدى نجاحه في هذا، وهو كان نقل العاصمة من طيبة «الأقصر»، إلى عاصمته الجديدة» أخت آمون» بالمنيا، وقد انشغل بإصلاحاته الدينية وانصرف عن السياسة الخارجية وإدارة الإمبراطورية الممتدة إلى أعالي الفرات والنوبة جنوبا، فانفصل الجزء الآسيوي منها.
مومياء سقننن رع
تتفق المصادر التاريخية على أن الملك «سقنن رع تاعا الثانى»، هو أول ملك بدأ القتال مع الهكسوس، وتوجد وثيقة، هي ورقة سالييه، جاءت في شكل قصة منسوبة إلى عصر سقنن رع، تخبر كيف بدأ الخلاف بين ملك الهكسوس عاقنن رع أبوفيس.
والملك سقنن رع، حيث أرسل أبو فيس من أواريس، الواقعة في شمال الدلتا، رسالة إلى سقنن رع، يخبره فيها أن أصوات أفراس النهر التي في بحيرة طيبة تزعجه وتقض مضجعه، بالرغم من أنه بينه وبين طيبة 500 ميل، وهكذا يأمره بأن يجد أي وسيلة للقضاء عليها.
وبذا كانت هذه الرسالة بمثابة إعلان للحرب. هناك في الواقع عدة نظريات عن وفاة سقنن رع، وأكثرها شيوعا انه قتل في معركته مع الهكسوس، لكن ترى بعض النظريات أنه قتل بينما كان نائما، إذ كان راقدا على جنبه الأيمن حين تعرض للهجوم، وهذا يبدي أنه ظهر ذلك أما لأنه كان نائما أو لأنه كان أصيب بالفعل وسقط على جانبه الأيمن، قبل أن تأتيه الضربة المميتة.
ويلفتنا هنا انه حنطت جثته على عجل وباختصار، ويعتقد أن السبب هو تحنيطه في مكان المعركة للحفاظ عليه من التعفن، وحتى ينقل إلى طيبة حيث تمت هناك محاولة ثانية لتحنيطه، وتوجد مومياؤه الآن في المتحف المصري بالقاهرة، وقد عثر على مقبرته في خبيئة دراع أبو النجا في العام 1881 م، واكتشفت المومياء لاحقا، في 9 يونيو من العام 1886 م، بواسطة الباحث جاستون ماسبيرو.
رمسيس الأشهر
تعد مومياء الملك رمسيس الثاني الموجودة في المتحف المصري، أشهر مومياوات الفراعنة على الإطلاق، نظرا لمكانة صاحبها في التاريخ القديم، وليس المصري فقط، بل تاريخ الشرق الأدنى القديم كاملا، وهو بحق أحد أعظم قادة الحضارة في العصر القديم.
وتأتي أيضا شهرة المومياء، انطلاقا من اعتقاد راسخ لدى فئة كبيرة، بأن صاحبها هو فرعون موسى الذي طارد بني إسرائيل أثناء خروجهم من مصر، وعبر البحر وراءهم، وغرق.
ولذلك فإن مومياء الملك ظلت، وحتى الآن، في نظر هؤلاء، دليلا على غرق صاحبها، خاصة لوضع اليدين المميز، ولون المومياء الذي قورن بمومياوات الفراعنة الأخرى؛ وقيل أن فيها نسبة عالية جداً من الأملاح التي تؤكد على غرق صاحبها.
وهذا على الرغم من أن جميع الدراسات السابقة حول مومياء رمسيس الثاني، لم تأت بدليل واحد يمكن من خلاله أن يقود إلى معرفة ما إذا كان الملك رمسيس الثاني هو فرعون الخروج، أم لا، وهذا حتى تلك الدراسات التي أجريت على المومياء في باريس، بعد سفرها، وذلك بدعوى علاجها هناك، فهي لم تكشف عن أي أدلة تمكِّن من الوصول إلى حقيقة موت صاحبها.
محمد الحمامصي



