لم تصل للقارئ حتى الآن، التفاصيل الحياتية لحضارة ما قبل التاريخ، وقد اطلعت مؤخراً على تفاصيل دقيقة نقلت إلى العربية عن اللغة المسمارية التي عرفها العراقيون القدماء، وتركوا للإنسانية خزينا حضاريا، لكن للأسف الشديد ظل الاهتمام على المستوى التخصصي.
يقول علماء الآثار إن العلاقات العاطفية والجنسية مثلاً كانت متطورة في الحضارة السومرية، وترتبط بالطقوس الدينية وتقاليد المجتمع المدني وفيها سقف كبير من الحرية كما أن الأدب المسماري عرف الشعر فخلف لنا أدباء ذلك العصر الكثير من تراث غني يعتبر تراثا عاما للإنسانية، تعرفت أخيراً على قصص حب لا تقل عما عرفناه من قصص غرام في الأدب المعاصر مثلاً.
من القصائد التي ترجمت أخيراً إلى العربية قصيدة حوارية بين حبيبين حوالي 1750 ق م، وتعبر عن عواطف وأحاسيس إنسانية عالية في مستواها، وهي ما نسميه الآن في الغزل العذري، وقد ترجمت القصيدة عن الأدب الأكادي.
تقول الحبيبة : سوف أبقى مخلصة لك
لعل عشتار الملكة تكون شاهدتي
حبي سوف ينتصر وذلك اللسان الشرير سوف يكون مقيتاً سوف أتماسك لأجلك ..
سوف اتشبث بك وأكافئ حبك معي
وتواصل الحبيبة بث عواطفها وأحساسها فيجيب الحبيب بانكار ذات :
أنا أفكر كثيراً بك ولكن .. نحن يقظين حقيقة من حلمنا لا تثقي بما يقوله الناس لأنك لا تزالين الوحيدة التي أراها وهناك قصائد من الأدب السومري تفيض حباً وشوقاً وسمواً، وتعود إلى الألف الثاني ق. م.
أخلد للنوم .. أغرب.. أريد أن أمسك حبيبي بين يدي
عندما تتكلم معي.. تجعل قلبي يخفق
آه.. كيف أريد أن أغمز عيني اليمنى عليك
أنا هنا .. وأقفة في حب سحرك
لم أغمض عيني في الليلة الأخيرة.
وقد وردت عن البابلية قصص أسطورية عن الحب.. ولعل من أشهرها .. قصة (فيسيه وفيراموس البابلية) وهي قصة حب تنتهي بانتحار الحبيبة حزناً على فقد الحبيب، وتقول الأسطورة إن دم الحبيبة سال على الأرض ولون شجرة التوت الأبيض ومن يومها أصبح للتوت لوناً أحمر.
ومما قرأت متمتعاً قصة الإله أنليل الذي اغتصب ننليل لأنه أحبها، إلا أن السماء غضبت عليهما رغم أنه تزوجها، وطردتهما للعالم السفلي كما ورد في الأساطير السومرية.
وهي رواية ممتعة حقاً كان بودي أنقلها للقارئ إلا أن الحرية التي كان يتمتع بها أدباء وادي الرافدين قبل الميلاد أكبر بكثير من الحرية التي يتمتع بها كاتب معاصر وإن عاش في أكثر بلدان العالم حرية، إلا أن العودة إلى هذه النصوص في مصادرها التاريخية تثير الإعجاب لما تتمتع به من حبكة وشاعرية، وما تمثله الحكاية من طرافة ومفاجآت ما يجعل كل ذلك ممتعاً .
