لأننا ميالون إلى المبالاة أو القفز فوق الحقائق ترانا نرتكب الخطأ تلو الآخر، ولا نكف عن تكراره حتى تتحول حياتنا جملة من الأخطاء بعضها يدفعنا للتباهي، ومعظمها يجعلنا في حلقة مفرغة لا نستطيع العبور إلى ضفة النجاح بيسر وسهولة، لأننا نعيش خارج عالم الموضوعية، ولا نرى الحقائق سوى من تلك الزاوية الضيقة التي يقل فيها الضوء، ويغزوها الظلام عاماً بعد عام، والأدهى أننا نغمض أعيننا عن الحقيقة حتى إذا كانت بجوارنا ولا تحتاج إلى جهد للبحث عنها.
لقد عرف المفكر الراحل عبد الوهاب المسيري أن الموضوعية تُعبِّر عن إدراك الأشياء على ما هي عليه دون أن يشوبها أهواء أو مصالح أو تحيزات، أي تستند الأحكام إلى النظر إلى الحقائق على أساس العقل، وبعبارة أخرى تعني الموضوعية الإيمان بأن لموضوعات المعرفة وجودًا ماديًا خارجيًا في الواقع، وأن الذهن يستطيع أن يصل إلى إدراك الحقيقة الواقعية القائمة بذاتها (مستقلة عن النفس المدركة) إدراكًا كاملاً.
والموضوعية تقتضي أن ينظر المرء إلى نفسه في المرآة ليرى شكله، ولينظر إلى ما مضى من حياته، وماذا تحقق من طموحاته، وإلى أين تتجه بوصلة حياته الجديدة، وكم من الوقت بقي لديه ينجز ما لم ينجزه فيما مضى، وليسأل نفسه تالياً كم أنال من علامة الرضا عن الذات، وكم يجب أن أحقق بعد، وتقتضي الموضوعية أيضاً أن يعرف المرء موقعه في مجتمعه فيتحرك في الجغرافيا التي لا تعيقه، والتي لا تقلل من شأنه، ليس من موقع قلة الطموح، بل من موقع الموضوعية التي تتقبل فكرة ما أنا عليه وليس ما يجب أن أكون.
ربما يتساءل المرء عن الصور التي تنافي الموضوعية، والتجربة الحياتية تفرض معرفة ببعض الصور التي تنافيها، والأمثلة كثيرة منها تضخيم الهامشي، القراءة السطحية للأمور، الاجتزاء والاهمال، التحوير والتشويه، الحكم بأثر رجعي على الأمور، الشخصنة (أي بناء الأحكام بشكل شخصي)، الادعاء،.. وتطول اللائحة لتشمل كل ما يجانب الأخلاق العامة، ومن حولنا الكثير من اللا موضوعية التي تدخل أحياناً في باب المجاملة لتصل إلى
ما قاله الإمام الشافعي:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة
ولكن عين السخط تبدي المساويا
