يحتوي هذا الكتاب على 12 فصلاً يخصّ كل منها دراسة عن أحد مظاهر العلاقة بين أوروبا اللاتينية والعالم العربي خلال العصر الوسيط. وكل من هذه الدراسات تتضمن مناقشة الطريقة التي نظر فيها مؤلفون وباحثون أوروبيون «لاتين» خلال الفترة الواقعة بين القرن التاسع والقرن الرابع عشر إلى المسلمين المتواجدين في أوروبا آنذاك.

ويقوم المؤلف بمقارنة مستفيضة بين حالة العالم العربي وبين أوروبا خلال تلك القرون. ويؤكد أن العالم العربي كان آنذاك غنياً، وأكثر تقدما وازدهارا وقوة وأدبا من أوروبا اللاتينية. ذلك أنه في الوقت الذي مثّل فيه العرب والمسلمون عندها أحد بؤر التنوير الأشهر في العالم كانت أوروبا تعيش حقبة محاكم التفتيش.

هذا التباين في المشهد انعكس مباشرة على النظرة للمسلمين في أوروبا، حيث تواجدوا منذ فتح اسبانيا. ويحدد المؤلف القول إن هؤلاء «المسلمين» كانوا بالوقت نفسه «محطّ الإعجاب ومصدر الخوف».

وهذا ما يبيّنه المؤلف من خلال بعض الكتابات المسيحية التي حررها أوروبيون، والتي تراوحت بين «الدفاع» عن المبادئ والأفكار المرتبطة بالإسلام في أوروبا وبين «رفض» هذه الأفكار. ويشير المؤلف إلى أن بعض هذه الدراسات «المناوئة» كلية للوجود الإسلامي في أوروبا وللمبادئ الإسلامية قد وصلت أحياناً إلى حد مهاجمة أسس العقائد ذاتها.

ويشرح المؤلف كيف أن بعض المؤلفين الأوروبيين تعرّضوا آنذاك إلى الحديث عن التوترات اليومية التي كانت تقوم في أحيان كثيرة أثناء العصر الوسيط بين المسلمين والمسيحيين في الأماكن التي كانوا يعيشون فيها معا.

وهذا ما تتم دراسته من خلال ما كتبه أحد المؤلفين تحت عنوان: «أصوات أجراس الكنائس ونداءات الأذان في الجدل بين الطوائف في شبه الجزيرة الاسبانية».

ويعيد المؤلف في تحليلاته مثل هذا التوتر الذي كان يصل أحيانا إلى درجة متقدّمة من الحدة، إلى عدة أسباب في مقدمتها «وجود حواجز لغوية» حقيقية كانت تمنع التواصل وبالتالي التفاهم.

هذا إلى جانب الخلاف في المصالح ونظرة الكثير من الأوروبيين للمسلمين المتواجدين في اسبانيا على أنهم يمثلون قوة احتلال خارجي لأرض مسيحية.لكن بالمقابل هناك مؤلفون لاتينيون آخرون مثل «بورشار دو ستراسبورغ» سفير فريديريك بربروس لدى صلاح الدين الأيوبي حوالي عام 1175 ميلادي الذي يشرح المؤلف مقولاته حول «الإخلاص المشترك بين المسلمين والمسيحيين».

ذلك على خلفية الاحترام المتبادل، هذا إلى جانب «الأرض المشتركة: التي قامت عليها الديانتان الإسلامية والمسيحية». وينقل المؤلف الكثير من الشواهد المأخوذة من كتابات «دو ستراسبورغ» التي يؤكد فيها على أن العديد من القادة المسلمين، من أمثال صلاح الدين، كانوا نموذجا للفروسية والكرم.

ويحدد جون تولان القول ان ردود أفعال العالم المسيحي اللاتيني آنذاك تراوحت بين اعتناق الكثيرين للإسلام حتى حمل السلاح للنضال ضده من قبل آخرين، ومرورا باتخاذ المواقف الشفهية في هذا الاتجاه أو ذاك.

ويتم في هذا السياق تحديد القول ان العديد من المفكّرين والكتاب اللاتينيين، ساهموا في الجدل الذي ثار خلال الفترة الواقعة بين القرن الثامن الميلادي والقرن الثالث عشر، أي ما يتناظر مع فترة ما يُعرف بالقرون الوسطى بالنسبة للعالم الأوروبي عامة.

ولم تكن الاتهامات بالوثنية والهرطقة هي أقل النعوت التي جرى توجيهها للمعتقد الجديد «الظافر».

وهنا يفتح المؤلف قوسين كي يشرح، بالاعتماد على العديد من الكتابات اللاتينية، كيف أن استراتيجية المفكرين المسيحيين والمبشرين الأوروبيين لم تبق جامدة من حيث المواقف التي اتخذتها حيال الإسلام.

بل إنها تطورت كثيرا بمقدار ما جرى التعرّف أفضل وأعمق على التعاليم الإسلامية. هكذا تضاءلت كثيرا حدة النقد ومالت الآراء المقدّمة باتجاه قدر أكبر من الدقة واللجوء إلى المحاججة والاعتراف.

لكن هذا لا يمنع المؤلف من التأكيد بالوقت نفسه أن الحرب الإيديولوجية ظلت في واقع الأمر بمثابة رهان أساسي في العلاقة بين العالمين اللاتيني والإسلامي خلال العصور الوسطى. كما يؤكد أن هذا الرهان كان من الأهمية بدرجة أن آثاره لا تزال قائمة حتى الفترة الراهنة.

وبهذا المعنى يؤكّد جون تولان أن الشعور الذي ينتاب الغربيين عامة أنهم «متفوقون» على المسلمين وعلى العرب لا يعود إلى الحقبة الاستعمارية فحسب، ولم يولد مع الاستعمار، لكنه يضرب جذوره في الذاكرة الجماعية الأوروبية والغربية لحقبة القرون الوسطى.

ولعلّ هذا الكتاب يمثل مساهمة فريدة من حيث عرضه وتفحّصه لأشكال الجدل العقائدي التي سادت في أوروبا ما بين القرن الثامن والقرن الرابع عشر حيال الإسلام. وذلك من خلال العودة إلى 12 دراسة لمفكرين مسيحيين «لاتينيين»، حيث يضعها «جون تولان» في سياقها التاريخي.

وبالوقت نفسه يقدّم المؤلف من خلالها الرؤية «اللاتينية» بمختلف مظاهرها حيال الحضارة العربية وحيال الإسلام في فترة دقيقة من تاريخ الجمود الأوروبي، أي القرون الوسطى.

الكتاب: أوروبا اللاتينية والعالم العربي خلال العصر الوسيط

تأليف: جون تولان

الناشر: جامعة رين رين 2009

الصفحات: 229 صفحة

القطع: المتوسط

L'Europe latine et le monde arabe au Moyen-Age

John Tolan

Université de Renne - Renne (France) 2009

229p.