من المعروف عن الصحافي جدعون ليفي أنه صاحب مواقف جريئة في معارضتها للسياسات وللقمع الإسرائيلي. وهذا ما يقوله ويردده ويكتبه منذ سنوات طويلة في مقالاته التي ينشرها في صحيفة «هآرترز» وقد حظيت غزة باهتمامه بالكثير من مقالاته منذ عام 2006. وهو يجمع في هذا الكتاب مقالاته عن غزة خلال سنوات 2006-2009.
تحت عنوان: «أحب غزة»، يكتب جدعون ليفي في مقدمة هذا الكتاب، ويضيف مباشرة: «لقد أحببت دائما الذهاب إليها». ويصف العدوان الإسرائيلي على غزة في نهاية عام 2008 ومطلع عام 2009، والذي أطلقت عليه إسرائيل تسمية «الرصاص المسكوب»، أنه «لم يكن حربا» إذ لم يكن في مواجهة إسرائيل أية «معركة».
بل «كان هجوما وحشيا ضد أكثر سكان العالم ضعفا بسبب الحصار المضروب عليهم حيث لم يكن أمامهم أي مكان يهربون إليه، ولا حتى من ناحية البحر»، كما يكتب المؤلف.
ويضيف: «قنابل من الفوسفور الحارق للأجساد الحية وقنابل عنقودية تنشر المسامير الخارقة في كل الاتجاهات وطائرات يقودها طيارون وطائرات بدون طيّار تطلق صواريخها وتقصف كل شيء ومئات القتلى من الأبرياء الذين لا ذنب لهم سوى أنهم غزّاويون».
ولا يتردد جدعون ليفي في هذا السياق من الحديث عن أن «مأساة» أهل غزة سببها الأصلي هو «إسرائيل» وهم يعيشون في كل مرة حلقة جديدة من تلك المأساة.
ومنذ البداية يحدد المؤلف أيضا هدفه في «إسماع صوته» للعالم. ويعلن أسفه لأنه كمن يصرخ في الصحراء. ذلك أن «حالة من العمى الرهيب أصابت إسرائيل وبقية العالم ؟ نعم بقية العالم أيضا.
ففي أوج القصف عندما كانت القنابل تتساقط على غزة قدم وفد من رئاسة الاتحاد الأوروبي إلى القدس لدعم قادتها». وبعد أن يؤكد ليفي أنه لن ينسى أبدا ذلك المسعى المخجل، يقول: «لم يتجرأ أي وفد في الذهاب إلى غزة كي يرى بعيونه ماذا كانت تقترف إسرائيل هناك».
ويشير جدعون ليفي إلى أن أوروبا لا تزال تشارك في ضرب الحصار على غزة ومقاطعة حكومتها، وهذا يشكّل «الحالة الوحيدة التي أعرفها ويتم فيها فرض حصار دولي على البلد الخاضع للاحتلال وليس للمحتل».
ويؤكد في هذا السياق من موقعه كمواطن إسرائيلي، أن «أصدقاء إسرائيل هم أولئك الذين يحتجّون على سياستها وضد الاحتلال وضد الحصار وضد الحرب». ذلك على أساس أن «الصداقة الحقيقية لا تكمن بتقديم مبالغ أكثر من المال لمن يتعاطى المخدرات ولكن من أجل دفعه كي يقوم بمعالجة إدمانه».
وفي الفصول ـ المقالات الأولى من هذا الكتاب التي تعود إلى عام 2006. يتحدث المؤلف عن «المساعدات الخارجية الهزيلة» التي كانت تتلقاها غزة آنذاك ويشرح كيف أن العالم يمارس سياسة «معيارين ووزنين»، حيال العمليات التي قامت فيها إسرائيل لأسباب وحجج عديدة وما تسببه من «خسائر فادحة» لأهل غزة.
ويقدم المؤلف في هذا السياق العديد من الشهادات من مصادر مختلفة وكلها تصبّ في منحى واحد هو «الظلم» الواقع على غزة و«القمع» الذي تمارسه إسرائيل.
إن عناوين الفصول-المقالات الخاصة بعامي 2007 و2008 هي ذات دلالة بليغة على مضمونها وعلى المواقف الواضحة التي يتخذها المؤلف. هكذا نقرأ عن «أيام سوداء في غزة» و«أسباب الوفاة: عملية قصف محددة الهدف» و«أطفال الحرب» و«ربيع إسرائيلي غامض في أوروبا»، وهذا المقال مكرّس لقرار الاتحاد الأوروبي «تعزيز علاقاته مع إسرائيل» في شهر يونيو من عام 2008.
ونقرأ بهذا الصدد: «ربما أنها المرة الأولى التي تجتمع فيها ظروف غريبة إلى هذا الحد.
إن أوروبا المستعدة دائما للتأكيد على أولوية حقوق الإنسان والحرية تقرر مقاطعة بلد محتلّ». ويقصد غزة، وبالمقابل «تقيم روابط متميّزة مع إسرائيل». وعنوان المقال التالي مباشرة هو: «الجرّافة ـ البلدوزر: الجيش الإسرائيلي ينشر الرعب». هذا «البلدوزر» الإسرائيلي «يخرّب ويدمّر مثل سلاح نووي» في فلسطين.
وتحت عنوان: «قد لا يكون الصديق المخلص لإسرائيل»، ويقصد بذلك النقاش الذي جرى في إسرائيل عند انتخاب «باراك اوباما» رئيسا للولايات المتحدة الأميركية.
وينقل المؤلف من تلك النقاشات والآراء المطروحة قول البعض» الأسود الذي كانت له سابقا علاقات مع الفلسطينيين المتواجدين في شيكاغو، والذي يتحدث عن حقوق الإنسان ويفضّل الدبلوماسية على الحرب، بل والذي يريد الحوار مع إيران، والذي يريد أن يعطي الأولوية لميزانية سدّ الاحتياجات الاجتماعية لأميركا وليس لصادرات السلاح، ربما لن يكون صديقا لإسرائيل مثل أولئك الذين نحب أن نراهم في واشنطن والذين عوّدتنا أميركا عليهم».
وحول غزة والعدوان عليها فإنها تحمل عناوين مثل «متى ستصمت المدافع«؟ و«التعطّش للدم وللثأر» و«لم نكسب شيئا» و«رصاصة في القلب» و«الأكاذيب فقط» و«من يحتاج لهذا«؟ الخ. ولعل المقطع التالي من تقديم الكتاب بدل على مضمونها إذ نقرأ:
«طائرة تطلق صاروخا على شراع مظلم (...) وطفل رضيع تصيبه شظايا صاروخ في دماغه، وأب يتعرّف على نصف جسد ابنه من حذائه وشوارع كاملة جرى تهديمها بجرّافات «كاتر بيلر». وأسبوع بعد أسبوع ويوم بعد يوم يتعاظم التدمير والقتل».
ولا يتردد المؤلف في القول: «إن دماء الأطفال القتلى في غزة تلوّث أيدينا وليس أيدي حماس، ولا نستطيع أبدا الهروب من هذه المسؤولية».
ومقالات يدافع فيها جدعون ليفي عن أطفال غزة وعن حقهم بالحياة والحرية ويدين سلوك إسرائيل. ويعطي لشرف الصحافة معناه الكبير.
الكتاب: غزة مقالات هآرترز 2006 2009
تأليف: جدعون ليفي
الناشر: لافابريك باريس 2009
الصفحات: 239 صفحة
القطع: الصغير
Gaza، articles pour Haaretz 2006-2009
Gideon Levy
La Farique - Paris 2009
239p
