يتم تقديم الولايات المتحدة الأميركية غالباً على أنها بلد الحرية والشجاعة والديمقراطية والنجاح الاقتصادي. وأنها البلد الذي ينبغي على العالم كله أن يتعلّم منه، ودون أن يتعلّم من العالم أي شيء. مثل هذه الأفكار شائعة لدى الأغلبية الساحقة من الأميركيين.

لكن الصحافي البريطاني «غودفراي هودغسون» المختص بالعالم الأميركي والذي قال ذات يوم إنه «أحس دائماً بنوع من التناغم بينه وبين إيقاع الحياة الأميركية» يقدّم كتابا كاملا تحت عنوان «أسطورة الاستثناء الأميركي» وحيث لا يتردد في القول إن «ممارسة الديمقراطية الأميركية على صعيد الداخل والخارج أيضا تحمل خطرا قاتلا».ويحدد المؤلف القول إن مصدر هذه الخطورة برز بوضوح بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001، ذلك أن إدارة جورج دبليو بوش اتخذت تلك التفجيرات كحجّة من أجل القيام بغزو العراق. لكن الأمر لم يكن سوى مجرّد حجة، ذلك أن قرار غزو العراق كان قد جرى اتخاذه، حسب رأيه، منذ الأيام الأولى لإدارته. وهذا ما يتناقض مع «القيم المعلن عنها» في التصريحات والأدبيات الأميركية.

ويحدد المؤلف مكانة الولايات المتحدة ك«موقع متقدم لأوروبا»، وأنها كانت باستمرار إحدى القوى الفاعلة، وليس دائما الأكثر تقدما، في تثبيت أركان النموذج الحضاري اللبرالي والمنظومة الرأسمالية على الشاطئ الآخر للمحيط الأطلسي. لكن يرسم بالمقابل صورة أخرى يحاول من خلالها أن يثبت أن «الاستثناء الأميركي» ليس سوى «أسطورة».

ذلك أن التاريخ الأميركي زاخر بالصراعات الطبقية وبالنزاعات بين مجموعات الضغط المتنوعة «اللوبي» وبالخلل، أو على الأقل بعدم التناسق والانسجام، في عمل المؤسسات. ونتيجة هذا كله واقع التهميش الذي يعاني منه الملايين من الأميركيين وعجز الإدارة المركزية أحيانا في فرض بعض الإصلاحات إذا كانت لا تسير في مصلحة مجموعات الضغط التي لها أيضا تأثيرها الكبير في توجهاتها السياسية الخارجية الأميركية.

وهناك وجه آخر يؤكد عليه المؤلف حول مكانة الولايات المتحدة المتميّزة في العالم. وهو لا يتردد في القول إن النجاح الكبير الذي عرفته هذه البلاد يعود بقسم كبير منه إلى «المصادفة التاريخية والجغرافي،ة أكثر مما هو إلى العبقرية الإيديولوجية» الأميركية. ومقابل مظاهر النجاح هناك واقع «المعارك الخاسرة» ضد الفقر عامة، وفي العديد من الملفات ذات الأهمية الكبيرة بالنسبة للأميركيين أنفسهم، ابتداء من الرعاية الصحية، ووصولا إلى الفساد السياسي. والولايات المتحدة تخسر في المقارنة بهذا الصدد مع العديد من البلدان الأوروبية المتقدّمة.

إن المؤلف يذكّر بعشرات المشارب التي يؤكد في تحليلاته أنها لا تثبت «الاستثناء الأميركي»، ولكن دون أية عدائية حيال الولايات المتحدة. إنه يبدي فقط «أسفه» لبروز نوع من «النزعة التبشيرية» الجديدة الرامية إلى التوسع باسم «أرجحية» القيم «التي تنادي بها أميركا، ولكن بالحقيقة على خلفية تطلعات المحافظين الأميركيين الجدد. ولا يتردد المؤلف في هذا الإطار، عن وصف السياسة الأميركية في العراق أنها «مشوشة» و«قائمة على الأوهام».

ويعود هو هودغسون، في منظور تأكيد «أسطورة الاستثناء الأميركي» إلى استعراض تطور مفهوم احترام الفرد في أميركا منذ بدايات الاستقلال وحتى الحقبة الراهنة. ويحاول أن يبيّن من خلال هذا كيف أنه كانت هناك دائما نزعة نحو «تضخيم» مقولة الاستثناء الأميركي، وخاصة خلال سنوات إدارة جورج دبليو بوش حيث وصل الأمر إلى حد «الفساد».

لكن بالمقابل يتم التأكيد أن عناصر التمايز والتفرّد في التاريخ الأميركي وفي الفلسفة السياسية الأميركية قد تأثرت باستمرار إلى حد كبير بالتجارب الأوروبية السابقة، وخاصة بالثورتين الفرنسية والانجليزية وبالفكر الأوروبي، وفي مقدمته أفكار عصر التنوير. وإذا كان الآباء المؤسسون الأميركيون يعترفون إلى هذه الدرجة أو تلك بذلك، فإن أصحاب نزعة التزمت الأميركي مثل المحافظين الجدد يميلون إلى تجاهله. والمعروف أن دونالد رامسفيلد كان قد وصف أوروبا ب«القارّة العجوز».

وينقل المؤلف عن رينالد ريغان ترديده عام 1974 الجملة التي قالها المدعو «جون وينتروب» عندما كان على ظهر سفينة «ارابيللا» عام 1630 مقابل شواطئ ماساشوستا: «سوف نكون أيضا كمدينة فوق هضبة بحيث يتطلّع إلينا جميع الآخرين». إن هودغسون يفنّد هذه المقولة ويبدأ بالقول إن «ريغان» قال اسم السفينة خطأ وهي «اربيلا» وليست «ارابيللا» وأن «وينتروب» قال على الأغلب جملته في انجلترا وليس أمام الشواطئ الأميركية.

ونقرأ: «المهم أكثر أنه لك، يقصد بقوله الأميركيين ومستقبل الولايات المتحدة. وربما ما كان له أن يتصوّر وجود ولايات متحدة. لقد قال كلمته للانجليز وقصد المستعمرة التي أراد أن يؤسسها هو وأصدقاؤه وأنها ستكون نموذجا للمستعمرات الانجليزية الأخرى».

وإذا كان المؤلف لا يخفي إعجابه بالولايات المتحدة، فإنه يؤكد على «عدم الاستثناء» في تاريخها، وأنها لم تكن دائما نموذجا لبقية العالم. ويكرّس أحد فصول الكتاب الستة ل«الاستثناءات الأميركية» ولكن في مجال «الفشل» وليس النجاح.

ويقدم في هذا الإطار نوعاً من الجرد للواقع الأميركي السيئ على صعيد الصحة والتربية والعلاقات العنصرية وعدم المساواة وانتشار الجريمة والقمع البوليسي والتعاون الدولي وحقوق الإنسان. وفي المحصلة يؤكد هودغسون أنه من الأفضل رؤية الحقائق وليس بناء آراء على «أنصاف الحقائق».

وإذا أصرّ الأميركيون على رؤية أنفسهم كأمة وحيدة فاضلة «فسوف يؤثر ذلك في سلوكيتهم حيال بقية العالم».

الكتاب: أسطورة الاستثناء الأميركي

تأليف: غودفراي هودغسون

الناشر: جامعة يال 2009

الصفحات: 240 صفحة

القطع: المتوسط

The myth of American exceptionalism

Godfrey Hodgson

Yale University Press- 2009

240p.