سلافوج زيزيك، فيلسوف متمرّد على المنظومات السياسية والأخلاقية السائدة. وهذا ما أكده باستمرار في أعماله السابقة وكتاباته العديدة، وما يؤكده اليوم أكثر في هذا الكتاب: «بعد المأساة يأتي الهزل».
إن العالم مصاب بحالة من «العمى» كما يقول لنا. ثم يشير إلى مليارات الدولارات التي تمّ ضخّها في قلب النظام المصرفي العالمي، في الولايات المتحدة الأميركية أولًا وفي العديد من بلدان العالم بعدها. ثم يسأل: لماذا لم يتم استخدام هذه المليارات من أجل مكافحة الفقر في العالم ومن أجل التقليل من آثار التلوث الذي يهدد البيئة؟ وسؤال آخر:هل ينبغي تقديم براهين إضافية على أن رأس المال أصبح في صميم واقع حياتنا، وقد أصبح كذلك بقدر كبير من التسلط أقوى من احتياجات ملحّة في حياتنا؟تتوزع محتويات هذا الكتاب بين قسمين. يحمل الأول منهما عنوان: «هذه هي الإيديولوجيا، أيها الأحمق».
ويبدأ هذا القسم بفصل يطرح فيه المؤلف السؤال التالي: «هل نحن أمام اشتراكية رأسمالية؟». ثم يعالج ما يسميه «أزمة بمثابة علاج هجومي» قبل أن يدرس «بنية الدعاية المعادية». وعنوان القسم الثاني هو «الفرضية الشيوعية»، حيث يبدأ أولًا بسؤال: «اشتراكية أم شيوعية»؟ ليبحث بعد ذلك في «استخدام العقل»، ثم عدد من الصفحات حول «هاييتي» كنموذج عن حالة بؤس «مزمنة» لكنها قامت بثورة فريدة في التاريخ.
لكن زيزيك يركز في الوقت نفسه على انتقاد النموذج اللبرالي السائد. ويكتب: «إن المساومة اللبرالية ـ الديمقراطية باسم الأخلاق وبالدعوة إليها قد عاشت زمنها ومضت. ومن طرفنا لم يعد مطلوباً منا تقديم الاعتذارات بينما من طرفهم ـ أي اللبراليين الديمقراطيين ـ فعليهم أن يعتذروا دون تأخير».
نقرأ: «من أصل ال22 مليار دولار التي وعدت الدول الغنية بتقديمها لمساعدة الزراعة في البلدان الأكثر فقراً لمواجهة الأزمة الغذائية لم يتم صرف سوى 22 ملياراً حتى الآن».
وإذا كان سلافوج زيزيك لا يتردد في تقديم نقده للتجارب الشيوعية التي عاشت زمنها وفشلت، فإنه بالمقابل يرى أن الفكرة نفسها لا تزال مستمرة. يقول: «أؤكد هنا أن الأفكار التي قامت عليها الشيوعية لا تزال موجودة.
إنها بقيت بعد فشل تجربة تحققها في الواقع. ولا يزال طيفها يعود ويتردد على الأذهان وبطريقة يمكن أن تعبّر عنها بشكل أفضل كلمات قالها ذات يوم بيكيت ـ صموئيل بيكيت ـ وجاء فيها: «المحاولة أيضاً والخطأ أيضاً، ولكن الخطأ بشكل أفضل».
ويرى زيزيك، الثوري السابق، أنه بعدما يزيد على عشرين سنة من سقوط جدار برلين، لايزال لأفكار ماركس حضورها على الصعيد الفلسفي. ويرى في الوقت نفسه أن هذا الحضور يعود إلى هذا الحد أو ذاك، لواقع المحصّلة السلبية للرأسمالية اللبرالية التي تهرم بسبب تناقضاتها ولا تستطيع الفكاك منها وتجاوزها».
ولا يتردد في هذا السياق أن يقوم بنبوءة مفادها أن المستقبل لن يكون للرأسمالية اللبرالية، ولكن بالأحرى للاشتراكية. هذا إلى جانب نقده اليوم لليسار الذي لا يسعى سوى للوصول إلى السلطة.
ويحدد الفيلسوف سلافوج زيزيك سببين رئيسين لفشل اللبرالية، بل ول«حفر قبرها»، وهما تفجيرات 11 سبتمبر 2001 والأزمة المالية العميقة التي انفجرت في خريف عام 2008 ولا تزال آثارها تضرب العالم حتى اليوم. وهو يقدّم تحليله لما يسميه «الرؤية اللبرالية التي تجتاح العالم» ويتهم هذه الإيديولوجية بزرع الأوهام في العقول بخصوص وجود علاقة عضوية بين الرأسمالية والديمقراطية. ويتم تشبيه هذه العلاقة العضوية بعلاقة برلسكوني مع النزعة الإنسانية، «الإنسانية جداً».
ويقول المؤلف بوجود نوعين من الرأسمالية. أولهما الرأسمالية اللبرالية الغربية، وثانيهما الرأسمالية «ذات الطابع الاستبدادي» على الطريقة الآسيوية. وتؤكد التحليلات المقدّمة أن هناك طريقاً آخر، ثالثاً، لكنه يتطلب «الابتداء منذ البداية». أي ما يعني تجاوز البديلين المطروحين بين النموذجين الغربي والآسيوي. وفي ما هو أبعد من «التجاوز» هناك نوع من مطالبة ما يسمّى معسكر اليسار بضرورة «التجدد» والبداية من جديد.
إن المؤلف يستخدم الكثير من المرجعيات التاريخية التي تؤكّد أن الانطلاق من جديد ممكن. وهكذا يعود إلى تجارب مثل جمهورية فايمار والثورة الهاييتية التي قام بها العبيد وقهروا جيش نابليون بونابرت وثورة الزنج والثورة الثقافية في الصين.
هذا مقابل حديثه عن أنواع من الرأسمالية المعاصرة اليوم ك«رأسمالية بوتين ـ فلاديمير بوتين ـ الصارمة» و«رأسمالية برلسكوني المضحكة» و«الرأسمالية الاستبدادية الآسيوية» عموماً، كنوع من التعبير عن الاستبداد الشرقي. بكل الحالات هو يشجب «اللاعقلانية الصارخة للرأسمالية».
في المحصلة الصورة التي يرسمها المؤلف لعالم اليوم تُبدي رأسمالية لبرالية محتضرة ويسار فاشل و«غير مقنع». وإذا استطاع أن يكون مقنعاً فإنه «يخسر باستمرار». ويسأل المؤلف في المحصلة: «هل قدر اليسار أن يلعب لفترة طويلة أيضاً دور أولئك الذين يقنعون الآخرين، لكنهم يتابعون الخسارة؟».
الكتاب: بعد المأساة يأتي الهزل
تأليف: سلافوج زيزيك
الناشر: فيرسو بوك نيويورك 2009
الصفحات: 168 صفحة
القطع : المتوسط
First as tragedy then as farce
Slavoj Zizek
Verso Books- New York 2009
168p.

