يتردد كثيرا على مسامعنا تعبير «أصحاب الأقدام السوداء»، ولكن ماذا نعرف عن هؤلاء؟ يسأل المؤرخ جان جاك جوردي مؤلف كتاب «أصحاب الأقدام السوداء».
إن هذه التسمية تختلط فيها الحكايات والأساطير والواقع. ويحدد قاموس «لاروس» تعريفها بالجملة التالية: «إنها تعني الفرنسيين من أصل أوروبي والذين كانوا قد أقاموا في شمال إفريقيا حتى فترة الاستقلال». لكن مثل هذا التعريف لا يأخذ باعتباره، كما يقول المؤلف، بعض المعطيات التاريخية مثل كون أن وجود من يطلقون عليهم أصحاب الأقدام السوداء قد سبق الاستعمار الفرنسي نفسه للجزائر، وحيث كان الكثير من اليهود قد خرجوا من اسبانيا عام 1492 إلى بلدان شمال إفريقيا الإسلامية عند سقوط غرناطة وخروج آخر جندي عربي- مسلم من اسبانيا.
الغالبية الساحقة من أصحاب الأقدام السوداء «هم من الأوروبيين» لكن يضاف إليهم فئة «الحركيين»، أي أولئك الذين كانوا قد انخرطوا في صفوف الجيش الفرنسي وتعاونوا معه ضد الثوار الجزائريين منذ بداية ثورتهم في الأول من نوفمبر من عام 1954. وبعد استقلال الجزائر تعمم استخدام التعبير على المستوطنين العائدين من الجزائر وكان ذا دلالة «سلبية» إلى حد ما.
وما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو أن مجرد ذكر توصيف «أصحاب الأقدام السوداء» يستدعي إلى الذهن مجموعة من المقولات حول هذه الفئة من البشر، وأنهم «يتحدثون بصوت عالٍ» وأنهم «عنصريون» و»استعماريون».
ثم أنهم في أغلبيتهم الساحقة من الذين يقترعون في مختلف الانتخابات الفرنسية لحزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف. لكن المؤلف يرى أن مثل هذه «الكليشيهات» تخفي حقيقة الآلام التي عاشوها كبشر وجدوا أنفسهم في لحظة ما مجبرين على مغادرة الأمكنة التي شهدت طفولتهم والتصقت فيها ذكرياتهم إلى حد كبير. هذا بعيدا عن الأحكام السياسية أو الدفاع عن الحقبة الاستعمارية.
ويركز المؤلف على القول إن تعبير «أصحاب الأقدام السوداء» يستدعي بصورة مباشرة إلى ذهن سامعه مجموعة من الأحكام المسبقة لدى الفرنسيين عامة. ذلك أنه يتم اعتبارهم عامة مواطنين كغيرهم. ولكن يترافق هذا الاعتبار بنظرة «مبهمة» على أنهم أجانب أيضا. وهذا ما يشرحه المؤلف بإسهاب في الفصل الأول من الكتاب الذي يحمل عنوان: «من مكانة فرنسيين جزائريين إلى مكانة أصحاب الأقدام السوداء».
ومن أهم الصفات التي ترافق تعبير «أصحاب الأقدام السوداء» يتردد في تحليلات المؤلف النظرة إليهم أنهم كانوا جميعهم من بين المستوطنين الفرنسيين الأغنياء في الجزائر، وأنهم عنصريون «سرقوا أراضي العرب». وأنهم كانوا جميعهم أيضا من «أنصار بقاء الجزائر جزءاً لا يتجزأ من فرنسا» وأن فرنسا «تركت أصحاب الأقدام لمصيرهم عندما عادوا إلى فرنسا» عند استقلال الجزائر عام 1962. لكن مع هذا كلهم استطاعوا النجاح بفضل ما يتمتعون به من «دينامية كبيرة».
إن مؤلف هذا الكتاب يحاول أن يعطي صورة أخرى غير الشائعة ل«أصحاب الأقدام السوداء» في منظور البحث، كما يؤكّد عن وضع الأمور في نصابها وعدم القبول بالأحكام المسبقة على أنها حقائق لا يمكن نقاشها.
وهو يؤكد، بالاعتماد على تقارير إدارية وأراشيف لم يتم البحث فيها سابقا أن «أصحاب الأقدام السوداء» لم يكونوا جميعهم من الأغنياء، وأنهم لا يقترعون ك«صوت واحد» لليمين المتطرف. ويعتبر مثل هذه المقولة كفكرة سائدة ولكنها ليست واقعية. ذلك أنه «حتى لو كان جميع أصحاب الأقدام السوداء قد اقترعوا وحدهم لجان ماري لوبن زعيم اليمين المتطرف الفرنسي فما كان له أن يحصل على أكثر من 2 بالمائة من مجموع أصوات الناخبين، بينما حصل لوبن على أكثر من 5 بالمائة في بعض العمليات الانتخابية.
ويشير المؤلف إلى أن بعض المقولات التي تتردد حول أصحاب الأقدام السوداء ليست خاطئة تماما من حيث الوقائع التي تدلّ عليها، ولكن جرى إخراجها من سياقها. هكذا مثلاً عندما يقال إن المعنيين قد «سرقوا أراضي العرب»، فإن الأمر ليس خطأ إذا أخذنا بعين الاعتبار عملية نزع الملكية القسري لأراضي أبناء البلاد الأصليين عند بداية الحقبة الاستعمارية.
هكذا كانت الدولة الفرنسية تمتلك عند اندلاع الثورة الجزائرية عام 1954 حوالي 10 ملايين هكتار من أراضي البلاد، وكان المستوطنون الأوروبيون يمتلكون من 8,2 مليون هكتار، بينما كان الجزائريون يمتلكون حوالي 10 ملايين هكتار أيضا. لكن المؤلف يفتح قوسين هنا كي يشير إلى أن الدولة الفرنسية والمستوطنين كانوا يمتلكون أفضل الأراضي وأكثرها خصوبة والأكثر سهولة من حيث الوصول إليها.
ومع تأكيد المؤلف أن «أصحاب الأقدام السوداء لم يكونوا من الفاشيين، فإنه يؤكد بالوقت نفسه أن العديد من ممثلي المستوطنين الأوروبيين في الجزائر، بل والأكثر بروزا منهم، كانوا لا يخفون تعاطفهم مع الأنظمة الاستبدادية، وكانوا يحلمون بنظام تمييز عنصري مثل ذلك الذي كان سائدا في جنوب إفريقيا سابقا.
وتتم الإشارة أيضا إلى أن الأحداث دفعت نسبة كبيرة من المستوطنين، الذين كانوا يقترعون عادة لليسار ل«الحزب الراديكالي خاصة» للتحول إلى الاقتراع لصالح المتشددين الذين كانوا «فاشيين حقيقيين».
وفي الصفحات الأخيرة من الكتاب يشرح المؤلف ظروف عودة «أصحاب الأقدام السوداء» إلى فرنسا التي لم تكن «جاهزة تماما» لذلك. ومن هنا جاء بعض الإحساس بـ «التخلّي» عنهم، وحيث جرى استقبالهم من قبل الفرنسيين العاديين كـ «أغنياء كبار»، بينما لم تكن حقيقتهم كذلك.
تجدر الإشارة إلى أن هذا الكتاب منشور في إطار سلسلة تحمل عنوان «أحكام مسبقة».
الكتاب: أصحاب الأقدام السوداء
تأليف: جان جاك جوردي
الناشر: لوكافالييه بلو
باريس 2009
الصفحات: 181 صفحة
القطع : المتوسط
Les pieds noirs
Jean-Jaques Jordi
Le Cavalier Bleu - Paris 2009
181p.

