يرصد كتاب «ترام القاهرة.. دراسة تاريخية اجتماعية أدبية»، لمؤلفه محمد سيد كيلاني، والصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة ـ مصر 2010م، رحلة دخول الترام إلى مصر منذ العام 1869م، وحتى بدء اندثار الاهتمام بهذا النوع من وسائل الموصلات، والتي ما زال يوجد القليل منها، مثل ترام الرمل بالإسكندرية، وآخر في مصر الجديدة، وغيرها الكثير، الموجود في بعض أماكن متناثرة في مصر.
ويصف كيلاني في كتابه، حال القاهرة قبل أن يشق الترام شوارعها، مشيرا إلى أنه كانت معظم الشوارع على الفطرة، حيث لم تمتد إليها يد الإصلاح، ويسودها الظلام ليلا، ما عدا الرئيسية منها، إذ تضاء بغاز الاستصباح، ولذلك لم يكن انتقال الإنسان بالأمر السهل، بل عمل شاق.
وهكذا فقد عاش سكان كل حي في عزلة عن بقية الأحياء الأخرى. ويلفت المؤلف إلى أن عدد سكان العاصمة آنذاك، بلغ حوالي 375 ألفا، وسيطرت على طبيعة الحياة لدى الناس مجموعة مشاكل وأوجه معاناة متنوعة، طالت المياه وشتى الخدمات، وفرضت الضرائب العالية، وبرز بشكل خاص مشكلة الصرف الصحي.
ويطلعنا كيلاني على واقع المواصلات في هذا الخضم، موضحا انه كان الانتقال يتم نهارا لأن العربات كانت خالية من المصابيح، وانقطع التواصل بين الحارات، واثر هذا على التجار وتلاميذ المدارس، فمن لم يجد مدرسة في حيه انصرف في الغالب عن الدراسة، وظلت الامور على هذا المنوال إلى أن ظهر الترام، فأحدث بظهوره ثورة هائلة في حياة المجتمع القاهري.
وعندما أجرت الشركة التي مدت خطوطه في العاصمة حفلة تجريبية لتسيير أول قطار كهربائي، جرى احتفال رسمي أشارت إليه صحيفة المقطم قائلة: «شهد أهل العاصمة أمس مشهدا قل ما شهد مثله أهالي الشرق، ولم يخطر على لب بشر منذ مائة عام، وهو أن تجري مركبة كبيرة تقل المئات من الناس لا بقوة الخيل، ولا بقوة البخار، بل بالقوة الطبيعية التي تسبب البروق والرعود..».
ويذكر المؤلف أنه عندما أنشئ الترام، حدثت ثورة هائلة في جميع نواحي الحياة القاهرية، وتغيرت نظرة الناس إلى المنازل، فبعد أن كانوا يألفون سكن الأزقة والحواري، تعلقوا بالسكن في شوارع واسعة، وفضلوا الإقامة بالقرب من الميادين، فترتب على هذا التطور، شروع شركة بلجيكية عام 1905 في إنشاء حي جديد بواحات عين شمس، أو هليوبوليس، وأطلق الناس على هذا الحي اسم مصر الجديدة، لأن الاسم السابق ثقيل على الألسنة.
وأما على صعيد أوجه التغير الاجتماعي جراء انطلاق الترام في شوارع القاهرة، فيشرح كيلاني أن المرأة استطاعت ركوب الترام وحدها، في غياب زوجها، إلى حيث تريد، ولكن هذا ترافق مع بروز ظاهرة سيئة تمثلت في تعمد بعض الرجال مواصلة ركوب القطار ذهابا وجيئة، غاية التهكم وإبداء سفالتهم لكل امرأة يجدونها لوحدها، وإزاء هذا الواقع انتشرت موجة من الفساد، فأخذ خطباء المساجد يحذرون الناس وينذرونهم باقتراب موعد القيامة، وجراء هذا عكف كثيرون على الشهوات ليمتعوا أنفسهم قبل أن يدركهم الموت.
ويطلعنا المؤلف على أن الشركة اتفقت مع الحكومة المصرية على لائحة خاصة بتنظيم تسيير الترام، وأهم بنودها هو أن أي شخص غوغاء، أو سكران أو مصاب بعاهة تشمئز منها النفس، يمنع من ركوب الترام، كما لا يسمح بتسلق الأعمدة الكهربائية أو تعليق أغراض عليها أو السير أمام القطارات وخلفها، ويؤكد كيلاني انه.
وعلى الرغم من ظهور السيارات الخاصة في ما بعد، ظل الترام سيد الموقف كوسيلة للانتقال، فهي شعبية ورخيصة، وتدوم من السادسة صباحا إلى ما بعد منتصف الليل بساعة ونصف الساعة، وبخاصة خلال الحرب العالمية الثانية 1939-1945 ، حين كادت السيارات أن تختفي من شوارع العاصمة المصرية.
وينتقل المؤلف ليطلعنا على انعكاسات ونتائج ما أضفاه الترام من بنى تفكير وعمل ورؤى جديدة، إذ بدأ الرأي العام يتكون ويصبح خطرا على الجهات الحاكمة، وكثرت الجمعيات الخيرية، التي اجتهدت في فتح المدارس، وتعددت الأندية الثقافية والصحف والمجلات، وشرعت الحركة الفكرية تنمو نموا مطردا، كما وجد معه الأدباء أشياء غريبة في المجتمع لم تكن معروفة من قبل، فتناولوها شعرا ونثرا، وبمرور الزمن أصبح الكثير منها أمرا مألوفا، لا يستوقف النظر، فانصرف الأدباء عنه إلى أشياء أخرى ولدتها ظروف الحرب، واختفت الصحف والمجلات، التي كانت تملأ أعمدتها بالأدب الترامي، وما بقي منها قل حجة وضاقت مساحته، ثم كانت ثورة 1919 وما بعدها .
ويؤكد كيلاني أن الترام لعب دورا مهما في الحركة العمالية، واتسعت دائرة الحركة الوطنية، وانتشرت المسارح، وقويت النهضة فنية، إلى جانب قوة ظهور وتنوع الأندية الرياضية، وتشكل فرق وطنية وأجنبية.
كما شاعت المٍلح والنكات الترامية على ألسنة الناس في تلك البيئة الترامية، ونما الأدب الشعبي من خلال ما نشرته الصحف من قصص وأشعار وأزجال وحكايات، لم تكن موجودة في المجتمع المصري قبل زمن الترام. ويسلط المؤلف الضوء على حيثية أخرى في سياق تأثيرات ومنعكسات الترام، فيعرفنا على أن شبان العصر الترامي بالغوا في التأنق والزينة ليسهل عليهم جذب انتباه النسوة في الطريق العام، وتميز سلوكهم بطابع اللهو والعبث.
ويبين كيلاني أنه ترسخت مع واقع ما عمقه الترام من تغييرات، النقائض السياسية وانقسم الناس إلى فريقين، أحدهما يؤيد السلطان عبد الحميد، ويمدح الأخر كرومر بصفته نائباً لملك الإنجليز، إضافة إلى بروز فريق ثالث سعى لمدح الخديوي ذاته، وترافق ذلك مع ازدياد أعداد المستغلين للفلاح المصري، وخاصة من بعض اليونانيين.
ويتوسع كيلاني، ضمن باب موسع في كتابه، في الحديث عن الأدب الإرشادي، مبينا أن فريقاً من المهمومين بقضايا الوطن وقفوا وقفة رجل واحد، وفي صلابة، ضد كل من نهب ثروات الوطن، فدبجوا المقالات وحثوا الناس على المضي قدماً في سبيل الإصلاح وبث روح الصمود وعدم اليأس في نفوسهم.
الكتاب: ترام القاهرة.. دراسة تاريخية اجتماعية أدبية
تأليف: محمد سيد كيلاني
الناشر: الهيئة العامة لقصور الثقافة القاهرة 2010
الصفحات: 144 صفحة
القطع: المتوسط
محمد سيد بركة
