ترفد هذه الدراسة المعمقة، المكتبة العربية بجانب بحثي موضوعي ضروري وملح في سياق الاحتياجات للمؤلفات الفكرية المنصبة على التطرق إلى القضايا المجتمعية العصرية وتفرعاتها في العالم العربي:

(موضوع الثقافة والشخصية)، إذ يتناول هذه القضية الحيوية التي تمس حقائق وركائز تميز ورفعة المجتمعات، بشكل موسع، يوضح معه ماهية تأثيرها ودورها، كأحد مجالات العلوم الاجتماعية، في تقدم المجتمع والتغلب على المشكلات، كون هذا العلم يعد جوهرا وعمادا لدراسة العلاقة التفاعلية المتبادلة بين الثقافة والشخصية.

هناك تفاعل دائري ومتبادل بين مجريات العالم الخارجي والشخصية الواعية به وبثقافتها.

يتناول كتاب (الثقافة والشخصية.. حوار لا ينتهي)، لمؤلفه د.سامية حسن الساعاتي، والصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب 2009م، موضوعة علم الثقافة والشخصية، حيث تبين الباحثة الساعاتي في مضامين مناقشتها ومعالجاتها في فصوله، طبيعة مكونات هذه القضية والعوامل المؤثرة، إلى جانب عدة محاور أخرى متشعبة ومرتبطة بها، وتختار في بداية تناولها للموضوع، تسليط الضوء على الخلفية العلمية التاريخية لهذه القضية.

فتوضح انه لعل أول من درس فيها هو عالم الإنسانيات الأنثروبولوجي الأميركي سابير، وذلك في الثلاثينات من القرن الماضي، إذ أوضح للدارسين في هذا العلم ماهية التفاعل الخصيب بين العلوم الإنسانية المختلفة، وهو ما يلزم الباحث فيه بضرورة تحديد الجانب الذي سيتناوله بدقة، حيث هناك المعالجة الثقافية، والنفسية، والاجتماعية، والاجتماعية الثقافية.

وتعتني المؤلفة في تحولها إلى جوهر قضية كتابها، بشرح حيثية مهمة تتجسد في أن منهج علم الاجتماع الثقافي يرى أن كل فعل اجتماعي (في ثقافة ما)، تقرره الظروف الموضوعية للموقف، وأيضا أفكار الفرد عن هذا الموقف وعن نفسه، وهو بالتالي ما يلزم ويملي ضرورة دراسة أفكار الفرد عن نفسه وعن الموقف كمحطة أولى.

ومن ثم تنتقل ساعاتي لإدراج تعريف خاص لهذا الموضوع، فترى انه ذلك العلم الذي يدرس العلاقة الجدلية والتأثير والتأثر المتبادلين بين كل من الثقافة والشخصية في كل متكامل، وتستطرد في سوق جملة إيضاحات وشروحات، تطلعنا معها على انه لعل المقولة الأساسية هنا، هي أننا نتكيف مع العالم، وبالتالي يتكيف هو معنا، فيصنعنا ونصنعه..، أي أن هناك تفاعلا دائريا ومتبادلا بين مجريات العالم الخارجي، والشخصية الواعية به وبثقافتها، وفي خضم هذا تتصارع الشخصية مع الحدث، فتتفاعل وتتثاقف، ثم تتكيف للقدر المنتج والجديد، الذي يؤثر بدوره عليها، وهكذا تتوالى الدوائر.

وتلفت الساعاتي إلى أن الاعتقاد بان الإنسان يكتسب ثقافته عن طريق التعليم، في مرحلة التنشئة الاجتماعية، يعد من الأخطاء الشائعة، لأن التنشئة الاجتماعية تتم للطفل نتيجة علاقته الحميمية مع البالغين.

ولكن الفرد ينتقل من مستوى الاعتماد على الكبار إلى مستوى الحركة المستقلة حتى يكتمل «بناء الشخصية»، من خلال جملة التجارب والثقافات الحياتية والمعرفية المكتسبة، وبذا تصبح الثقافة المكتسبة جزءا لا يتجزأ من شخصية الفرد، إضافة إلى جزء التلقين المباشر أو التعليم.

وتشير المؤلفة إلى أن هذه الوقائع والحقائق راسخة في مجمل ثقافات الفرد، حتى في ثقافة العقيدة، والتي تعد مكتسبة وتعليمية في البداية، وتغدو مكونا من الشخصية عندما يمارسها الفرد، فتقوم بدور محدد لسد حاجيات الفرد وأهدافه الشخصية، في أثناء تفاعل الشخصية مع المجتمع، وهو ما يعني أن الثقافة بالعموم ليست منفصلة عن الأفراد ولا عن التنظيم الاجتماعي الذي يعيش فيه الفرد، وهكذا، ومع تفاعل وتزاوج شتى هذه المعطيات والعوامل تصبح الثقافة تعبيرا عن المشترك بين أفراد الجماعة الاجتماعية، وصورة توافقهم النفسي الاجتماعي، وتتوضع بمثابة ضرورة حتمية لتنشئة الأجيال المتعاقبة في هذا المجتمع.

وتنبه الساعاتي إلى أن العالم فروم أكد منذ العام 1949م على ضرورة وجود من يبني الشخصية بشكل مركزي، أو يتابع خلق الشخصية الاجتماعية أو الجماعية، وهي برأيها فكرة جوهرية تفيد في أن تؤدي الثقافة مسؤولياتها، وهو ما يعني الحاجة الملحة إلى تنشئة الأطفال في إطار ثقافي (متفق عليه)، لتكون الثقافة علامة أو دلالة على تحويل ما هو مركزي اجتماعيا، إلى نسق من السمات الشخصية في الأفراد والجماعة في آن واحد.

وتلفت المؤلفة إلى أن تلك التنشئة الاجتماعية (النموذجية) ليست سهلة أو هينة، فلها مشكلاتها المتمايزة بين مجتمع وآخر، إذ ترجع تلك المشاكل إلى معادلة مفادها محور سؤال عن متطلبات الثقافة من أفرد هذا المجتمع أو ذاك، لان كل مجتمع له مساره وتطوره التاريخي والاقتصادي والاجتماعي الذي يخصه وينفرد به دون غيره، وبذا فإن الدور الثقافي متنوع، ويبقى الثابت أن المجتمعات المتحركة والدينامية لديها مشاكل انفعالية أثناء الإشباع الثقافي، أكثر من تلك المجتمعات البسيطة نسبيا، أو غير الدينامية المتحركة.

وتخلص الساعاتي في مضمون أبحاثها إلى عدة نتائج وحقائق، تشدد فيها على أن الباحث في علم الثقافة والشخصية، يراهن على قدرة الفرد على التكيف مع الجديد من المطروح الثقافي، ثم الابتكار لظواهر ثقافية جديدة، وهو ما يفسر نشأة ثقافات معينة تزدهر ثم تختفي، وكذا نِشأة ثقافات أخرى تزدهر لكنها تبقى، أي أن هذا التفاعل بالقبول أو الرفض، هو القادر على خلق المجتمع المتحرك أو الديناميكي، وهو ما يفسر ظاهرة التغير الثقافي والتوافق الشخصي.

وبخصوص النتائج الأخرى، فهي تبين أن علم الثقافة والشخصية، كأي علم، له موضوعه الذي ينفرد به ومنهجه الذي يعتمد عليه «المنهج الوصفي التحليلي والمقارن».

وفي شان طرق البحث في صلب هذا الموضوع، توضح المؤلفة أنها تتمثل في الملاحظة التي تعتمد على مشاركة الباحث لواقع الحال وأفراد البحث، وطريقة ترتكز على دراسة سيرة حياة الأفراد، بتنوعاتهم الثقافية ومكانتهم الاجتماعية، وأيضا تحليل المضمون وتحليل الأحلام أو الرؤى لما لها من دلالات نفسية والتأثيرات الاجتماعية المؤثرة على الحالم، وكذلك المسح الثقافي.

وعن الوسائل المعضدة لهذه الطرق السالف ذكرها، تشرح الساعاتي أنها تتلخص بشكل بارز في استخدام الاختبارات النفسية المتنوعة للأفراد، وتسجيل الأحلام وتحليلها بواسطة المتخصصين.

وتختم المؤلفة دراستها مشيرة إلى أن علم الثقافة والشخصية، قاعدته الرئيسية مكونة من الأبحاث الكيفية لا الكمية، أي التي تعتمد على الإحصاء، لأن الفرد فيها هو البداية والنهاية في جوهر البحث.

الكتاب: الثقافة والشخصيةحوار لا ينتهي

تأليف: د.سامية حسن الساعاتي

الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة 2009

الصفحات: 215 صفحة

القطع: الكبير

السيد نجم