يناقش كتاب «شعراء أندلسيون منسيون»، لمؤلفه د. فوزي عيسى، والصادر عن مركز البابطين لتحقيق المخطوطات الشعرية، جوانب مهمة من التاريخ الفكري والثقافي والشعري الأندلسي، لازالت مجهولة لدى الكثير من المثقفين.
حيث ينقب عيسى بمهارة عن المفقود والضائع من التراث الشعري الأندلسي، فيعرض لنشأة ودراسة ومعلمي كل شاعر على حدة، وأيضاً أبرز المواقف التي تعرض لها، إلى جانب خصائص شعره وفنيته وسمات قصائده، ويذخر هذا بتخصيص جزء مستقل لمجموع شعر كل من هؤلاء، وهو بذلك يقدم مجموعة من الكتب في كتاب واحد، يغني القارئ ويثريه بحصيلة معرفية هائلة حول هؤلاء الشعراء.
ويؤكد عيسى أن المتخصصين في حقل الأدب الأندلسي يضطلعون بمسؤولية كبيرة في حفظ تراث الأدب الأندلسي كاملا، والتنقيب عن المفقود والضائع منه، خصوصا وأنه هناك شعراء أندلسيون ذاع صيتهم في زمانهم وكانوا ملء السمع والبصر، لكن إبداعهم الشعري لم يسلم من عوادي الزمن، ففقدت دواوينهم، وضاعت أشعارهم، ولم يبق منها إلا النزر اليسير.
ويبدأ المؤلف عرضه ومناقشته مع الشاعر يحيى بن هذيل، فيعرفنا على أنه: أبو بكر يحيى بن هذيل بن عبدالملك بن هذيل بن الحكم التميمي القرطبي، ولد في قرطبة سنة 305 ه، وتثقف ثقافة لغوية أدبية، فأخذ العلم عن قاسم بن أصبغ وأحمد بن خالد وابن أيمن، وتفرغ للشعر وأخلص له، حتى بلغ مكانة عالية فيه، وصار من أبرز شعراء القرن الرابع في الأندلس.
وكان له ديوان أجاز روايته لابن الفرضي، لكنه ضاع في ما ضاع من التراث الشعري الأندلسي، ولم يبق له إلا بعض كتابات مبثوثة في كتب الأدب والتراجم. ويشير عسى هنا إلى انه جمع لهذا الكاتب أكثر من خمسمئة بيت.
ثم ينتقل عيسى إلى الحديث عن الشاعر عبادة بن ماء السماء، فيوضح أنه: أبو بكر عبادة بن عبد الله بن محمد بن عبادة الأنصاري الخزرجى، وهو من ذرية الصحابي الجليل سعد بن عبادة الأنصاري، وهو شاعر وشاح، وصف بأنه من فحول شعراء الأندلس، وميزة شعره أنه يعكس رؤيته للواقع الاجتماعي ونظرته إلى الناس، وهى في مجملها تسم الناس بالفساد الأخلاقي.
وفي تناوله للشاعر ابن الآبار الخولاني الأشبيلي، يشرح عيسى تفاصيل حياته بمختلف أوجهها، منبهاً إلى أنه: أبوجعفر أحمد بن محمد الخولاني الأندلسي الأشبيلي، المعروف بابن الآبار، ولد بأشبيلية وعاش وتوفي فيها سنة 433ه. ولم يصل من شعره إلا القليل، وعرف بشاعريته وتفننه في صناعة النظم، وأغلبه في المدح ووصف الطبيعة، واشتهر بالروضيات والزهريات.
ويتطرق عيسى إلى رابع الشعراء المنسيين، وهو الوزير أبو عامر بن مسلمة، أبو عامر محمد بن عبد الله بن محمد بن مسلمة القرطبي، وهو من كان أبوه وزيرا شاعرا، وعد شخصيا من أعلام عصره، فلم يقتصر على الشعر، إذ برز في الأدب وبرع في النظم والنثر. وعن حياته، يحكي المؤلف أنه هاجر من قرطبة إلى أشبيلية واتصل بالمعتضد بن عباد وألف له كتابا (حديقة الارتياح في صفة حقيقة الراح)، ذكر فيه ما قيل في الراح وفى الرياض والبساتين.
وفي خصوص الشاعر السميسر الإلبيرى، يوضح عيسى أنه: أبو القاسم خلف بن فرج الإلبيرى، المعروف بالسُّميسر، وكان من شعراء إلبيرة في عصر ملوك الطوائف، وهو شاعر من طراز فريد، إذ كان أحد الأصوات النضالية المدافعة عن الأندلس، وتصدى بشعره للملوك المتخاذلين، وبرع في النقد السياسي.
وفي شأن سادس الشعراء، ابن هانئ الأصغر، أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن مفضل الأزدي الأندلسي، يشدد عيسى على أنه شاعر مجيد سقط من ذاكرة الشعر الأندلسي لأنه هاجر إلى مصر صغيرا، وهو من نسل ابن هانئ الشاعر المشهور.
وينتقل المؤلف ليعرفنا في سياق موضوع كتابه، بالشاعر أبو جعفر بن سعيد، أبو جعفر بن عبد الله بن سعيد العنسي، مبينا انه أشعر أسرة بني سعيد، وأن شعره كان مدوناً، لكن ديوانه مفقود، ولعل أجمل ما في سيرة ابن سعيد، قصة الحب التي جمعته بحفصة بنت الحاج الركوني.
ويفرد الباحث في كتابه، فصلا موسعا للحديث عن الشاعرات الأندلسيات المنسيات، مستهلا ذلك مع ولادة بنت المستكفى، الأميرة الأندلسية ذائعة الصيت، وهي ولادة بنت المستكفى بالله محمد بن عبدالرحمن بن عبيدالله بن الناصر عبدالرحمن بن محمد، حيث عاشت شطرا من حياتها في عصر الخلافة، وأدركت عصر الطوائف، وامتد بها العمر حتى أربت على الثمانين.
واشتهرت بقصة حب صاخبة مع ابن زيدون، انتهت بالهجر والقطيعة والخصام بينهما. وأما نزهون الغرناطية، فيشرح عيسى، أنها: نزهون بنت القلاعي أو القليعي، وتعرف كذلك بالقليعية، وهي شاعرة غرناطة في القرن السادس الهجري، وكان والدها محمد بن أحمد بن خلف القليعي الغساني قاضياً، وتميز بأنه من أهل الفضل والحسب والدين، ولم تحتفظ المصادر بتاريخ ولادتها أو وفاتها، واللافت في حياتها أنها لم تسر على خطا أبيها، فانخرطت في حياة اللهو والمجون، وقال عنها ابن الخطيب: «كانت أديبة شاعرة، سريعة الجواب، صاحبة فكاهة ودعابة».
ثم يتطرق عيسى إلى الشاعرة المنسية الثالثة، حفصة بنت الحاج الرَّكُّونى، لافتا إلى أنها عاشت في القرن السادس الهجري في عصر الموحدين، واستقرت في غرناطة، فكانت من أديباتها البارزات، وأغلب الظن أن كثيرا من شعرها ضاع، فلم يصل منه سوى ثمانية وخمسين بيتا، وهو يتصف بالرقة والعذوبة وصدق العاطفة.
الكتاب: شعراء أندلسيون منسيون
تأليف: د. فوزي عيسى
الناشر: مركز البابطين لتحقيق المخطوطات الشعرية
الصفحات: 505 صفحات
القطع: الكبير
خالد عزب
