يعنى هذا الكتاب بالإضاءة المعمقة على جذور العقلانية عموما، والتكنولوجية منها، بشكل خاص، والتي ترجع، في نظر العديد من الفلاسفة، ومنهم ماركوز، إلى الفكر الفلسفي اليوناني، وخاصة عند أرسطو.

حيث مثلت لديه الخطوة الأولى، المفضية في ما بعد، وفي الأزمنة الحديثة في أوروبا، بشكل أكثر، إلى ظهور فكرة السيطرة على الطبيعة عند فرانسيس بيكون وغاليلو وديكارت، وذلك عندما تحولت المعرفة العلمية إلى أداة السيطرة على الطبيعة، لاسيما المعرفة الرياضية والفيزيائية منها.

وهكذا فإن مؤلف الكتاب، بومنير، يركز على توضيح ماهية التناقض في فكر ماركوز ومدرسة فرانكفورت، بشأن الآراء حول دور ووظيفة العقلانية، وما قدمته للإنسانية.

يناقش كتاب «جدل العقلانية»، لمؤلفه كمال بومنير، والصادر عن الدار العربية للعلوم والاختلاف ـ بيروت 2010، جملة من مواقف وآراء الفيلسوف هربرت ماركوز، حيال العقلانية، ويتناول ذلك من خلال التعرض إلى مواقف هذا الفيلسوف وآرائه تجاه العقلانية وأشكالها وتمظهراتها، وتجاه سواها من المسائل الفلسفية الأخرى.

ويحرص المؤلف، في هذا الصدد، على بحث مواقف وأقوال بعض فلاسفة المدرسة النقدية الألمانية، التي عرفت باسم مدرسة فرانكفورت، إزاء العديد من القضايا والإشكاليات الفلسفية الحديثة.

ويثير بومنير في مناقشته لهذا الموضوع، قضية محورية، تتمثل في تساؤله عن تردد ماركوز أمام مسألة العقلانية التكنولوجية، حيث يبدو أنه يعتبرها أداة تحكم وسيطرة على الإنسان، وأداة تحرر وانعتاق، في الوقت نفسه، وهذا الأمر ـ برأي المؤلف ـ يدعو إلى الاعتقاد بوجود تناقض في فكر ماركوز، ما يملي ضرورة التقصي بعمق عن حقيقة إذا كان الفكر الماركوزي قد عرف مثل هذا التناقض.

ويلفت بومنير إلى أن ماركوز أشار إلى أن ثمة من يوظف العقلانية التكنولوجية، أي تلك التي تتحدد بالطابع العلمي والتقني، ليس للسيطرة على الطبيعة فقط، بل على الإنسان أيضاً، واتخذت هذه السيطرة في عالم اليوم صورة مغايرة عن ما كانت عليه في المجتمعات غير التكنولوجية، من حيث ارتباطها بآليات وأشكال جديدة من الضبط والمراقبة والسيطرة على الإنسان.

ولكن المؤلف يجد في بعض النصوص الفلسفية لماركوز موقفاً أخر تجاه العقلانية التكنولوجية، يجزم فيها أن هذه الأخيرة هي أداة تحرر الإنسان وانعتاقه من السيطرة، وأن قوام هذا التحرر والانعتاق هو استخدام متزايد، على الدوام، للمعرفة العلمية والتكنولوجية في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والحضارية عامة.

ولا يجد بومنير في مختلف مساقات أبحاثه في الكتاب، أي تناقض داخلي في فكر ماركوز، على خلفية موقفه من مسألة العقلانية التكنولوجية، وذلك على الرغم من بعض الغموض في موقفه من هذه العقلانية، وخاصة في علاقتها بالسيطرة على الإنسان المعاصر داخل المجتمعات المتقدمة صناعياً.

ويطالب المؤلف بضرورة أن نلتزم بنقطة جوهرية في هذا المجال، ومفادها أنه لا ينبغي أن يدفعنا ذلك التبين والتثبت، السالف ذكره، إلى استنتاج وجود تناقض في موقف هذا الفيلسوف.

ويبرر المؤلف دعوته هذه بالتأكيد على أن قوام التحرر الإنساني الاستخدام المتزايد والدائم للمعرفة العلمية والتكنولوجية في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والحضارية عامة، والسبب هو أن الارتباط الذي قام بين العقلانية التكنولوجية والسيطرة هو في حقيقة الأمر نتيجة التوجيه السياسي الذي كرس هذه السيطرة.

ويتناول المؤلف مسألة العقلانية وأشكالها لدى مدرسة فرانكفورت، مركزاً اهتمامه على دراسة مفهوم العقلانية عند رواد مدرسة فرانكفورت، وتحديدا ماكس هوركايمر وتيودور أدورنو، بوصفها يمثلان مع ماركوز الرعيل الأول للنظرية النقدية.

حيث كان، من بين أول مهامهم الفلسفية، نقد العقلانية الأداتية، التي أصبحت توظف في المجتمعات المتقدمة صناعياً، بغية السيطرة على الإنسان، بشكل يخدم القوى والمؤسسات السياسية والاقتصادية القائمة، والتي تمثل عائقاً حقيقياً لحرية الإنسان، وذلك على الرغم من أن العقلانية التي بشر بها فلاسفة عصر الأنوار، ودعوا إليها، إذ هدفت إلى عقلنة العالم، وتحرير الإنسان من مختلف أشكال الاستبعاد التي كان يخضع لها.

ويبين بومنير أنه اتجه إلى نقد العقلانية، والنقد الموجه إلى العقل لدى فلاسفة فرانكفورت، وعلى رأسهم أدورنو وهوركهايمر وماركوز وهابرماز، بغرض الاطلاع والبحث الواسعين والدقيقين لرؤاهم في نقد العقل الأداتي وتمظهراته المختلفة، حيث ـ يتبين له أنه انطلق أدورنو وهوركهايمر من نقد عقل الأنوار الذي قدم نفسه ممثلاً لسلطة العلم الطاردة للأوهام والأسطورة، وباعتبار العقل مفتاح الحقيقة، والعلم قائد أسطورة التقدم المطرد الذي لا يخطئ سبيله.

وقد تحول العقل إلى عقل أداتي، حين انتصرت ملكة الفهم على العقل، وتاه هذا العقل في الحساب، متخلياً عن وظيفته النقدية، وتطابق مع السلطة عندما طغى على فعاليات الحياة وأنماطها، وأخذ شكل الآلة أو الوسيلة القادرة على إضفاء الأهمية لكل فعل، وإليه يعود تقدير أهلية وجدوى كل نشاط، وإثبات المعقول واستبعاد اللامعقول.

وهنا أخذ مفهوم العقل شكله القطعي، عندما فقد أي إمكان للتواصل والرأي والتبادل، وصادر أي قيمة أخرى للعقل تبتعد عن النزعة العلمية، فتحول هذا العقل إلى ميثولوجيا، على حدّ تعبيرهما، بل وتواطأ مع الأسطورة، التي كانت بدورها، عقلاً في ما مضى من الزمن.

غير أنه، وفي خضم التطور التاريخي الذي عرفته المجتمعات الغربية، تبين أن التحرر الإنساني المنشود لم يتحقق بالفعل في الواقع الإنساني، بل على العكس من ذلك، أصبح الإنسان يعاني ويواجه سيطرة أشد لا مثيل لها عبر ما عرفته الإنسانية في تاريخها، ذلك أن العقلانية الأداتية، في ظل المجتمعات الغربية أفرزت أشكالاً وآليات جديدة للسيطرة.

الأمر الذي يتطلب دراسة وتحليل العقلانية التكنولوجية، التي اتخذت شكل بناء علمي وتقني لتنظيم الطبيعة، ومعرفة قوانينها، بقصد السيطرة عليها، والتي تم تسخيرها لما يخدم مصالح الإنسان ومنافعه، بينما وظفت المعرفة العلمية والتقنية الموجهة للتحكم بالطبيعة، للسيطرة على الإنسان، بمعنى أنه نقل السير من مجال الطبيعة إلى المجال الإنساني.

الكتاب: جدل العقلانية في النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت

تأليف : كمال بومنير

لناشر: الدار العربية للعلوم والاختلاف بيروت 2010

الصفحات: 256 صفحة

القطع: المتوسط

عمر كوش