يركز كتاب «تاريخ الوعي.. مقاربة فلسفية حول جدلية ارتقاء العقل بالواقع» على استعراض وبحث ماهية الكينونة الحقيقة للفلسفة ودورها ووظيفتها، حيث يرى الكاتب بخضرة أنه إذا كانت هي التي صنعت الكيان الحضاري والتفاعل في المجتمع الغربي، فإنها قادرة أيضاً على إخراجنا من الإشكاليات الكبرى التي وقعنا بها في العالم العربي.
ويتطرق المؤلف خلال تقصيه لمنحى الكشف عن طبيعة وعينا الفلسفي العربي الراهن، إلى كون إدراكنا لها يتصف بأنه وعي حسي عاطفي، ووجداني خيالي، يدير ظهره للمنطق والعقل، الأمر الذي يعني أن صلتنا بها مازالت ضعيفة وهامشية تحتاج إلى إعادة هيكلة من جديد. فهي تكاد تقتصر على النطاق الأكاديمي والتعليمي، ولا وجود لجهود فلسفية عربية إلا في حدود متابعة تطور الفكر الفلسفي العالمي. ويفسر المؤلف غياب التجذر الفلسفي في الساحة الثقافية العربية ب«غياب النشاط الفلسفي الحر»، سواء على صعيد ممارستنا الاجتماعية أو الثقافية.
وأما السبب الثاني فيعود، برأيه، إلى تناسي النخب الثقافية لأهمية القيام بدورها التنويري والتثقيفي، مختارة حبس نفسها في أبراجها العاجية، عبر اللجوء إلى احتكار الثقافة لذواتها، فالثقافة في مجتمعاتنا اليوم مرتبطة بالمثقف، تغيب بغيابه وتحضر بحضوره، لأنها ثقافة تعبر عن طموحاته لا عن طموحات المجتمع ككل.
ويوضح بخضرة أن الوعي الفلسفي لدينا، بدأ ينتشر حاليا، لكن بوتائر بطيئة جداً، ويتناول في هذا السياق محاولات فلسفية واعدة في المغرب، كمحاولات شايف عكاشة وعمر مهيبل، المميزة بأنها ما بعد حداثية، والتي يعتقد أنها ستنعكس على طريقة تأملنا لواقعنا وحياتنا، وتعطي ثراءً نوعياً للزمن الذي نعيشه.
وأول مثال يستعين به المؤلف لوظيفة الفلسفة، يتمثل في «انتشار العنف في العالم»، مبديا أنها مشكلة تتفاقم بشدة، ولا بد من تولي الفلسفة مسؤولية حلها، فبالرغم من وجود العنف منذ أن وجِدَ البشر، إلا أنه في كل عصر يعود لأسباب تختلف عن العصور الأخرى، وهو ما أدى إلى تعدد تفسيرات العنف. فقد برر أفلاطون عنف الدولة للحفاظ على سلامة المجتمع، إلا انه ظهر لدى العرب بقوة حين بدأ الصراع على الخلافة.
وفي مناقشته لعلاقة العنف بالطبيعة الإنسانية، يجد بخضرة عدة تفسيرات، فهناك تفسير هوبز الذي رأى أن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان، ومن ثم ربط فروم العنف بالحضارة المعاصرة، وكذلك فرويد الذي بين التصاق العنف بغريزة الموت.
كما دعا ماركس إلى العنف والثورة إذا كان ذلك يؤدي إلى حصول العمال على حقوقهم، ووصولهم إلى سدة الحكم. ويحاول المؤلف مواجهة موجة العنف في طرح ثقافة السلام، ولذلك هو يستعين بكانط، الذي يتنبأ بأن السلام مستحيل في العالم، وبنزعة التسامح عند لوك، وقبول الآخر عند فلاسفة عصر التنوير، فالسلام والرغبة في محبة الآخر والإحساس بوجوده، تعد أمورا تثقف روح الشعب، وتجعلها تبتعد عن العدوانية.
ويتأمل بخضرة في سيرورة ونقاط بحثه، بعض التجارب العالمية في هذا المجال، مبررا ذلك بأنه هناك إمكانية نظرية للاستفادة منها وتأويلها وتمثلها، ويلفت إلى أن ما يهمه من أي فلسفة، هو قدرتها على تحويل مشاكل العصر وهموم المجتمع إلى المجال المفكر فيه، بطريقة كلية، فالفلسفة تبحث عن ذاتها عبر عصرها، وهي أثناء البحث تفرز تيارات وأفكارا نافعة للبشرية، وتساعد على حل المشكلات الحضارية الكبرى.
ويحرص المؤلف في هذا الخصوص، على أن يتوقف مطولاً عند تجربة هيجل الفلسفية، ليجد أنها تجربة غنية، إذ اعتقد هيجل من خلالها أنه يحيا حقبة جديدة من التاريخ، وأن روح العالم سوف تتمكن في النهاية من إدراك ذاتها وبلوغ مرحلة المعرفة المطلقة، وهكذا فإن بخضرة يؤكد أن الإنسانية قادرة على تحمل مصيرها الخاص والنهوض بالأعباء التي راح هيجل يعبر بها عن روح هذا العصر، وبذا أصبح في وسع العقل المطلق أن يصل إلى درجة الوعي بذاته، لأن مهمة الفلسفة عنده تتمثل في حل متناقضات الحضارة، وتحقيق التوافق بين التحديدات الجامدة.
ويفرد بخضرة مساحة موسعة ومعمقة لدراسة موضوع الفلسفة ومهمتها إزاء العقبات والمشكلات المجتمعية، فيبرهن بأسلوب منطقي علمي على أن الأزمات لا تحل إلا عن طريقها، فهي التي تمتلك القدرة على التفكير الكلي بمشاكل المجتمع، وهذا هو دورها في المجتمعات الغربية عبر تاريخها، مشيرا إلى أن ذلك يعد حاجة ضرورية وملحة لدينا في المجتمعات العربية المعاصرة.
الكتاب: تاريخ الوعي.. مقاربات فلسفية حول جدلية ارتقاء الوعي بالواقع
تأليف: مونيس بخضرة
الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون منشورات الاختلاف ، الجزائر بيروت 2009
الصفحات: 299 صفحة
القطع: الكبير
رشيد الحاج صالح

