أجرت صحيفة «غارديان» اللندنية حواراً مطولاً مع الروائي الفرنسي جان ماري غوستاف لوكليزيو الفائز بجائزة نوبل للأدب عام 2008، بمناسبة صدور ترجمة جديدة لروايته الأولى «الاستجواب» إلى اللغة الإنجليزية.
حيث بادر إلى التأكيد على أن الجانب الأعظم من رواياته يستمد إلهامه من التناقض بين مثالية الحضارة الأوروبية وابتكارها أشياء جميلة وفي الوقت نفسه تصرف أبناؤها بصورة مروعة مشيراً بصفة خاصة إلى التضارب الوحشي بين مثالية الثقافة الأوروبية والاستعباد الذي فرضه الأوروبيون على أبناء مناطق شاسعة من العالم، وقال إن الحياة علمته فهم دراما الهرب للعثور على مأوى.
وفيما يلي نص الحوار:
يمتد اللقاء مع الروائي جان ماري غوستاف لوكليزيو في الحي اللاتيني في باريس، حيث يمتلك لوكليزيو وزوجته جيميا شقة فوق سطح إحدى البنايات غير بعيد عن مقار ناشري أعماله. وهو في السبعين من عمره الآن، ولا يسمح إلا بإجراء عدد محدود من المقالات معه. ويقول إنه: «يكره الأمور الدنيوية، فلن تجدني في المهرجانات الأدبية، ولا في الحفلات التي يستقل المرء الطائرات النفاثة ساعات طويلة للوصول إليها».
وهو يشير إلى أنه يقضي معظم وقته الآن في نيس، وعلى الساحل الغربي لبريتاني، ولكنه يشعر بأنه في داره حقاً في جزيرة موريشوس، التي استقر فيها أحد أسلافه بعد الثورة الفرنسية، وهو في طريقه إلى الهند. وقد أقام في المكسيك، ولكنه «عندما تتخذ الحياة منحى خطراً، وبصفة خاصة بالنسبة إلى الأطفال» عبر الحدود إلى الولايات المتحدة في 1998، وحتى وقت قريب كان يعمل بتدريس اللغة الفرنسية في إحدى جامعات البوكيرك.
تبدو لغته الإنجليزية متألقة، ويقول إنه يستمد السهولة التي يستقر بها من تراثه النابع من كونه من أبناء موريشوس، ويقول إن أهله: «اضطروا للرحيل بسبب عدم وجود عمل، وأنا أحس بأنني لست مقتصراً على فرنسا». وعندما تستقر في مكان جديد: «يتعين عليك التخلص من عادات قديمة، تغيير وجهات نظرك، التأقلم. ويمنحك ذلك نوعا من الشباب، وهو أمر جيد بالنسبة للكتابة».
ولد لوكليزيو في عام 1940، قبل شهرين من سقوط فرنسا في قبضة المانيا النازية. واعتقدت أمه، سيمون، أن النازيين سيغزون مقاطعة بروفانس التي يقيمون بها، فبادرت بالانتقال مع ولديها إلى بريتاني وهو يقول في هذا الصدد:
«ما إن وصلنا إلى هناك حتى وصل النازيون، وأعادونا إلى حيث كنا». وقد احتل الايطاليون الفاشيون جنوب فرنسا في 1942 وأعقبهم الألمان. ويتذكر لوكليزيو هذه المرحلة: «كنت شديد الجوع في نهاية الحرب، وأتوسل للأميركيين للحصول على الطعام، وكانوا يوزعون الخبز الأبيض والشيكولاته. وذلك محفور في ذاكرتي».
وتظل الحرب بمثابة شيء استحواذي بالنسبة له. وهو يقول عنها إنها: «البرد، الفقر، والشعور التشاؤمي بأن كل شيء سينتهي. وما يثير اهتمامي هو الطريقة التي يعيش بها الأطفال الصغار والناس الموغلين في العمر، مثل جدي، هذه اللحظات».
ويتابع: «بعد أن كنت أنا نفسي واحداً من هؤلاء الناس، فإنني أتفهم ما تعنيه دراما الهرب للعثور على مأوى».
وقد صور أجواء نيس خلال الحرب في روايته «النجمة الضائعة» الصادرة عام 1992، التي تلقى الضوء على حياة فتاتين، إحداهما فرنسية يهودية يمضي أهلها إلى فلسطين والأخرى فلسطينية في مخيم نور شمس.
ويقول في هذا الصدد: «لا يمكنك أن تروي جانبا واحداً فقط من القصة، وإنما يتعين عليك أن تروي كل شيء، عمليات القتل التي اقترفها الألمان في جنوب فرنسا والناس الذين يتعرضون للموت في المخيم الفلسطيني بفعل الحصار والجوع والمرض».
بسبب الحرب، لم يقابل لوكليزيو أباه إلا في الثامنة من عمره، فقد ولد الأب راوول في موريشيوس، وبالتالي كان بريطاني الجنسية، وعمل في نيجيريا لملاقاته عام 1948 بدأ كتابة الروايات، التي كان حتى وقت قريب يعتقد أنه فقدها للأبد، ويقول: «احتفظت أمي بهذه الرياضات في حقيبة، وبعد وفاتها قبل وقت ليس بالبعيد وجدت كل شيء».
وفي هذه المرحلة أتيح للروائي الفرنسي أن يشاهد أجواء العنف والدمار في نيجيريا التي ستصل في وقت لاحق إلى ذروتها في حرب بيامزا في الأعوام 1967 ـ 1970، وظل لوكليزيو يتابعها على الرغم من أنه عاد مع عائلته إلى نيس عام 1950.
لدى عودته إلى نيس في العاشرة من عمره، لم يكن يدري شيئا عن القواعد التي تفرضها المدرسة. ويقول: «لقد نشأت في فقاعة موريشيوسية في فرنسا.. كان لدي الشعور بعدم الانتماء، ولكنني كنت لا أزال أعيش في إطار الثقافة الفرنسية. وقد أضفى عليَّ ذلك ارتباكاً لم أستطع حل مشكلته حتى الآن».
ويقول إن والده كان يحب الأدب الانجليزي «وكان جدي يكره اللغة الانجليزية، وهو تقليد درج عليه كبار السن من أبناء موريشيوس الفرنسيين. ولم يكن بوسعي الانحياز إلى جانب دون الآخر». وكان أسلافه ينتمون إلى طبقة ملاك مزارع قصب السكر، ولكنهم فقدوا أملاكهم في نزاع عائلي وتفرقوا، فأصبحوا أطباء وقضاة.
وقد شكل انحدار لوكليزيو من أصلاب ملاك للعبيد نزعته للتشكك حيال التنوير. ويقول في هذا الصدد: «يمكننني أن أتفهم أفضل من معظم الكتاب التناقض بين الحضارة المثالية والأخلاق الدينية لأوروبا وما فعله الأوربيون بالعبيد، لأن جذر الشر لا يبعد عني إلا جيلين فحسب. وربما غذى هذا الجانب احتياجي إلى مكافحة تعديات الحضارة الحديثة، وربما شكل مصدر إلهام لرواياتي، فهو ماثل دائماً في ذهني».
وأفلت لوكليزيو من التجنيد الإجباري في صفوف القوات الفرنسية في الجزائر من خلال التحاقه بجامعة نيس، وطرد من تايلاند بعد إبرازه كتاب ماد الأحمر لطلاب جامعة بوذية وإدانته استغلال الأطفال التايلانديين في تجارة الجنس في مقابلة أجرتها إحدى الصحف الفرنسية معه.
وفي أوائل السبعينات أمضى ثلاث سنوات لها أهمية كبيرة مع الهنود الحمر من أبناء قبائل إمبيرا وونانا في غابات دارين جاب في بنما. ويقول في هذا الصدد.. كانت بنما استجوابا لنفسي، وكنت قريبا من لقاء الغرب مع الهنود في القرن السادس عشر.
فقد تمسك الناس بثقافتهم كدفاع في مواجهة العالم الحديث، واحتفظوا بحقيقتهم، وقد أردت فهم هؤلاء الناس اللطفاء المسالمين، وأنا لا أضفي طابعاً مثالياً عليهم، ولكن مجتمعهم أفضل توازناً بكثير من المجتمع الذي قدمت منه. وباعتباري أوروبياً فإنني لست واثقاً من قيمة ثقافتي، لأنني أعرف ما اقترفته».
وقد استغل لوكليزيو ما تعلمه عن لقاء أوروبا مع الهنود الحمر في أميركا للعودة لدراسة جذوره. وفي روايته الكبرى «الثورة» الصادرة عام 2003 تتابع حياة طالب في نيس ولندن والمكسيك في خمسينات القرن الماضي وستيناته المتداخلة مع حياة أحد أسلافه من أبناء بريتاني وامرأة خاضعة للعبودية في موريشيوس في القرن التاسع عشر.
ويقول الروائي الفرنسي «لكي أفهم السر الخفي للعالم الصناعي الحديث الذي أجد نفسي فيه، يتعين عليَّ أن أعود إلى عالم آخر. ذلك العالم هو في آن واحد عالم نيس في زمن الحرب والمزرعة، جزر زراعة قصب السكر التي شيد عليها رخاء أوروبا».
ويصف الرئيس الفرنسي نيكولاس ساركوزي الأديب الفائز بجائزة نوبل بأنه تجسيد «لنفوذ فرنسا في عالم معولم». وعلى الرغم من ذلك فإن لوكليزيو كان في عام 2007 من بين 44 مؤلفاً وقعوا على بيان نشر في صحيفة «لوموند» يدعو إلى أدب عالمي باللغة الفرنسية لا تشكل فيه فرنسا المركز.
وقد أهدى جائزة نوبل التي فاز بها إلى الكتاب في لغات عديدة. وعلى الرغم من أنه لا يعتقد أن كل الثقافات لها صوت متساو، إلا أنه يقول: «هذا أفضل مما كان عليه الوضع عندما كنت طفلا»».
وقد كتب يقول إنه يكتب: «لكي أحاول معرفة نفسي». وهو ينظر إلى نفسه باعتباره «نتاج الحضارة الغربية التي ابتكرت أشياء جميلة على نحو فذ، وفي الوقت نفسه تصرفت بشكل رهيب. ربما أعمتنى تلك الاهتمامات الاستحواذية».
وفي الوقت الحالي، يعكف لوكليزيو على تأليف رواية جديدة تدور حول عائلته. وهو يقول في هذا الصدد: «من ناحية، هناك مشترون للعبيد، ومن ناحية أخرى أناس طيبون ذوو ثقافة رفيعة». ويضيف باسماً «إنه تناقض لم أحله».
منى مدكور
