يعتبر فندق (ريتز) في باريس من أكثر الفنادق التي تردد إليها الكتّاب والأدباء والمفكرون العظماء وخلدوا أسماءهم بين أروقته وغرفه وردهاته وعلى جدرانه. ومن أشهر المترددين إليه ثلاثة كتّاب كبار طبعوا العصر بأعمالهم وهم:
مارسيل بروست وسكوت فيتجرالد وأرنست همنغواي، كان بالنسبة لهم بيتهم الثاني، يقصدوه كلما ضاقت بهم بيوتهم بل كانوا يقيمون فيه لانجاز كتاب معين، أو للتخطيط لكتابة رواية أو أي عمل أدبي آخر. وما أطلق شهرته في الآونة الأخيرة إقامة الأميرة ديانا ورحيلها المأساوي وتصوير فيلم (شيفرة دافنشي) في افتتاحيته كما في الرواية. يقع الفندق في منطقة راقية من باريس وبالقرب من متحف اللوفر. كل شيء في الفندق من الرخام اللامع من اللوبي، إلى الثريات الرائعة، والمزهريات المصممة من قبل ديجوردي فارادان وأرضيته المفروشة بالسجاد الشرقي. دُشن افتتاح فندق (ريتز) الشهير، الواقع في ساحة فاندونم في قلب باريس في يونيو من عام 1898 بحضور صاحبه السويسري سيزار ريتز.
وكل ما يوجد في هذا الفندق معمول لكي يجذب الزبائن الأرستقراطيين المشهورين بطقوسهم وطرق حياتهم الخاصة. ويتميز بأجواء الراحة التي يزخر بها وما كان يتمتع به من حداثة عصرية. وبعد مرور ما يقارب القرن على تأسيسه لم يشخ هذا الفندق ولم تتغير معالمه وقام المالكون اللاحقون بتجديده وترميمه ليحافظ على شبابه الأول.عندما تجتاز عتبة هذا الفندق يهب في وجهك مزيج من رائحة العنبر والبرتقال، ربما لأن الزوار يتذوقون الفنادق بعطورها وطرازها الجمالي والمعماري، أي أنه فندق مازج بين الشم والبصر. هكذا يجتذب فندق (ريتز) زواره. وفي المدخل، يواجهك صالون لويس الخامس عشر، باللهيب المصطنع في المواقد الكائنة تحت المرايا الكبيرة.
وكأنك تعود إلى العصور القديمة، حيث يتحسس الزائر بأن قدميه تطمسان في السجاجيد السميكة الوفيرة التي تغطي مساحة الفندق. وهذا ما يعطيه طابع القصور الخاصة التي درجت الارستقراطية الفرنسية على بنائها في جميع أنحاء فرنسا.
اعتاد كبار الشخصيات الالتقاء في هذا الفندق، وأبرزهم: المفكر بول موران، ونستون تشرشل، كوليت، جان كوكتو، وايلزا ماكسويل التي اشتهرت بغنائها مع كول بورتير أغنية (دعنا نقع في الحب). ومن شدة تعلق الكتاب بهذا الفندق قام كاتب أميركي كبير بتأليف كتاب بعنوان (لؤلؤة بحجم ريتز) في ثناء هذا الفندق الفخم وذوقه الرفيع في البناء والمعمار.
ولم يتحمل بعض هؤلاء المشاهير مقاومة جاذبية هذا الفندق بحيث سكنت فيه صاحبة الأزياء المشهورة كوكو شانيل في عام 1934، واستقرت في الطابق الثالث في (سويت) أو جناح مساحته 160 مترا مربعا، يحمل الرقم 301 ـ 304، وقالت عنه بأن الإنسان يشعر بأنه يسكن في بيته وليس في فندق. وتحرص المغنية النجمة الأميركية الشهيرة مادونا على أن تسكن في هذا الجناح كلما زارت باريس ويبلغ إيجاره 6600 يورو في الليلة.
في الأول من شهر يوليو من عام 1907، قرر الكاتب الفرنسي مارسيل بروست أن ينظم دعوة عشاء كبرى، تتبعها حفلة كونسيرت على شرف غاستون كالميت، مدير صحيفة (الفيغارو).
وكانت دعوة العشاء تلك، قد أقامها للمرة الأولى بعد رحيل أمه التي وافتها المنية قبل عامين من هذا التاريخ. ومن أجل ذلك، فقد اختار فندق ريتز ودعا عشرين شخصية إلى مائدته في الصالون الأحمر بلوني الفراولة والذهب، وحضروا الكونسيرت الموسيقي فيما بعد.
وقد اختار له أطباق الأكل والشراب صديقه آرماند دي غيش خصيصاً. وكان هذا المجمع الأدبي الراقي لائقا بمبدع (البحث عن الزمن الضائع)، حيث تخللت السهرة أنغام موسيقى بيتهوفن وشوبان وكوبرين وفاغنر وفورييه.
وفي أثناء فترات الاستراحة، كان مارسيل بروست وصديقته آنا دي نواليس يتنقلان بين المدعوين من البرجوازيين والطبقة النبيلة لتحيتهم والترحيب بهم. وخلال الحرب العالمية الأولى 1914 ـ 1918، اعتاد بروست أن يتناول فيه طعام العشاء مرات عديدة في الأسبوع، وهو يردد(هذا جزء من عاداتي التي لا أستطيع التخلي عنها).
وهكذا تحول فندق ريتز إلى نوع من الفندق المرتبط باسم بروست الذي اشتهر بكرمه وبذخه في منح البقشيش الذي يحصل من خلاله على بعض المعلومات السرية عن شخصياته الروائية من الندل والخدم والعاملين الآخرين.
وكل ذلك في خدمة كتابة الرواية بطبيعة الحال، لأن هذا الفندق كان يشهد تفاصيل حياة الطبقة الأرستقراطية آنذاك. كان جان كوكتو وبول موران وآخرون كانوا يرافقون مارسيل بروست ويتأملون مدينة باريس من خلال اللقاء في هذا الفندق، ولكن الأخير سرعان ما تخلى عن أضواء هذه المدينة ليعيش عزلته ولم يعد يتردد إلى الفندق إلا في طلب بعض المشروبات وأطباق الطعام، وعلى الخصوص مشروبه المفضل البيرة المثلجة التي طلبها للمرة الأخيرة أثناء احتضاره لكنه لم يتمكن من تناولها لأنها وصلت بعد فوات الأوان.
كانت الحرب العالمية الأولى منعطفا كبيرا في الحياة الأوروبية وفي حياة الأدباء، وشهدت باريس نزوحا كبيرا لعدد من الكتاب والأدباء الذين احتجوا على الحرب، ومن هؤلاء سكوت فيتجرالد وأرنست همنغواي. وكان هذا الأخير صغيرا في العمر قبل أن يعتاد على طقوسه وعاداته.
أما فيتجرالد فكان يأتي كل يوم إلى الفندق وعلى الخصوص في البار الذي كان ممنوعا على النساء ارتياده إلا في عام 1936. وقد أطلق اسم همنغواي على هذا البار وظل لصيقا به إلى يومنا هذا. وبعد فترة وجيزة أصبح همنغواي يتردد إلى هذا الفندق بشكل يومي.
وفي هذا الفندق تم العثور على مخطوطة كتابه الشهير (باريس: عيد متنقل). وقد احتفل همنغواي بيوم التحرير في 25 أغسطس من عام 1944، حيث دخل إلى الفندق حاملاً بندقيته ومحتفلاً بالنصر أمام الندل والعاملين في الفندق بعد رحيل الألمان النازيين من باريس. واليوم لا يزال بار همنغواي قائما بل تحول إلى نوع من المتحف، خاصة بعد أن أعيد افتتاحه في عام 1999.
هؤلاء الكتاب والأدباء عاشوا لحظات التاريخ وتركوا بصماتهم بين أروقته وكانوا يترددون إلى تلك الأماكن ليستوحوا من عبق المكان جوهر إبداعاتهم، لأن الإبداع لصيق بالمكان هم رحلوا وبقيت أعمالهم خالدة في أذهان القراء وزوار الفندق.
استخدم الفندق الكهرباء منذ أول اكتشافها
إن صاحب فندق (ريتز) شيد قصرا فارها وليس فندقا، لا لكي يسكن فيه هو بل ليجعل زواره يتمتعون بجماله الخلاب، بفضل ذوقه الرفيع العالي. وكان هدفه أن يجعل منه مكاناً حميماً، فبناه وكأنه يبني بيته وليس فندقاً يؤوي الجميع. كما حرص على أن يؤسس حدائق داخلية مزهرة في داخل الفندق، وهو ما يطلق عليه الفرنسيون «جاردان أنترير» أي الحدائق الداخلية، ووفر له صاحبه كل أسباب الرفاهية منذ تأسيسه، حتى إنه استخدم في فندقه الطاقة الكهربائية منذ أول اكتشافها.
شاكر نوري


