الرومانسية كلمة لها رنين خاص في واقعنا الراهن ، حيث لا تنفك ترتبط بالنواحي العاطفية لتتشكل في قرارة أنفسنا ومشاعرنا بدفق أحاسيس مفعمة نابضة تحولنا إلى مصاف عوالم أخرى، نسكن معها في خيالات شعورية ملؤها الرقة والرهافة ، فهي كثيرا ما وجهت وتوجه بوصلة آمالنا وأحلامنا في الحياة.

إن لهذه الكلمة« الرومانسية أو الرومانطقية» تاريخ وقصة نشوء ووظيفة متمايزة عن ما هو الحال عليه الآن، إذ ارتبطت بأداء دور اجتماعي وفكري وسياسي وفلسفي، فحاربت بها ومعها كافة الطبقات الفقيرة والمفكرين، البرجوازية ومناحي الاستغلال المجتمعي، فنتج عن ذلك إبداعات فذة( رومنطيقية): رومانسية.هكذا فإن هذه الكلمة ومضامينها، لم تكن تعني ما نتصوره ونعرفه حولها راهنا، فهي ابتدأت بمنحى دلالات متباينة، ارتبطت في مختلف المجتمعات، بقضايا المجتمع الفكرية والاقتصادية والوطنية، وبقيت في هذه الكينونة تحوز خصوصية ونظرة متمايزة ما بين مجتمع وآخر، وعلى وجه التحديد في أوروبا. لكنها استمرت تحقق نتائج جيدة، وفي الوقت نفسه تابعت مسار التطور إلى أن اكتسبت ملامح معناها الحالي.

احتجاج رومانسي

مثلت الرومانسية خلال العهود السابقة، تعبيرا عن حركة احتجاج أو رفض لموقف أو حالة مجتمعية أو سياسية ما ضد العالم الرأسمالي والبرجوازي، فكانت تعكس بعمق معناها أعمال واراء الاحتجاج المفعم بالحماسة والعاطفة القوية ضد أشكال الاستغلال ومبدأ الربحية لهذا العالم، ملصقة به صفة «الاوهام الضائعة».

ومبينة أنها بمحاربته تواجه وضاعة مسلكياته وسماته. وبرغم الفوارق التي ظهرت فيها الرومانسية بين بلد وآخر، فقد كانت لها في كل مكان سمات معينة مشتركة:

شعور بالقلق النفسي في عالم لا يستطيع الفنان أن يندمج به، وشعور بعدم الاستقرار والعزلة، نشأ عنه توق إلى وحدة اجتماعية جديدة، وقفزة نحو الشعب، نحو أغانيه وأساطيره، «الشعب» كان في أذهان الفنان متصفاً بوحدة تكاد تكون صوفية، واحتفاء مطلقاً بطابع الفرد الوحيد، بالذاتية البايرونية الجامحة.

وظهر الأديب «الحر» للمرة الأولى، رافضاً كل القيود، طارحاً نفسه كعدو للعالم البرجوازي، ومتقبّلاً في الوقت نفسه، عن غير وعي، المبدأ البرجوازي المتعلق بالإنتاج من أجل السوق.

وبرغم احتجاجهم الرومنطيقي ضد القيم البرجوازية، وبرغم انفلاتهم الذي أفضى بهم في النهاية إلى البوهيمية، جعل هؤلاء الأدباء من مؤلفاتهم الشيء نفسه الذين أرادوا الاحتجاج عليه، جعلوها بضاعة للسوق. وحتى في ظل كون الرومانسية كالت الثناء للقرون الوسطى، كانت حركة برجوازية حقاً، وكل المسائل التي نعتبرها اليوم حديثة، تجد جذورها في تربتها.

مواجهة

ولكن الرومانسية التي طرحها غوته لم تسلم إزاء هذه الحال، من الهجوم والإدانة، حيث تفنن العديد من المفكرين في الغرب بذكر مثالبها، وتفنيد سلبياتها على حد زعمهم، فتعمقوا في انتقادها، وكان على رأس هؤلاء الرومنطيقي الألماني نوفاليس، الذي هاجم قصة «ويلهلم مايستر» لغوته، فعدها نموذجاً لعدم صوابية وخواء الرومانسية.

إلا أن هذه الرواية التي جسدت جوهرية الرومانسية آنذاك، وجدت من يناصرها من التيار والاتجاه نفسه، حيث أكثر فريدريش شليغل، وهو رومنطيقي آخر، في مديحها، معللا ذلك بأن غوته يقدم القيم البرجوازية في هذه الرواية بمعنى إيجابي.

ويرسم الخط الذي يقود من النزعة الجمالية إلى الحياة الناشطة، في إطار هذا العالم البرجوازي التافه، إلا أن نوفاليس أصر على نكران ذلك، وكان رافضا لسماع هذا، إذ يقول في هذا الخصوص:

«إن المغامرين والمهرِّجين، والغانيات، والتجار الصغار، والمرتزقة يملأون هذه الرواية. ومن يأخذها مأخذ الجد لن يقرأ غيرها أبداً».

الفن والأدب

ابتداء من «خطب» روسو، إلى «بيان الحزب الشيوعي» لماركس وإنجلز، كانت الرومانسية الموقف السائد في الفن والأدب في أوروبا. فهي، وكما تتجلى في الوعي البرجوازي الصغير، أكمل انعكاس في الفلسفة والأدب والفن، جراء تناقضات المجتمع الرأسمالي في غمرة نهوضه.

ولم يكن ممكناً التعرف على طبيعة ومنشأ هذه التناقضات بشكل جوهري، إلا مع ماركس وإنجلز، فتحقق فهم جدلية التطور الاجتماعي، وإدراك كون الطبقة العاملة هي القوة الوحيدة القادرة على التغلب عليها.

وهكذا فان الموقف الرومنطيقي ظل مبهما معها لأن البرجوازية الصغيرة كانت بمثابة التجسيد ذاته للتناقض الاجتماعي، خاصة وأنها الطامعة في الحصول على نصيبها من الاغتناء العام، وهي مع ذلك تخشى أن تنسحق سحقاً مميتاً في غضون الطريق، وتحلم بإمكانيات جديدة.

ولكنها تتشبث بالطمأنينة القديمة، وبالتراتبية والنظام، فتتجه بأبصارها نحو العصور الجديدة، وفي خضم هذا الواقع كثيراً ما كانت تتطلع بحنين إلى: «الأيام القديمة الطيبة».

تطور

لم تستمر الرومانسية في قيد هذه الاعتبارات، فانطلقت خارج الحديقة المرتبة التي نظمتها الكلاسيكية، واتجهت إلى شطر الأراضي العذراء في العالم الشاسع، إلا إنها بقيت لا تعارض الكلاسيكية وحسب، بل تتصدى لفلسفة الأنوار.

وفي كثير من الحالات، لم تكن هذه المعارضة غير كاملة فقط، بل وموجهة حصريا ضد الأفكار الآلية والتبسيطات التفاؤلية، فصحيح أن شاتوبريان وبور وكولريدج وشليغل، وكثيرين غيرهم (وخاصة في المدرسة الرومانسية الألمانية)، تعارضوا مع فلسفة الأنوار علناً. لكن شيللي، وبيرون وستندال وهايني كانوا أنفذ بصيرة في إدراك تناقضات التطور الاجتماعي، فأكملوا العمل الذي باشره فلاسفة الأنوار.

الرومانسية وقود الثورة

إن جميع التناقضات الملازمة للرومنطيقية، بلغت ذروتها بتأثير الدفعة الثورية التي كانت بدايتها حرب الاستقلال الأميركية، وكانت نهايتها معركة واترلو. ولقد كانت الثورة والأوضاع التي رافقتها بمجملها في مراحلها المنفصلة، الموضوعة الأساسية للحركة الرومانسية. وكانت هذه الحركة تنضم عند كل منعطف للأحداث إلى اتجاهات تقدمية، واتجاهات رجعية.

ودائماً كانت البرجوازية الصغيرة تثبت أنها «التناقض المجسد»، كما أسماها ماركس في إحدى رسائله إلى شويتزر. وكان القاسم المشترك بين جميع الرومنطيقيين هو الحقد على الرأسمالية، فالبعض كانوا ينظرون إليها من وجهة نظر أرستقراطية، والبعض الآخر من وجهة نظر شعبية.

كما كان القاسم المشترك أيضاً الاعتقاد «الفاوستي» أو «البيروني» بجشع الفرد، والقبول «بحقوق العاطفة» (ستندال).

وبمقدار ما كان الإنتاج المادي معتبراً، أكثر فأكثر، بمثابة خلاصة لكل ما هو محمود، وخارج مظاهر الاحترام المحيطة بواقع الأعمال القذر، كان الفنانون والأدباء يزدادون جهداً للكشف عن القلب الإنساني، وتفجير ديناميت العاطفة في التناسق الظاهر للعالم البرجوازي.

كما أن الطابع النسبي لكل القيم قد أصبح، باستمرار، أكثر وضوحاً بواسطة طرائق الإنتاج الرأسمالي، فإن عاطفة الوجد الشديدة قد أصبحت أكثر فأكثر قيمة مطلقة.

وقد قال كيتس بأن الشيء الذي يؤمن به أكثر من سواه، إنما هو «حماس القلب». وفي المقدمة التي كتبها شيللي لمسرحية «المتآمرون» يقول:

«إن الخيال لأشبه بالإله الخالد، الذي يتجسد لكي يكفر عن الخطيئة المميتة». أما جيريكو، الذي كان ديلا كروا يقول عنه بأنه «متطرف في كل شيء»، فقد تحدث في دراسة له عن «هذه الحمّى المهووسة التي تطيح بكل شيء، وتسود كل شيء» و«عن نار بركان لابد لها من أن تخرج إلى وضح النهار. لقد كانت الرومانسية، بالفعل، انفجاراً جباراً.

وقد دفعت بالفنانين شطر ما هو وحشي وغريب، شطر آفاق بلا حدود؛ لكنها كانت تعود بهم أيضاً إلى شعبهم، إلى ماضيهم الخاص، إلى طبيعتهم الخاصة.

إن كبار الرومنطيقيين قد أعجبوا جميعاً بنابليون، هذه «الأنا الكونية»، والشخصية التي لا حدود لها؛ ومع ذلك فالتمرد الرومنطيقي قد اختلط بنضالات التحرر الوطني. ففي إيطاليا، حيا فوسكولو نابوليون بنشيد عنوانه «إلى بونابرت المحرر». وفي سنة 1802م طلب إلى نابوليون إعلان استقلال الجمهورية شرقي الألب، أي إيطاليا.

ثم انقلب في النهاية حاقداً على نابوليون الفاتح. كذلك شعر ليوباردي بالمرارة والخيبة إزاء رفض هذا المحرر الفرنسي تحرير بلاده، فكتب في صحيفة «كنزوني» قصيدة جاء فيها: «

.. هاتوا السلاح، أين السلاح!

سأقاتل وحيداً

وسأموت وحيداً

ولتتصرف السماء بحيث تجعل دمي

يملأ بالنار القلوب الإيطالية».

روح التمرد.. رومانسية!

وفي أوروبا الشرقية، حيث لم تكن الرأسمالية قد انتصرت، وحيث كان الشعب يئن تحت نير القرون الوسطى المتعفن، كانت الرومانسية تريد أن تعني التمرد الخالص والبسيط، ونداء الأبواق لإيقاظ الشعب ضد المضطهدين الأجانب والمحليين، ودعوة للوعي الوطني، وللنضال ضد الإقطاعية والحكم الاستبدادي، والسيطرة الأجنبية. وقد أثار شعر بايرون الحمية في تلك البلاد.

وأصبحت الإشادة الرومانسية بالفولكلور والفن الشعبي، سلاحاً لإثارة الشعب على الظروف المنحطة، كما أصبحت الفردية الرومانسية وسيلة لتحرير الشخصية الإنسانية من عبودية القرون الوسطى.

وكانت الثورة الديمقراطية البرجوازية، التي لم تتحقق في الشرق، تومض كالبرق البعيد، من خلال آثار الفنانين الرومنطيقيين في روسيا، والمجر، وبولونيا.

حالة متمايزة

بسبب الموقع الذي تمثله ألمانيا بين العالم الرأسمالي الغربي والعالم الإقطاعي الشرقي، وبفعل «البؤس الألماني» الناجم عن تطور تاريخي مفجع، فإن الرومانسية الألمانية كانت أكثر الحركات تناقضاً، من بين جميع الحركات الرومانسية.

ذلك أن «خيبة الأمل في الفنون» كانت قد انتشرت قبل أن تبلغ الثورة الديمقراطية البرجوازية ألمانيا؛ فتبددت الأوهام قبل أن تتكون تماماً. وهكذا، وفي حمأة التقزز الناتج عن ما يصحب الانتفاضات الثورية من ارتدادات رأسمالية، اتجهت الرومانسية الألمانية ضد هذه الانتفاضات ذاتها، وضد مبادئها المسلم بها، وضد مثلها العليا.

وقد رأى هايني في ذلك أساس الاحتجاج ضد الرأسمالية، فكتب يقول: «ربما كان القرف من عبادة المال المنتشر اليوم، والرعب الذي يوحي به وجه الأنانية البشع، الذي يرونه قابعاً في كل مكان، هما اللذان دفعا، في أول الأمر، بعض شعراء المدرسة الرومانسية الألمانية الشرفاء المقاصد إلى الاحتماء من الحاضر بالماضي، وإلى الدعوة للعودة إلى العصر الوسيط».

لقد قال الرومنطقيون الألمان «لا»، للواقع الاجتماعي في زمنهم. لكن السلبية الخالصة المجردة لا يمكن أن تكون موقفاً فنياً دائماً؛ ولكي يكون هذا الموقف منتجاً، لابد له من أن يشير إلى «نعم»، كما يشير الظل إلى الجسم الذي يصدر عنه.

ولكن هذه «ال نعم» لا يمكن، آخر الأمر، إلا أن تكون تأكيداً لطبقة اجتماعية يتجسد فيها المستقبل. ففي البلدان الغربية، كانت الطبقة العاملة قد بدأت تنهض في أعقاب البرجوازية.

وفي الشرق، كان الشعب بأسره (فلاحين وعمالاً، وبرجوازيين ومثقفين) يعارض النظام السائد. لكن الرومنطيقيين الألمان، برغم أنهم كانوا يرون في رجل الأعمال البرجوازي شكلاً كريهاً، لم يكن في وسعهم بعد أن يروا في الطبقة العاملة الألمانية البائسة، قوة قادرة على بناء المستقبل، ولهذا حاولوا الهروب إلى ماض إقطاعي، رفعوه إلى مستوى المثال.

وبعد ذلك، استطاعوا أن يبرزوا بعض الجوانب الإيجابية التي ضمها هذا الماضي مقارنة بالصفات السلبية المقابلة لها في الرأسمالية، كتلك الرابطة الوثيقة التي كانت تجمع بين المنتج والحرفي أو الفنان، وبين المستهلك.

والطابع الأكثر مباشرة في العلاقات الاجتماعية وأقوى قوة للشعور الجماعي وأكبر وحدة في الشخصية الإنسانية التي تعود إلى تقسيم للعمل أكثر استقراراً وأقل ضيقاً.

لكن هذه العناصر انتزعت من محيطها، وتبرأت من عيوبها، وأُضفي عليها طابع وهمي قبل أن توضع في وجه الفظائع التي انتقدت بحق من قبل الرأسمالية. إن الرومنطيقيين المتطلعين إلى «كلية» الحياة، كانوا عاجزين عن إدراك الكلية الحقيقية للعمليات الاجتماعية.

وكانوا، من هذه الناحية، الأبناء المخلصين للعالم البرجوازي الرأسمالي. وهم لم يدركوا بالضبط أن الرأسمالية بقضائها على كل استقرار اجتماعي، وتحطيمها كافة العلاقات البشرية الأساسية، وتفتيتها للمجتمع، تشق بالفعل السبيل لوحدة جديدة، من خلال كونها هي نفسها عاجزة تماماً عن أن تنشئ كلاً جديداً، انطلاقاً من الأجزاء.

مبارزة

لن نحار كثيرا في استنتاج مكنون ومكمن مفهوم ما هو عفوي «الذي جابه به الرومنطيقيون الألمان المفهوم الآلي، بالقول: «إن بداية كل حياة ينبغي أن تكون مضادة للآلية، وأن تكون انفجاراً عنيفاً، ونقيضاً للمفهوم الميكانيكي».

وقد برز هذا النقيض في مؤلفات أ. ت. أ. هوفمان، واشتد إلى أن أصبح مبارزة رهيبة بين الإنسان وبين الآلة، ولم يكن كل نتاج هوفمان «سوى صيحة فزع ملأت عشرين مجلداً» على حد تعبير هايني. وأصبح الإطناب الرومنطيقي بكل ما هو عضوي وبكل ما ينمو أو يتشكل بصورة «طبيعية»، احتجاجاً رجعياً على ما أنتجته الثورة:

واعتبرت الطبقات الاجتماعية القديمة، والعلاقات الاجتماعية القديمة أشياء «عضوية»، وعدت الحركات والأوضاع التي خلقتها الطبقات الجديدة، أشياء «ميكانيكية» خطيرة. فيجب أن لا يُعكر «نوم العالم». ولا ينبغي استبدال الليل القديم بالنهار الجديد.

ويتساءل نوفاليس في «أناشيد إلى الليل» قائلاً: «هل ينبغي للصباح أن يعود دائماً؟

ألا تنتهي أبداً قدرة الأشياء الأرضية؟

إن صناعة مدنسة تلتهم رداء الليل السماوي».

وقد انتقد فريدريش شليغل عبارة (العصور المظلمة)، قائلاً: «هذه المرحلة الهامة من تاريخ الإنسانية يمكن فعلاً أن تقارن بالليل. ولكن، يا له من ليل مرصَّع بالنجوم! يخيّل أننا نعيش اليوم في حالة مبهمة، غائمة، قلقة بين النور والظلام. إن النجوم، التي كانت تضيء هذا الليل، قد شحبت وانطفأ أكثرها، لكن النهار لم يطلع بعد.

لقد بلغنا أكثر من مرة نبأ بزوغ شمس جديدة من التفاهم والغبطة الشاملة. لكن الواقع لم يؤكد البتة هذا الوعد الجسور. وإذا كان ثمة سبب في أمل تحقيقه قريباً، فلن يكون شيئاً آخر سوى البرودة الحنون التي، في نسيم الصباح، تعقب الفجر عادة».

رباب محمد