المفتاح لعبة اليقينيات الصغرى، فتنتنا بما اعتدناه واستسلمنا له، ومفارقتنا لما يتجاوزنا كثيراً حتى في أكثر الأمور بساطة، أي بحكم العادة، خالطين بين ضرورة وجود المعتاد لكل منا وفي ما بيننا، واستحالة الاستناد إلى المعتاد باعتباره الطريق السالك دائماً نحو المرغوب فيه.

لأنه الأكثر ألفة يكون الأكثر غموضاً، بما أنه في حكم الواضح قطعياً، وأن الكثير مما يعنينا عميقاً من مشاكل عالقة، يجعلنا على تماس مباشر به، في السعي إليه وتسميته باضطراد، لا بل إنه في متناول أيدينا، مثلما نحمله معنا، أو نعلّقه في سلسال.

حيث نشعر به وقد تدلَّى طوع حمَّالة، أو نعرفه جيداً في تعدد أشكاله وأحجامه في البيت وخارجه، حيث نعمل، حيث نقود سيارتنا، حيث نؤمّنه على ما هو غالٍ ومعتبَر لدينا. ذلكم هو المفتاح!

يستشرف بنا المفتاح عالماً يسهل التعامل معه وهو في قضاياه الشائكة، عالمنا الراهن خصوصاً. إن حركة المفتاح لا تتبع مساراً محدداً:

استقامة أو ميلاناً أو تقدماً وتراجعاً وتحركاً، في التعامل مع القفل ونوعيته ومكانته، لهذا يبدو أننا في عالم ضاجٍّ بالمفاتيح، في عالم يظهر المفتاح فيه، وهو في تداوله ويسر استخدامه لدى الكثيرين، وكأنه سهل التحصيل: تركيباً واستعمالاً، وفي الطرف الآخر، ونحن نواجه مشاكل تتحدانا إذ نكون فاعلين في بقائها مستعصية هكذا، لها صلة بمصيرنا الكوني والإنساني والاجتماعي والثقافي والذوقي:

العام والخاص، فلا يعود في وسع أي مفتاح من المفاتيح المتداولة، مؤازرتنا في مواجهة «سيل» الأقفال الذي يقصينا عن أمكنتنا وقد ألفناها بدورها، عن أنفسنا تلك التي استقررنا إليها، عن مداركنا تلك التي اعتبرناها الأقدر في استيعاب عالمنا.

الحديث عن المشكلة، ومن ثم عن مفتاح الحل يقودنا إلى التعرض والكشف عن خاصية المفتاح، كيف أن المفتاح يأتي وفق رغباتنا وهذه تشهد بتنوعها وتصادمها الذاتي والاجتماعي والعالمي، كما لو أن القفل الذي سكبنا له مفتاحاً يناسبه لحظةَ نشاء، يتمرد على ما صنعناه جرَّاء عوادي الزمن والمتحوَّل فينا. إن أقفالنا العادية ذاتها لا تستجيب دائماً لحركة مفاتيحنا وهي تفقد مرونة الاستجابة، ونحن نعيش متعة الرهان على المفتاح دفعة واحدة.

المفتاح: لعبة اليقينيات الصغرى، فتنتنا بما اعتدناه واستسلمنا له، ومفارقتنا لما يتجاوزنا كثيراً حتى في أكثر الأمور بساطة، أي بحكم العادة، خالطين، ونحن في غواية (مفتاح الحل الميسور)، بين ضرورة وجود المعتاد لكل منا وفي ما بيننا، واستحالة الاستناد إلى المعتاد باعتباره الطريق السالك دائماً نحو المرغوب فيه.

المفتاح ذاته مشكلة وإشكال، بما أنه مصنوع ويُحضَّر لما هو آني وحسّي، هو ذاته محكوم بالتحول والتغير، ليس لأنه معرَّض للتآكل والبلي أو التلف فقط، وإنما لأن ثمة عمراً واستطاعة معلومة ل«سلطته» أيضاً.

إن مفاتيحنا ليست أكثر من حلولنا الوضعية والتاريخية، نتاج ما تتفتق عنه خيالاتنا واجتهاداتنا وسبل تفكيرنا.

ثمة ما يستعصي على الفتح، ما يجعل المفتاح ذاته قفلاً مغلقاً بإحكام، ونحن نتحدث في قضايا ونسخّر لها جهودنا كاملة، ونتفاءل بأن لا مجال للخوف من أي استعصاء، والذي يعيننا في شأنها سلباً هو الوهم الآخر الذي يحول دون رؤية الطرق المستجدة، والبحث عن مفاتيح جديدة دائماً.

إن لحظة العثور على مفتاح جديد لقفل هي مشكلة، تستوجب التفكير مباشرة في ما يتجاوزها ويلغيها، وإن كان المفتاح عادياً، لتظل قوانا العقلية في حالة يقظة دائمة.

في الحياة اليومية وفي ما أبدعناه وتوصلنا إليه على صعيد كوني وعالمي واجتماعي، يمكن إيجاد حكمة المفتاح الذي يتنوع في كل آن وحين، المفتاح الذي يصعب وربما يستحيل الوصول إليه والتحكم به، إذ تتوقف سعادة أي منا وهو في ما عليه نفسياً وعقلياً على ما ليس في متناول يده.

وكما يريد، لكأن المفتاح في عظيم دوره يمثل الحافز الأولي للدخول في معترك حياتي تتداخل مفاتيحه مثلما تتشابه وهي مختلفة، وما يترتب على الحالة المستجدة الدائمة هذه من دوام التفكير والاجتهاد، لتكون السعادة المبتغاة خارج نطاق صلاحياتنا الذاتية واستحكاماتها.

إننا إذ نتحدث عن النص المغلق، وعن العقدة التي لا تنفك، وعن المصائر الكارثية للبشرية جمعاء في عالم اليوم، يكون المفتاح متدلياً في فراغ مؤطر من تفكيرنا، لكنه المفتاح الذي يلزمنا، ولنكون أهلاً لعالمنا وتفهم لعبته.

ولما يكوّننا فعلياً، في أن نبحث عن طرق غير سالكة بعد، أن نتحرى حقيقة المفتاح الذي يعنينا أمره جميعاً، أن نعترف ولو لبعض الوقت، أن تحررنا من فتنة المفتاح الذي يحمله كل منا، ربما يعزز شعورنا المشترك بروعة الحياة التي تتقدمنا، هذه التي تحثنا في الصميم على ضرورة نزع مفاتيحنا عن أقفالها، بوضع مفاتيحنا التي ألفناها طويلاً جانباً، بالشطب على عبارة (مفتاح الحل) بين الحين والآخر، لنتبصر ما وراء القفل اليومي والمألوف، ونستطيع الخروج من بوتقة أفكارنا (أقفالنا التي تسمي مفاتيحها).

حيث ينتظرنا فضاء أرحب، يكون آخرون أمثالنا في البحث عما يشدنا أكثر إلى الأجمل الذي لم نعشه بعد، أي المفتاح الذي يعلونا بمفهومه، لعله القيمة التي تسمّينا مجتمعين ومنفردين، ونحن نتحرك في ظلها الوارف. لتكون مفاتيحنا عوالمنا المستشرفة لجهاتنا الأربع..!

إبراهيم محمود