تخصص معظم المحطات التلفزيونية ساعة تقريباً لبث برنامج ثقافي مرة في الأسبوع، أي بمعدل 52 ساعة سنوياً من 8640 ساعة بث سنوياً، حيث إن معظم المحطات الفضائية تبث برامجها طيلة 24 ساعة ولا يقل عدد تلك المحطات عن 500 محطة ناطقة بالعربية، مما يعني أرقاماً فلكية من ساعات البث نصيب الثقافة فيها أقل من واحد في المائة.

ما هي طبيعة الخدمات الثقافية التي تقدمها المحطات الفضائية العربية لجمهورها، ومن يختارها، والأهم من هم الذين يعدونها ويقدمونها، وإلى أي درجة بلغت كفاءتهم المهنية ليوجهوا خطاباً عاماً للجمهور، أقله عارف أو مطلع على الأسس الثقافية الابتدائية، وهو يعرف قطعاً صاحب النظرية النسبية وشاهد ذات يوم فيلماً من الروائع ويعرف أن ليوناردو دافنشي رسم الموناليزا، جمهور يحتاج التذاكي عليه إلى خطاب أذكى مما تقدمه تلك الفضائيات!.

معظم المحطات الفضائية تعتمد نظام الحوار في البرنامج الثقافي اليتيم، و الذي يقوم على مبدأ (السين ـ جيم ) حيث كاتب أو فنان في استديو يتصبب عرقاً تحت إنارة حارقة وهو يرد على أسئلة مضيفه، أسئلة مملة تدفع إلى السأم و الانصراف عن هذه النوعية من البرامج التي تقدم مرة واحدة في الأسبوع، وكثيراً ما تكون هذه النوعية من البرامج تكملة أو ديكوراً ، فلكلوراً تنويعياً وسط مئات البرامج الأخرى، والأنكى أن البرنامج الثقافي يذاع في ساعات ميتة، وتعني بلغة أهل الفضائيات الساعات التي تتدنى فيها نسبة المشاهدين إلى الصفر.

لقد نظر الإعلام المرئي إلى الثقافة كفكر، وعموماً الخطاب الفكري على مر التاريخ كان خطاباً نخبوياً، ولذلك لم توله (الحكومات الفضائية) الاهتمام الذي توليه للفن، وبقدرة عجيبة تحول مفهوم الفن في الإعلام المرئي من سينما ومسرح وتشكيل إلى موسيقى وطرب وحركات رياضية راقصة وخلف كل هذا يقف فكر خال من المعرفة، يؤمن أن المقهى هو كوفي شوب لمراجعة رسائل الهاتف وليس مكاناً للتثاقف والقراءة وأن المكتبة هي مكان بيع الأقلام والمساطر وليس مكاناً لشراء الكتب، وهو ما يقود بشكل أوتوماتيكي إلى أن الفن (بوس الواوا) وأن الثقافة ثقل دم.

عند هذا المستوى من ضيق الأفق إعلامياً يقع الخطأ وتتراجع القيمة التأثيرية للفضاء الإعلامي ويتحول من خطاب موضوعي إلى خطاب فرفشة يتخذ من سعة الاهتمام الجماهيري ذريعة لمزيد من الصرف المادي إذ يحتاج ظهور مثقف على الفضاء إلى أقل من خمسة آلاف دولار، بينما يحتاج ظهور مطربة إلى عشرة أضعاف ذلك. والنتيجة آلاف من ساعات البث سنويا تمجد المغنيات وتضطهد الفكر.

hussain@albayan.ae