يمثل هذا الكتاب رؤية منهجية علمية اقتصادية، تتوخى معايير تحليلية معمقة، يتوضع معها الكتاب بمثابة دعوة علمية لإعادة بناء النظام الرأسمالي الراهن على أسس جديدة، وهو بذلك لا يقتصر على جانب المسار التخصصي الاقتصادي بوجهة تغوص في عالم الرقم ودلالات الأحداث.

بل يعمد إلى تحليل تاريخ الاقتصاد العالمي، وما مارسته الرأسمالية فيه من تخريب وتوليف وتخطيط، أنتج بالتالي تدمير اقتصادات الشعوب، وأفرز الحروب التي كانت تشعلها القوى الرأسمالية العظمى بقيادة أميركا مع كل محطة أزمة اقتصادية.استراتيجية الإمبراطوريات تؤكد أن الحروب والسيطرة بالقوة تغذي شريان حياتها وتخرجها من الكساد.يبحث كتاب «أزمة نظام.. الرأسمالية والعولمة في مأزق»، لمؤلفه د. عبدالحي زلوم، والصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر-2009، في الأسباب الحقيقية للأزمة الاقتصادية الراهنة، معيداً للأذهان الأزمات التاريخية للرأسمالية، منذ نشأتها وحتى الآن.

وموضحاً أنه ما زالت تداعيات الأزمة المالية العالمية الرأسمالية مستمرة، ولن تكون أزمة اليونان الراهنة هي الأخيرة في تداعيات انتشارها وانكشافها.

ويرى زلوم أن هذه الأزمة الحالية، ليست عابرة أو استثنائية، وإنما هي أزمة بنيوية للنظام الرأسمالي القائم على السوق الحرة، دون أية ضوابط تحكمه وتسيّره، ولذا فإنها ستبقى تتكرر طالما بقي هذا النظام يرتكز على الأسس ذاتها.

ويتعمق المؤلف في فصول وأبحاث كتابه بتقليب ونبش ودراسة تاريخ الرأسمالية وعولمتها، فيشير إلى أنها بدأت مع ضرورة تنامي الإنتاج الرأسمالي والحاجة إلى المواد الأولية والأسواق، ما جعلها ضرورة لاستمرار الإنتاج القائم على السيطرة والاستعمار والحروب، ويختار زلوم أن يدفع بمقارنة توضيحية نموذجية في هذا الصدد، وهي بين الاحتلال الفرنسي ثم البريطاني لمصر، وتجربة محمد علي (1805 ـ 1848) ، وصولاً إلى الاحتلال الأميركي للعراق.

ويشرح الباحث في مفاصل وتداخلات هذه النقاط، مفسراً أن الاحتلال الفرنسي لمصر (1798)، لم يكن هدفه التنوير، كما ادعى نابليون، بل كان يرمي إلى الوصول للهند، درة التاج البريطاني.

وذلك في إطار التنافس الشديد على المستعمرات بين فرنسا وبريطانيا، ثم ينتقل الكاتب للحديث عن أن جورج بوش الذي ادعى انه أحضر معه التحرير والحرية والعلمانية إلى العراق، انكشف بجلاء، وأصبح الهدف بيناً، وهو السيطرة على منابع النفط والتحكم.

ليس بالعراق فقط، بل بالشرق الأوسط مجتمعاً، كونه منبع النفط العالمي، وفي تسلسل عرض وربط منطقي، يبدي لنا زلوم أن الانجليز وبقية الأوروبيين تدخلوا وأغرقوا أسطول محمد علي في عام 1828 في «نغارينو» جنوب اليونان، عندما حاول إقامة نهضة مصر (زراعية وصناعية وعسكرية) في العام 1805، حيث أنشأ مصانع النسيج والسكر، وركز على السعي لاستيراد الخبراء والآلات.

ويفيدنا الكاتب أنهم، وفوق ذلك أوقعوه في مصيدة لخنقه نهائياً، حيث شجعوه على احتلال عاصمة العثمانيين - كما شجع الأميركيون صدام لاحتلال الكويت -، ولما رفض التوقيع على معاهدة التجارة الحرة، كونها تعرض زراعته وصناعته إلى منافسة غير متكافئة مع الأوروبيين، أجبروه على توقيع الاتفاقية في العام 1841 بقوة الأسطول البحري الذي تمركز في الإسكندرية، وإثرها بدأ الدين يتراكم على مصر، ما أدى إلى احتلال الانجليز لها، بحجة إدارة الاقتصاد المصري لسداد ديونه.

ويؤكد لنا زلوم في إسقاط موضوعي، أن هذا ما يحدث الآن بيد صندوق النقد الدولي، عبر إغراق البلدان بالديون، ومن ثم يرسل خبراءه ليقبعوا في دوائر الدولة لإدارة الاقتصاد والديون، وينطبق الحال على ما يمارسه الأميركيون مع العراق، حيث يعنون بدقة في استنزاف طاقاته الاقتصادية ونهب خيراته، بالإضافة إلى السعي لتقسيمه طائفياً واثنياً، لاستكمال تقسيم «سايكس بيكو» القديم.ويطلعنا زلوم بتوسع على ما يحفل به تاريخ الرأسمالية من أزمات وكسادات.

حيث حصلت ثلاث أزمات كبرى في القرن التاسع عشر (1819-1837-1857)، وللخروج من الكساد والاقتصاد الراكد، كانت الحروب هي المخلص الوحيد، وهذا بطبيعة الحال ـ حسب الكاتب ـ كنتيجة حتمية لاستراتيجية تاريخية للامبراطوريات، تقوم على أن الحروب والسيطرة بالقوة، هي التي تغذي شريان الحياة والديمومة للإمبراطورية إلى أن تنهار، وأمثلة هذا كثيرة.

وينبهنا الكاتب إلى انه يجري الآن التخطيط للحرب على إيران، بعد أن صنعت أميركا الوهم الإيراني، وأحكمت تقديمه كخطر أكبر على العرب، وهذا بموازاة تقديم إسرائيل كدولة محبة للسلام، تقف إلى جانب العرب ضد إيران، وذلك بهدف استكمال بقاء المنطقة متفجرة بنزاعاتها الداخلية، خاصة في ظل الاستمرار في تفجير وتصعيد الأوضاع في أفغانستان، وحفظ التوتر الدائم بين باكستان والهند.

ويلخص المؤلف أهداف الإمبراطورية الأميركية الثلاثة، كما عرضها ويليام بلوم، مؤلف كتاب «الدولة المارقة»، والتي يعمل جميع الرؤساء الأميركيين على ضمان تحقيقها، وهي تتجسد ب: خدمة المال وشركاته، وفتح الأسواق لها في أرجاء العالم كافة، عدم السماح بقيام أي مجتمع يمكن أن يمثل نموذجاً ناجحاً يتنافس مع النظام الرأسمالي الأميركي، والهيمنة الكاملة على دول العالم لتحقيق الهدفين المذكورين.

ويخلص زلوم في فصول ومواضيع بحثه، إلى أن حقيقة وثوابت التاريخ تعلمنا أن الامبراطوريات لا تدوم، وهو ما يطابق رؤية وتنبؤ العديد من المحللين والمؤرخين، وفي مقدمهم اريك جيرهوبسبون، الذي يرى أن الإمبراطورية الأميركية ستسبب الفوضى والوحشية، بدلاً من السلام والاستقرار وسيكون انهيارها مفاجئاً وسريعاً، على غرار انهيار إمبراطوريات شركاتها العملاقة، مثل (ََُْ وشركة جشح)، وجنرال موتور وفورد، في الوقت الحالي.

ويشدد على تأكيد ما طرحه جورج سوروس حول ان الرأسمالية والديمقراطية تتبعان مبادئ مختلفة ومتنافرة تماماً، فغاية الرأسمالية هي الثروة، أما في الديمقراطية فالغاية هي السلطة السياسية، وكذلك فإن المعايير مختلفة حيث انه في الرأسمالية يعد المال هو وحدة القياس، أما في الديمقراطية فهي صوت المواطن، وفي الرأسمالية تعد المصالح الشخصية الخاصة هي الأهم، أما في الديمقراطية فالمصلحة العامة هي الأهم.

الكتاب: أزمة نظام الرأسمالية والعولمة في مأزق

تأليف: د. عبدالحي زلوم

الناشر: المؤسسة العامة للدراسات والنشر 2009

الصفحات: 253 صفحة

القطع: الكبير

مروان عبدالرزاق