يرصد كتاب «مساعي السلام العربية الإسرائيلية..الأصول التاريخية»، لـ د.عبد العظيم رمضان، والصادر عن هيئة قصور الثقافة ـ 2009، أبحاث الندوة التي أقامتها لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة في مصر، والتي أعدها للنشر د.عبد العظيم رمضان، مؤلف الكتاب نفسه، والذي يشير فى مقدمته إلى ان ما أثاره هو عنوان الندوة واعتراض البعض عليه، إذ ان مفهوم السلام ارتبط بالتهاون، منذ مبادرة السلام المصرية، والتي لقيت تنديدا كبيرا.
ويكشف الكتاب في عكسه وبحثه لمضمون الندوة في محور «المفهوم الصهيوني للاتفاق قبل قيام دولة إسرائيل»، أن فكرة التوفيق بين العرب ومسألة تهويد فلسطين ظهرت فى أواخر القرن الـ 19، وأجريت اتصالات حينها بعدد من الزعماء العرب، وخاصة فى المؤتمر العربي الأول الذي عقد فى باريس عام1914، ونتعرف مع الكاتب، في محطات هذا المحور على قضية مهمة، مفادها أنه أنشئت الكثير من الجمعيات لانجاز الفكرة ثقافيا، مثل:
«عصبة التعاون بين العرب واليهود فى فلسطين»، «جماعة الاتحاد» وغيرهما، وخلصت النظرة اليقينية اليهودية في تلك الفترة (حتى على الجانب السياسي)، إلى أنها مسألة صراع بين الأمة اليهودية والأمة العربية، حسب تعبير بن غوريون، أول رئيس وزراء اسرائيلي. ويلفت رمضان إلى أن النتائج النهائية لجهود تلك الفكرة، لم تلق النجاح بفعل محاربة من يرون أن التوفيق ليس فى صالح الأهداف الأساسية الصهيونية.
كما يوضح رمضان في في كتابه، عبر مبحث الندوة «على هامش مباحثات صدقي ـ بيغن»، طبيعة المحاولة اليهودية للتقارب عام 1946م، وهو العام الذي شهد مفاوضات بين مصر وبريطانيا، لاستبدال معاهدة عام 1936م بينهما، بأخرى، تلبي طلبات مصر فى الجلاء ووحدة وادي النيل، ولكنها فشلت لاعتراض مصر على جعل أراضيها قاعدة عسكرية بريطانية، فى حال اندلاع حرب عالمية.
ونجد بعدها أنه حضر إلى القاهرة الياهو ساسون، عن الوكالة اليهودية فى فلسطين، فقابل صدقي، رئيس الوزراء المصري أنذاك، وعرض عليه أن تتدخل مصر لدى الجامعة العربية، فتوافق على فكرة تقسيم فلسطين، غاية أن يتدخل اليهود فى حزب العمال البريطاني، مقابل ذلك، لتحقيق رغبات مصر فى الاستقلال، وتبين في ما بعد أن محاولات من هذا النوع، جرت مع أكثر من دولة عربية، وفشلت جميعها.
ونجد الكتاب، يعرض في منحى تكميلي منطقي، لقضية «مبادرة يارنج بين السلام والحرب»، والتي تبنتها الولايات المتحدة الأميركية لوقف حرب الاستنزاف بين مصر ـ إسرائيل، إثر الهزيمة العسكرية المصرية فى عام 1967م، خاصة وأن القضية الفلسطينية كانت تتلخص قبلها، فى أن وجود إسرائيل واقع حتمي في ظل عدم وجود فلسطين، وهكذا بادر العرب للالتزام والعمل على فكرة وجود وحضور فلسطين بقوة في السياسات الخارجية للدول العربية، إلا انه، وبعد 67، حدث مجموعة من المتغيرات (احتلال سيناء والجولان والضفة الغربية وغزة).
وبناء عليه قدم يارنج إلى المنظقة، ممثلا لسكرتير عام الأمم المتحدة، لتنفيذ قرار الأمم المتحدة242، الذي بدأ مهمته فى عام 1969، فوافقت مصر على شرط تنفيذ بند انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية، والعمل على التوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين، بينما اشترطت إسرائيل، أن تكون مهمة يارنج التمهيد للاجتماع والتفاوض بينها وبين العرب، بشكل منفرد (كل دولة على حدة)، إلا ان هذه المحاولة لم تنجح، ونتج عنها المزيد من الدعم الأميركي لإسرائيل، من خلال إعطائها طائرات «فانتوم» الحديثة، لتعزيز قدراتها فى حرب الاستنزاف.
وينتقل رمضان في عرضه لمحاور الندوة، ضمن كتابه هذا، إلى نقاش، «معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية فى مجال التطبيق»، كونها مرت بثلاث مراحل، اندفع السادات في أولها، إلى اتخاذ إجراءات غير مألوفة دستوريا لكي يتقبل المصريون المعاهدة.
كما عقد بعض الاتفاقيات، كالاتفاقية التجارية واتفاق النفط. واتسمت المرحلة الثانية في تعدد مساقات وأشكال التعامل مع إسرائيل، طبقا للاتفاقيات المنصوص عليها في المعاهدة، كالاتفاق الأمني، وسيناء، كمنطقة منزوعة السلاح، من جهة، واتفاقية التجارة والسياحة والثقافة.وهنا تتبدى ماهية التحفظ المصري فى التطبيق.
حيث انها تعتمد على رغبة الأطراف فى تطويرها، ثم تتبلور لاحقا صيغة المرحلة الثالثة، وهى التي تلت حرب الخليج، والاعتداء العراقي على الكويت، ما نتج عنها من تحول بعض الدول العربية إلى رفع المقاطعة عن الشركات الأجنبية المتعاملة مع إسرائيل (فورد وكوكاكولا..).
ولا تغفل محاور وابحاث الكتاب، في عكسه للندوة المذكورة، أيا من الحيثيات والنقاط في هذا الشأن، فنرى انها تتطرق إلى مختلف القضايا الاخرى، وعلى رأسها: «حركة السلام الآن فى إسرائيل»، باتجاهاتها المتنوعة، التي تشكلت بعد حرب يونيو 1967.
الكتاب: مساعي السلام العربية الإسرائيلية الأصول التاريخية
تأليف: مجموعة من الباحثين
الناشر: هيئة قصور الثقافة 2009
الصفحات: 245 صفحة
القطع: المتوسط
السيد نجم
