يبحث كتاب «التوجهات الإقليمية في الشرق الأوسط بعد الحرب الباردة»، لمؤلفه عيسى السيد دسوقي، والصادر عن دار الأحمدي للنشر والتوزيع ـ القاهرة 2009، في المتغيرات الدولية والإقليمية المرتبطة بانتهاء الحرب الباردة، وأثرها على منطقة الشرق الأوسط وأزماته، حيث يرصد الباحث سياسات أربع قوى رئيسية في المنطقة وهي:

إسرائيل، تركيا، إيران، العرب، مبيناً الدور الذي تحاول كل من هذه القوى القيام به، ويحاول دسوقي في تعقبه لدقائق هذه القضية البحثية، الكشف عن طموحات كل من هذه القوى، والاستراتيجيات التي تلجأ إليها لتحقيق تلك الطموحات.وفي خصوص الملامح الرئيسية للسياسة الإسرائيلية بعد الحرب الباردة، نجد دسوقي يحددها بثلاث نقاط، تتحدث الأولى عن نظرة إسرائيل وجهودها نحو عملية السلام، وأن هناك توجهين في الحكومة الإسرائيلية، الأول يتخذ من مفاوضات السلام الماراثونية وسيلة للحصول على أكبر قدر ممكن من المكاسب، والثاني ينظر إلى المفاوضات على أنها مجرد وسيلة لامتصاص السياسة الأميركية الضاغطة باتجاه إتمام عملية السلام.

وتتناول النقطة الثانية تعامل إسرائيل مع القوى المقاومة للاحتلال، لاسيما على الجبهتين اللبنانية والفلسطينية، إذ انسحبت إسرائيل على صعيد الجبهة اللبنانية من الجنوب في عام 2000، بتأثير خسائرها المتوالية في تلك المنطقة، ثم اعتمدت على الحروب السريعة ذات القدرة التدميرية الكبيرة، كما حصل في حرب تموز 2006، فقامت بتدمير البنية التحتية للبنان، بغية فرض معادلات سياسية جديدة، وفي مقدمتها فرض هدوء شبه كامل على الجبهة اللبنانية.

وفي ما يتعلق بالجبهة الفلسطينية، يبين دسوقي أن إسرائيل انسحبت من غزة في عام 2005، بفضل انتفاضة عام 2000، والهجمات الصاروخية التي كانت تشنها المقاومة، إضافة إلى العمليات الاستشهادية، وقد تلا تلك الانسحابات، عدة هجمات وعمليات عسكرية انتهت بحرب غزة عام 2008.

ويوضح الكاتب في هذا السياق أن إسرائيل عمدت على مستوى الداخل إلى زيادة أعداد المهاجرين اليهود إلى فلسطين، ومن ثم حث وتوعية اليهود ديموغرافياً بشأن أهمية زيادة عددهم، إلى جانب التضييق على عرب إسرائيل، وصولاً إلى مرحلة أخرى متطورة تمثلت في ظهور شعار يهودية الدولة اليهودية، والذي يعد عنصريا بامتياز، ويخلص المؤلف في هذه المحطة إلى أن المقاومة هي السبيل الوحيد الذي يمكن أن يواجه الاستراتيجيات الإسرائيلية الجديدة، وأن خيار السلام دون دعم للمقاومة، يبقى خياراً غير مجد مع إسرائيل.

ويتطرق المؤلف عقبها إلى ماهية وأبعاد الدور التركي في المنطقة، ليحدد أنه يتراوح بين «أزمة الهوية»، التي تعيشها تركيا، ورغبتها في البحث عن «دور فاعل»، فيستنتج أن مرحلة ما بعد عام 2000 شهدت انفتاحاً واسعاً على منطقتي آسيا الوسطى والشرق الأوسط، وقدمت تركيا نفسها فيها على أنها دولة تسعى لإقامة تحالفات اقتصادية كبيرة، وما يستتبع ذلك من تأمين استقرار سياسي، لابد من الدأب لفرضه على الجميع، بما فيهم إسرائيل، والتي بدأت تركيا تمتعض من سياساتها العدوانية واعتمادها على القوة العسكرية.

وحول توجهات إيران نحو المنطقة، يرى دسوقي أنها محكومة بين «طموحاتها الإقليمية» و«التحديات الدولية». ويختار المؤلف في تشريحه لطبيعة وضع القوى العربية في المنطقة، دراسة وتشريح دولة مصر، فيؤكد في هذا المجال أن الدول العربية كانت في موقع «الملتقى السلبي» للتفاعلات والنزاعات الإقليمية والدولية، وهذا ينطبق حتى على تلك التي حملت منها مشروعاً حضارياً قومياً سعت إلى تحقيقه.

ويستطرد الكاتب ليبرهن في عرضه أن هذه القوى لجأت إلى «الانكماش القطري» داخل حدودها في كثير من الأزمات، وذلك من منظور «المصلحة الضيقة»، فالعرب، كما يفسر، فقدوا القدرة على توظيف قدراتهم الجيوبوليتيكية والاقتصادية والعسكرية، وتحولوا إلى كائن «عاجز» عن إيجاد حلول، حتى لأكثر قضاياهم إحراجاً.

ويختم الباحث كتابه بطرح مجموعة من الاقتراحات التي تشدد على ضرورة إيجاد سبل لتحقيق عملية التضامن العربي والتكامل الاقتصادي، والتمسك بالمقاومة وتطوير التكنولوجيا، نظرا للمنعكسات الايجابية لهذه الأسس التي مصيرها أن تُمكن العرب من لعب دور ركيزي في تقرير مصيرهم، وهو ما بدا ـ حسب الكاتب ـ قائماً مع نهاية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين.

الكتاب: التوجهات الإقليمية في الشرق الأوسط بعد الحرب الباردة

تأليف: د. عيسى السيد دسوقي

الناشر: دار الأحمدي للنشر والتوزيع القاهرة 2009

الصفحات: 208 صفحات

القطع: الكبير

رشيد الحاج صالح