يناقش كتاب «العرب والمستقبل.. إرهاصات وعي نقدي محتمل»، لمؤلفه د.كريم أبو حلاوة، والصادر عن وزارة الثقافة / الهيئة العامة السورية للكتاب ـ دمشق 2009، قضية حلول وموجبات تسلح العرب بفكر تنويري علمي يؤهلهم لحجز مكانة مهمة في المستقبل على الصعيد العالمي، ونجد المؤلف أبو حلاوة ينطلق في استهلال أبحاث هذه الدراسة من حقيقة ومسلمة إشكالية علمية راسخة، مفادها:
لا يدخل التفكير في المستقبل، بالنسبة للإنسان العربي، ضمن الترف الفكري، فالتفكير في المستقبل يغدو أكثر إلحاحاً في مجتمعات تشكو من شدَّة الانهماك في الماضي وثقل الذاكرة التاريخية. ويدخل المؤلف إلى صلب أطروحاته في هذا البحث، من باب عرض طبيعة كون الإنسان مهجوسا بالتفكير في المستقبل منذ القدم، إذ إن الاهتمام بالمستقبل شغل الناس قديما خلال العصور الغارقة في القدم، فكانت «الكهانة» و«العرافة» وقراءة الكف والطالع والتنبؤ بالمجهول، إلا أنَّ ذلك بقي في إطار الوعي الغيبي والأسطوري بالعالم.
وتحوَّل إلى ميدان علمي له معارفه وقوانينه منذ فترة قصيرة نسبياً، حيث يمكننا اليوم الحديث عن علوم المستقبل أو «المستقبليات»، التي تعمل على استشراف المستقبل، عبر اجتهاد علمي منظَّم يهدف إلى صياغة مجموعة من التنبؤات المشروطة.
ويلفت الكاتب في هذا الجانب إلى أن الأقوياء هم ـ كما يبدو ـ من سيملك المستقبل، لأنهم أدركوا في عالم اليوم روح وآليات العصر، ولذلك نراهم يتسابقون في مجالات تطور البحث العلمي والبرمجيات وفي ميادين الاقتصاد المعرفي للاتصالات والذكاء الصناعي، ومثالنا هنا الولايات المتحدة الأمريكية المتصدرة دول العالم في قيمة الإنفاق على البحث العلمي، وذلك بمبلغ قدره(179) بليون دولار، تليها اليابان بقيمة(133) مليار دولار، ثمَّ ألمانيا (55) مليار دولار، ثمَّ فرنسا(36) مليار دولار، وأخيرا انكلترا بمبلغ(22) مليار دولار.
وبحسب الكاتب، ينقسم الباحثون في الإجابة عن الأسئلة السابقة إلى موقفين أساسيين، ويرى أصحاب الموقف الأوَّل أنَّ الانعكاسات التي تسبِّبها الثورة العلمية في مجال الاتصالات والمعلومات باتت واضحة ومؤكَّدة ويصعب تجاهلها، بينما يؤكد أنصار الموقف الثاني أنَّ آثار ونتائج هذه الثورة ما زالت محدودة التأثير وضعيفة الفاعلية، ويوضح المؤلف في هذا الخصوص أنه بات واضحاً أنَّنا أصبحنا مع مختلف شعوب الأرض.
في دائرة تأثير العولمة (السلبية والايجابية معا)، لكنه، رغم ذلك، لا يجد في واقع نزاعات التقوقع والانكفاء والخوف المبالغ فيه على الهوية الثقافية، سوى ردود فعل سلبية،.
وربما ستار يحجب الخشية من الأفكار النقدية العالمية التي من شأنها زعزعة مواقع النخب السياسية والثقافية المتعاقبة، وينطلق في هذه الحقيقة من اعتباره أنَّ مستقبل الثقافة العربية وفاعليتها ليس مرهوناً بالتحديات الخارجية التي تحملها العولمة على أهميتها فحسب، بل يتصل بقدرة هذه الثقافة على إقامة حوار داخلي بين اتجاهاتها وتياراتها وأفكارها.
ويستنتج أبو حلاوة في خلاصة تشريحه وتقليبه لمختلف الحقائق والوقائع المرتبطة بالجوانب المطروحة وما يتعلق بها، أن هذا الأمر هو ما رتَّب استحقاقات إضافية تمس الأمن الثقافي ومكونات الهوية، لا تستطيع المؤسَّسات التربوية والتعليمية والإعلامية مواجهتها ما لم تتخلَّ عن نظم عملها العتيقة، وتتحرَّر من الذهنية الرقابية على الإنتاج الرمزي، لأنَّها لم تعد مجدية من جهة.
، ولأنها عاجزة عن إشباع حاجيات الناس الثقافية والجمالية والقيمية عبر الفيلم الجيد والبرنامج الثقافي الممتع والخبر الهام، بمواصفات إعلامية راقية، من جهة أخرى، وبذا فإن الثقافة غدت صناعة تتطلَّب الكثير من الجهد والمال والمصداقية.
وفي سياق ربطه التحليلي العلمي والمنطقي، يعمد المؤلف أبو حلاوة إلى التركيز على حال ومشكلة المثقف العربي ارتباطا بهذه المسألة، فيبين أنها لم تعد قائمة بينه وبين نفسه فقط، بل هي وقبل ذلك، مشكلة علاقته بالسلطان السياسي المستبد، وبالمجتمع أو الناس، إذ يفترض في الحالة الطبيعية انه يعمل لهم ولأجلهم.
لكن سرعان ما يجد نفسه معزولاً عنهم وغريباً عن معاناتهم وأحلامهم، فيلجأ أمام هذا الموقف الإشكالي إلى التعالي الأكاديمي والدفاع النرجسي، أو اليأس والانطواء، لتنحصر مهمته في التعبير أو التأمل بدلاً من الاستنهاض والمشاركة، ويختم المؤلف نقاشه بطرح سؤال إشكالي واسع الدلالة، ومفاده:هل من سبيل أمام المثقَّف للخروج من حالة الأزمة والشعور بالعجز والتحول إلى فاعل فكري يشارك في تغيير مجتمعه عبر عمله على تغيير ذاته وفهمه للعالم .
المؤلف في سطور
د. كريم أبو حلاوة ، باحث وأستاذ جامعي في علم الاجتماع، يرأس تحرير مجلة (الحياة الفكرية)/ وزارة الثقافة ـ سوريا. صدر له: إشكالية مفهوم المجتمع المدني ـ دمشق 1989، نحو عقل تواصلي، الثقافة العربية ورهانات العصر ـ دمشق 2002.
الكتاب: العرب والمستقبل.. إرهاصات وعي نقدي محتمل
تأليف د. كريم أبو حلاوة
الناشر: وزارة الثقافة الهيئة العامة السورية للكتاب دمشق 2009
الصفحات: 247 صفحة
القطع: المتوسط
أنور محمد

