يتناول كتاب «الأحرار الدستوريون 1922 ـ 1953»، لمؤلفه د.أحمد زكريا الشلق، والصادر عن دار الشروق، حركات القوى الوطنية والأحزاب في مصر، إذ يعنى الكاتب في بدايته بدراسة «حزب الأمة» ودوره في السياسة المصرية، منذ نشأته عام 1907م، وحتى توقف نشاطه أثناء الحرب العالمية الأولى، ويبين الشلق أن الحزب المذكور شهد آنذاك فترة حضانة قيادات الوفد وحزب الأحرار الدستوريين.
فظهرت قيادات حزب الأمة في «تجمع» الوفد، وألفت مجتمعة في ما بعد، حزب الأحرار في أكتوبر 1922م، إذ لعب أصحاب هذا الاتجاه دوراً أكثر عمقاً وتأثيراً في حياة مصر، بعد أن تجاوزوا مرحلة إثبات وجودهم الأولى، فشكلوا الوزارات تارة ليشتغلوا بشؤون الحكم على نطاق واسع، وأداروا دفة المعارضة تارة أخرى.ويفرد الشلق مساحة كبيرة في كتابه للتركيز على مسيرة حزب الأحرار الدستوريين، ويتتبع تاريخه منذ تأسسه في عام 1922، وذلك على يد مجموعة من الذين انفصلوا عن سعد زغلول في عام 1921، حيث شكلوا حزب الدستوريين برئاسة عدلي يكن باشا، ليصبح بمثابة حزب معارض لأفكار سعد ومن بقي معه.ويحلل الكاتب مستجدات المجتمع المصري وتفاعل الأحرار الدستوريين معها إلى حين اختفاء الحزب من الحياة السياسية في عام 1953 م، على يد ضباط ثورة يوليو.
واستطاع الشلق بطريقته المنهجية، مستفيدًا من مصادر مصرية ووثائق بريطانية، أن يتعرف بدقة على الأصول الاجتماعية والفكرية للأحرار الدستوريين، وإسهامهم السياسي والبرلماني كحزب يفتقر إلى التأييد الشعبي، لكنه استمر يتمتع بتأثير بالغ في الحياة السياسية والثقافية المصرية، بفضل جريدته المهمة «السياسة»، والتي رأس تحريرها الكاتب والسياسي محمد حسنين هيكل، وكتب فيها أهم مفكري القرن العشرين في مصر، وكذا بنوعية قياداته من أمثال، هيكل، وأحمد لطفي السيد، وعبد العزيز فهمي، ومحمد محمود.. وغيرهم.
كما يستعرض الكتاب في فصوله تطور المجتمع المصري خلال فترة الحماية البريطانية على مصر ، وذلك في حياته السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ويشرح بشكل وافي التركيبة الاجتماعية لحزب الدستوريين، مستكشفا عناصره وقواه وما انتابه من تغيير طوال فترة تاريخه، إلى جانب حركة الحزب في أهم قضيتين من قضايا الحركة الوطنية المصرية .
ويؤكد الشلق في كتابه على أن مسؤولية الأحرار الدستوريين(أعضاء الحزب وكوادره)، الذين تقدموا صفوف المجتمع المصري واشتركوا في تحريك مسيرته السياسية طوال ثلاثة عقود من الزمن، تحددت من منطلقين أساسيين:
اعتبارهم حزب صفوة ذات كيان اجتماعي متميز، البرامج التي طرحوها وأخذوا على عاتقهم الالتزام بها وإنجازها، لافتا في هذا الصدد إلى أنه اتضح لاحقا أن الرغبة في السلطة كانت وراء نشاط حزب الأحرار الدستوريين، ونتيجة لنجاحاته في تحقيق تلك الرغبة، ساهم بشكل كبير في الصراع السياسي والاجتماعي في مصر المعاصرة، برغم أنه لم يكن حزباً جماهيرياً، ما يعكس التناقض الأساسي بين حجم الحزب المتواضع.
وتأثيره السياسي الكبير نسبياً، فتعامل مع القضية الوطنية باعتدال ودبلوماسية، ولمس الجانب البريطاني ذلك لدى قياداته، فتعاطى معها على هذا الأساس، وكانت النتيجة أن تجاوزت مصر عقوداً ثلاثة وهى تتفاوض للحصول على استقلالها.
ويفسر الشلق أن التناقضات بين ما طرحه الحزب وبين ما أنجزه، تجسدت بشكل حاد، من خلال تعامله مع المسألة الدستورية والحياة النيابية، فقدم رجال الحزب في البداية دستور عام 1923م، واعتبروه خيراً من لا شيء، ثم اتضحت الهوة التي تفصل بين الإيمان النظري والموقف العملي، بل والالتزام الحزبي، فتزعزع الإيمان بالدستور، بل وبالحياة الديمقراطية.
ثم ينتقل الشلق ليطلعنا على أن الحزب بدأ حياته السياسية في عام 1922م، من صفوف المعارضة، وكان فتياً، ثم خرج من السلطة في عام 1949م، للمرة الأخيرة في حياته، وعاد إلى صفوف المعارضة هرماً أدركته الشيخوخة، وقد انقسم تاريخ حياته إلى فترتين، أولهما تعتبر فترة قوة بالنسبة له (1922 ـ 1939)، واستمد فيها تلك القوة أساساً من شخصيات قادته ومقدرتهم، أعياناً ومثقفين، واستمدها كذلك من تأليفه للوزارات وتولت قياداته شؤون الحكم.
وثانيهما تمثل مرحلة ضعف في حياة الحزب (1939 ـ 1954) ، لعبة خلالها دوراً أقل في شؤون الحكم، عبر ائتلافه مع أحزاب الأقلية الأخرى، وقد شهدت الحقبة الأخيرة من تاريخ حياة الحزب استفحال عوامل ضعفه، الذي يعد جزءاً من ضعف النظام السابق لثورة 23 يوليو 1952م برمته.
وظل الحزب في معظم الحقبة الأخيرة من حياته، يعانى من التمزق الداخلي حول السلطة، وبسبب فقدانها اقترب من القصر أكثر، وهذا في فترة لم يكن فيها القصر يحظى باحترام معظم القطاعات الوطنية، فابتعد بهذا عن الجماعات الأيديولوجية الجديدة، بحكم انتماءاته الاجتماعية والفكرية، بينما زاحمته الهيئة السعدية في صراعه السياسي، بالإضافة إلى فقدانه صحافته.
وشهدت سنوات الاحتضار الأخيرة 1949 ـ 1953، تأثيراً مكثفاً لجميع العوامل السابقة، فاستشرت عوامل الضعف في جسد الحزب، ذلك الضعف الذي رد عليه بشكل واضح، عندما تعامل مع الأوضاع الجديدة الناشئة في ظل قيام الثورة، وهو ما يوحي بانتهاء الحزب ككيان سياسي، قبيل صدور قرار إلغاء الأحزاب الذي أصدرته حكومة الثورة في يناير 1953م.
الكتاب: الأحرار الدستوريون 1922 ـ 1953
تأليف: د.أحمد زكريا الشلق
الناشر: دار الشروق 2010
الصفحات: 509 صفحات
القطع: المتوسط
محمد الحمامصي

