أعادت مجلة «يو إس إيروايز مجازين» نشر هذه المقابلة التي كانت قد أجرتها مع الروائي الأميركي كيرت فونيجوت، ووصفتها بأنها آخر مقابلة أجريت معه على الاطلاق قبيل رحيله عن عالمنا في 11 ابريل عام 2007، وذلك بمناسبة صدور مجموعته القصصية الأخيرة «أنظر إلى الطويئر!»، حيث أشار إلى أن أكثر ما حرص عليه طوال حياته الأدبية هو استخدام الجمل البسيطة التي تدخل القلب مباشرة، وأعرب عن اعتقاده بأن الولايات المتحدة تلقى الكثير من الازدراء على مستوى العالم .

وفيما يلي نص المقابلة:

حدثني بالسبب الذي جعلك تجتذب إلى حياة من الإبداع سواء ككاتب أو فنان؟

لقد عشت أمارس الرسم كهواية طوال حياتي، من دون أن أقيم معارض أو أي شيء آخر، فهو شيء جذاب، وأنا أوصي الجميع بالقيام به. وأنا أقول للناس دائماً: مارسوا الفن بغض النظر عن جودة رسمكم أو عدم جودته، لأنكم عندئذ ستكون لديكم تجربة التحقق، وستجعل روحكم تنمو، وذلك يشمل الغناء، الرقص، الكتابة، الرسم والعزف على آلة موسيقية.

في غمار عملية صيرورتك هذه، منحت العالم الكثير من المرح والدفء. وذلك أمر مهم. أليس كذلك؟

لقد سألت ابني مارك عن معنى الحياة في اعتقاده، فقال: «إننا هنا لكي يساعد كل منا الآخر على اجتياز هذا الشيء كائنا ما كان». وأعتقد أن هذا يعبر عن الأمر على أفضل وجه.

ويمكنك القيام بهذا باعتبارك ممثلاً كوميدياً، أو كاتباً أو رساماً أو موسيقياً، وابني طبيب أطفال، وهناك بعض الأشياء التي تساعد في هذا الصدد، والموسيقيون يقدمون هذه المساعدة لي، وأتمنى لو أنني كنت واحداً منهم، لأنهم يساعدون كثيراً، يساعدوونا على اجتياز ساعتين.

بعد أربعين عاماً من اصدارك رواية «السلخانة ـ 5»، لايزال الناس يحبون قراءة كتبك. لماذا تعتقد أن كتبك تتمتع بهذه الجاذبية المستمرة؟

لقد سبق لي أن أوضحت ذلك من قبل، فأنا أكتب بصيغة طفل، وذلك يجعلني مقروءا في المدارس الثانوية، فليست لديّ جمل كبيرة كثيرة .

عندما نشرت روايتك «زلزال الزمن» قبل عشر سنوات، قلت إنك متقاعد بصورة أساسية باعتبارك كاتباً. وقد أصدرت كتابين يضمان مقالاتك منذ ذلك الحين وهما «ليباركك الله يا دكتور كيفوركيان» و«رجل بلا بلد». ترى هل أصبحت الفنون البصرية بديلاً للكتابة في حياتك؟

حسناً، إنها شيء أقوم به في شيخوختي، وكما تعرف فإنني أقاضي إحدى شركات السجائر لأن انتاجها لم يقتلني بعد.

أهي عملية إبداعية مختلفة بالنسبة لك أن تجلس لتكتب أو تلتقط الفرشاة لترسم؟

لا. لقد اعتدت القيام بالتدريس في إطار ورشة للكتابة في جامعة أيوا في الستينيات من القرن الماضي، وكنت أقول في بداية كل فصل دراسي: «الموديل النموذجي»، وأنا أجلس وأنتظر رؤية ما بداخلي، وهذه هي الحالة بالنسبة للكتابة أو للرسوم، ثم يخرج ما أنتظره.

وهناك أوقات لا يخرج فيها شيء. وقد سألت الفنان التعبيري التجريدي جيمس بروكس عما تعنيه اللوحات بالنسبة له، فقال: «إنني أضع لمسة الفرشاة الأولى على القماش ثم يتعين على القماش القيام بنصف العمل». هذا هو مدى جدية الرسامين، فهم ينتظرون من أقمشة اللوحات القيام بنصف العمل.

إننا نعيش في عالم بصري للغاية. هل بقيت أي قوة للكلمات؟

كنت في ندوة، منذ سنوات، مع صديقي جوزيف هيللر ووليام ستايرون وكنا نتحدث عن موت الرواية وموت الشعر، وأشار ستايرون إلى أن الرواية كانت على الدوام شكلا فنياً نخبويا، فهي شكل فني لقلة محدودة للغاية من الناس، لأن قلة محدودة هي التي يمكن أن تقرأ بشكل جيد، وقد قلت إن فتح رواية هو وصول إلى قاعة موسيقى واستلام آلة الغيولا الموسيقية.

حيث يتعين عليك أن تعزف، أن تحدق في خطوط أفقية من رموز الصوتيات والأرقام العربية وأن تكون قادراً على وضع استعراض في ذهنك، وهذا يقتضي من القارئ أن يؤدي، وإذا كان بمقدورك القيام بذلك فإن بوسعك الذهاب لصيد الحتيان في جنوبي المحيط الهادي مع هرمان ملفيل أو متابعة مدام بوفاري وهي تحيل حياتها في باريس إلى فوضى.

أما في حالة الصور والأفلام فإن كل ما عليك القيام به هو أن تجلس هناك وأن تنظر إليها وهي تحدث لك.

قبل سنوات عدة، قلت إن وظيفة الكاتب هي استخدام وقت شخص غريب بطريقة تجعله لا يشعر بأن وقته قد تم إهداره. وهناك الكثير من الطرق التي يمكن لغريب أن يقضي بها وقته هذه الأيام.

ذلك صحيح. فهناك كل هذه الأشياء الأخرى التي يمكن توظيف الوقت فيها، وقد اعتاد الناس أن يتساءلوا عما سيقومون به في الشتاء، ثم يجئ كتاب فخم، كتاب فخم ورائع، ويعكف الجميع على قراءته لتزجيه الوقت، وكانت تلك تجربة بدائية للغاية قبل التلفزيون، حيث كان الناس ينظرون إلى الجير المطبوع على الورق.

وقد نشأت أنا نفسي في وقت كان المذياع مهما للغاية، وكنت أعود إلى الدار من المدرسة، وأقوم بتشغيل المذياع، وكان هناك ممثلون كوميديون مضحكون وموسيقى مدهشة، ومسرحيات، وقد اعتدت إزجاء وقتي بالمذياع، والآن لست بحاجة إلى التخلص من الأمية لكي تقضي وقتاً ممتعاً.

لقد قلت إن التلفزيون واحد من أكثر الأشكال الفنية قابلية للحياة في العالم اليوم.

حسناً، إنه كذلك، وهو يعمل كالحلم، وهو أسلوب لاجتذاب الاهتمام، وهو جيد في تحقيق ذلك، وبالنسبة للكثير من الناس فإن التلفزيون هو الحياة ذاتها.

هل هناك كتاب تعكف على تأليفه الآن؟

لا، أنظر، إنني في الرابعة والثمانين من العمر، وقد اعتاد كتاب الرواية والقصة أن ينجزوا أفضل أعمالهم وهم في الخامسة والأربعين من العمر. ولاعبو الشطرنج الكبار يصلون إلى سمت إبداعهم وهم في الخامسة والثلاثين من العمر، وكذلك الحال بالنسبة للاعبي البيسبول.

هناك الكثير إذن ما هي اللعبة التي تؤديها الآن؟

إن بلادي تعاني من الدمار، ولذا فإنني أجد نفسي سمكة في وعاء مسموم للأسماك، وأنا في الغالب أشعر بالاختناق حيال هذا، وكان ينبغي أن يكون هناك أمل.

فأميركا كان ينبغي أن تكون بلداً عظيماً، ولكننا نتعرض للازدراء على امتداد العالم الآن، وقد كنت امل في بناء بلد وأن أضيف إلى أدبه ولهذا خدمت في صفوف المؤسسة العسكرية الأميركية خلال الحرب العالمية الثانية، ولهذا ألفت كتباً.

منى مدكور