كانت أفلام الأبعاد الثلاثة - أو كما كان يُطلق عليها السينما المجسّمة ـ رائجة في الخمسينيات من القرن الماضي، لأن السينما بدأت مرحلة التجريب، فقد استهوت الأبعاد الثلاثة قلوب جمهور السينما آنذاك إلا أن هذا النظام التصويري سرعان ما تلاشى أمام السينما المفكرة والخيالية التي لم تعد تركز على التقنية بقدر ما تركز على إبهار فكر الجمهور وخياله.
الأفلام ذات الأبعاد الثلاثة تجتاح الشاشة حالياً مثل (التنين) و(صدمة التنين) و(آليس في بلاد العجائب) مما دفع بمخرجي هوليوود إلى إخراج هذا النوع من الأفلام، وأدرجت الصالات السينمائية العالمية نحو أكثر من 40 فيلماً مصوراً بنظام الأبعاد الثلاثة على جدول عروضها. ماذا يعني ذلك؟ هل تغيّرت الذائقة الفنية لدى الجمهور السينمائي أم أنها محاولة لإنقاذ السينما من الركود؟ منذ أن اخترع الأخوان «لوميير» لويس وأوغست السينما عام 1895، سعت إلى تجسيد الواقع، بدأت السينما صامتة ثم عرفت الصوت عام 1927 ثم بعدها بأقل من عشر سنوات تم التلوين، ومن ثم أصبحت السينما المجسمة أي السينما ذات الأبعاد الثلاثة. ما هو نظام التصوير بالأبعاد الثلاثة يا ترى؟ وما هي أبرز تقنياته؟
هو بكل بساطة، تقنية سينمائية تجريبية اعتمدت أول ظهورها في الخمسينيات على ابتكار العمق وتجسيده، وإضفاء بعد ثالث على الصورة التي تتمتع بالبعدين الأفقي والعمودي المعتاد، وهذا ما يتيح الخروج الوهمي من الشاشة المسطحة. وهو جوهر السينما، أي أن العناصر الموجودة في الفيلم والمتحركة تترك مكانها داخل الفيلم وتأخذ مكاناً آخر خارجه، وهكذا يتولد الوهم بأن الصخرة المتدحرجة أو القطار المنطلق أو الطائرة المتهاوية كأنها تسقط على رؤوس الجمهور في الصالة أو الورود تنبت بين مقاعد الصالة السينمائية.
فيتحول الفيلم إلى فضاء حقيقي، ممتد إلى ما لا نهاية، تماما كالحياة. لذا فإن السينما ذات الأبعاد الثلاثة تسعى إلى هدم الهوة الحاصلة بين الواقع والحياة، وهي نجحت في ذلك إلا أن الجمهور تخلى عن هذه اللعبة السينمائية لصالح الفكر والتأمل. بدأ اختراع الصورة ذات الأبعاد الثلاثة من قبل المخرج البريطاني الرائد وليام فريز ـ غرين الذي صنع أول فيلم بأبعاده الثلاثة.
ولكي يجسد الأبعاد الثلاثة، قام بعرض فيلمين في آن واحد على الشاشة جنباً إلى جنب. وكان الجمهور ينظر من خلال ستريوسكوب. وفي 10 يونيو من عام 1915 قدم كل من وليام اس. بورتر، ووليام أي.
واديل تجارب في هذا الميدان على مسرح آستور في نيويورك. وقدما نماذج من هذه الأفلام وهي عبارة عن الرقصات الشرقية وألعاب كرة القدم وشلالات نياغارا. ومن أوائل الأفلام ذات الأبعاد الثلاثة فيلم (قوة الحب) الذي قدمه مسرح لوس أنجلوس في ال27 سبتمبر من عام 1922.
المبدأ آنذاك، كان - ببساطة - التلاعب في المسافة بين العينين اليمنى واليسرى عبر استخدام كاميرتين متباعدتين بسنتيمترات قليلة. هذا المبدأ العلمي يتعلق بالأسس البصرية ذاتها وكيفية استقبالها لصور وهمية عند عرض الصورة من زوايا محددة.
المختلف هو كل الآليات التقنية المبنية على هذا المبدأ والتي استنبطت القدرة على تحوير أكثر اكتمالاً لما يصور بالكاميرتين، وبل تطوير ما يصور بكاميرا واحدة لتحويله إلى بعد ثالث كما الحال مع (تايتانيك) وبضعة أفلام أخرى قد يكون من بينها (جوز 3) الذي كان ستيفن سبيلبرغ أنتجه والجزءان السابقان له بالبعدين العاديين، بل إن اليابانيين والصينيين يجرون حالياً تجارب على نظام أبعاد ثلاثي بعدم استخدام النظارات الخاصة.
ولكن عالم السينما هو كذلك، وتقنياتها المتعددة تظهر وتختفي حسب تطور الذائقة، وربما لولا هذه العودة إلى نظام الأبعاد الثلاثة لتكبدت هوليوود خسائر فادحة. فقبل نحو عامين، عادت سينما الأبعاد الثلاثة مع فيلم (أفاتار) الذي حقق نجاحا تجاريا استثنائيا في تاريخ شباك التذاكر، قام مخرجه جيمس كاميرون صاحب فيلم (تايتانيك) الشهير بتحديث نظام الأبعاد الثلاثة إلى أقصاه مما جعله يتفوق على أفلام سابقة تمّ تصويرها بنظام الأبعاد الثلاثة ذاته مثل فيلم:
(بولار اكسبرس) و(كورالاين) و(مونسترز) و(فوق) و(يوم الحب الدموي) و(رحلة إلى مركز الأرض). ويأمل صناع السينما في أن تساعد موجة أفلام البعد الثالث وأفلام التسلية والمقتبسة عن أعمال أدبية شركات الإنتاج مثل الجزء الثاني ل(الرجل الحديد) و(روبن هود)و(شريك للأبد) و(برينس أوف بيرجا) وغيرها من الأفلام.
رحلة (أليس) تؤكد أن الخطوة التي تحيل الأفلام إلى الأبعاد الثلاثية قادمة بقوة لأنها تستند إلى رغبة تزداد معدلاتها داخل مشاعر الجمهور، وإذا كان (أفاتار) خيالا علميا و(أليس) فيلما للأطفال، فإن هذا لا يعني أن سينما الأبعاد الثلاثة لن تقتحم كل المجالات وليس فقط سينما الخيال العلمي والأطفال، بل إنها ستؤدي إلى رغبة في إعادة مشاهدة عدد من الأفلام القديمة بأبعاد ثلاثية مثلما حدث عندما دخل اللون إلى السينما، تم تلوين عدد من أفلام الأبيض والأسود وأعيد عرضها ملونة، وهكذا سيعاد تقديم عدد من الأفلام القديمة بعد معالجتها علميا لتتحول إلى أبعاد ثلاثية.
تقنيات الخمسينات
تقنية الأبعاد الثلاثة عرفنا موجاتها المتتالية مرةً في بداية الخمسينات ومرةً في أواخر السبعينات من القرن الفائت. ها هي تطلّ برأسها مجدداً. لكن الثالثة قد تكون ثابتة: سينما ثلاثية البُعد تعود هذه المرة بخطوات ثقيلة وواثقة، متداركة الأخطاء التي ساهمت ماضياً في زوالها المؤقت. فبلوغ التقنيات الرقمية الحديثة مرتبة عالية من الكمال سيسهل إمرار هذه الظاهرة التي خاطبت بدءاً الأطفال لتنتقل تدريجياً إلى الكبار. الأبعاد الثلاثة يُعتبر أهم حدث سينمائي منذ اختراع الألوان.
ولكي تعيش السينما، يجب عليها إشباع رغبات الجيل الشاب من الجمهور، وليس بعيداً أن تُزود جميع صالات السينما بأجهزة عرض الأفلام مجسّمة. وتعتمد هذه التقنية على عرض فيلمين يظهران على الشاشة بصورة مغوشة. وهنا سترى العين اليمنى ما تم تصويره بالكاميرا اليمنى والعين اليسرى ما تم تصويره بالكاميرا اليسرى فإذا ما تم تزويد العينين بنظارة ملوّنة ترجم المخ الصورة الجامعة إلى ثلاثة أبعاد؟
يمثل نظام الأبعاد الثلاثة عودة السينما إلى جذورها، حيث عُرض أول فيلم قبل 114 عاماً في ال(غراند كافيه)، حيث تعيدنا الأبعاد الثلاثة، بمنحها الشاشة عمقاً واقعياً (سواء إلى الخلف أو عبر ملامسة وجه المتلقي) لسينما الأخوين لوميير وحادثة هروب المشاهدين من الصالة بعد خشيتهم من أن يدوسهم القطار في فيلم (دخول القطار إلى المحطة). تعيدنا هذه السينما إلى مفهوم الجماليات وتشكيل اللقطات.
وهناك البعد الاقتصادي الذي يتحكم في الإنتاج السينمائي إذ أصبح نظام الأبعاد الثلاثة هو المحرك الأساسي للسينما. وانتقلت السينما من الصامت إلى الناطق، ومن الأسود والأبيض إلى الألوان.
وها هي تستعيد أمجادها عن طريق أباطرة الكومبيوتر، الذين يتحكمون بمستقبل سينما الأبعاد الثلاثة. هذه السينما ستجعل من السينما المفكرة لعمالقة سينما المؤلف إلى تسلية أطفال.
افلام جديدة
عندما افتتح مهرجان (كان) دورته السابقة بفيلم (آب) ثلاثي الأبعاد لأول مرة، ظهر وكأنه يدشن هذا الاتجاه، مما أدى إلى أن الكثير من دور العرض بدأت الاستعداد لاستقبال هذا النوع من الأفلام، مع تغيير تقنية العرض لتتواءم مع هذا الوافد الجديد. عالمنا العربي يتقدم بخطى واضحة في هذا الاتجاه، سواء في دول الخليج أو مصر ولبنان، حيث إن عدد شاشات العرض الصالحة لاستقبال هذه النوعية تضاعف خلال عام.
شاكر نوري


