يعد الأثر النحتي بشقيه: الحجري أو الصالوني، والنصبي، من المظاهر الحضاريّة الهامة في أي بلد، وإذا كانت حضارة الدول، تُقاس بطول السكك الحديديّة لديها، فإن جمال الدول وحضارتها وتقدمها، يُقاس أيضاً بما لديها من تماثيل فراغيّة، ونصب تذكاريّة، ذلك أن أجمل المدن والبلدات تلك التي تستقبلك بإبداعات فنانينها ومزخرفيها ومبدعيها.

فلطالما عُرفت المدن واشتهرت من خلال هؤلاء، وعبر أعمالهم الخالدة التي ترصع شوارعها وساحاتها ومداخلها وعمارتها، فقد ارتبط النحت، ومنذ القدم، بالعمارة وتنظيم المدن، ومازال يؤدي هذا الدور. كان فن النحت ومازال، من أصعب وأجمل أنواع الفنون التشكيليّة التي تضم أيضاً: الرسم والتصوير والحفر المطبوع والإعلان والتصميم الغرافيكي. وهو إلى جانب عتاقته، يبقى اللغة البصريّة التعبيريّة الأقوى حضوراً في الواقع، والأكثر وسامة ومهابة. كان ذلك في الأزمنة الغابرة، وسيبقى كذلك في الآتي من الأيام، فهو لغة التعبير المجسمة، المقاربة للهيكليّة الإنسانيّة، تمتاز بالحساسيّة المفرطة، والقدرة الكبيرة على التأثير في عواطف الناس، لا سيما إذا ما سكنت بينهم، وصافحت عيونهم جيئةً وذهاباً.

فهذه اللغة البصريّة التعبيريّة الرفيعة، ورغم حساسيتها المفرطة، لا تحتمل العيش خارج الواقع الذي يشغله الناس. وهي لكي تأخذ كامل أبعادها الجماليّة والتعبيريّة، لا بد لها من أسس ومقومات، كالفراغ المناسب لحجمها وشكلها ووظيفتها، بحيث تستطيع التنفس فيه، بحرية، وتأخذ أبعادها كاملة.

كما يلزم لغة النحت الموقع الملائم القريب من الناس القادرة من خلاله، على أن تقدم نفسها للناس، بشكل جديد، مع حركة الضوء، وتبدل الفصول. فالنحت العظيم هو الذي يتمرأى بعيون السابلة، ويتعطر بأنفاسها، ويكون أقرب إلى مداركها وأذواقها وأيديها.

ولأن لغة النحت الأصيلة الخالدة، هي الأقوى حضوراً ووسامةً ومهابةً، بين الفنون البصرية جميعها، وبناءً على قربها القديم _ الجديد من الناس وأماكن تواجدهم الدائمة، فهي ضد الأبواب المغلقة، والأسوار المظلمة. إنها مع الفراغ، والعراء، ولفح الريح، والمطر.

تناسبها الحقول والرياض والشوارع والساحات ومداخل المدن وبواباتها. تتألق تحت لفح الشمس، وتغازل المطر، وتتأكد في الأمكنة المنظمة، المرتبة، النظيفة، المزدانة بالعشب والورود والشجر. في هكذا أمكنة، وبهكذا شروط ومقومات، تبرز عظمة فن النحت، ويتأكد دوره، ويأخذ بعده الكامل تأثيره على الناس. وفي هكذا أمكنة، وبهكذا شروط، يستطيع هذا الفن التجدد والتألق.

ماهية فن النحت

فن النحت من الناحية التجريديّة، هو أحد اثنين من الفروع الأساسيّة في الفنون التشكيليّة التي تنحصر في نوعين فقط هما: النحت والرسم. أي فن التعبير بالمجسمات، وفن التعبير بالمسطحات، لذلك فالرسم والنحت هما المادتان الرئيستان التأسيسيتان في تعليم الفنون التشكيليّة بفروعها المختلفة.

والنحت بمفهوم عام: هو كل مجسم من عمارة، إلى دولاب، إلى طائرة، إلى صاروخ، إلى كرسي، إلى تمثال ... الخ. إنه المادة التأسيسيّة في التدريب على أسس التصميم في كل ما هو مجسم.

أما النحت بالمفهوم المباشر، فهو الفن الذي خلّد لنا القيم الحضاريّة، بإمكاناته وخاماته التي عايشت الزمن، وتحدت القرون، لتحفظ للإنسان شخصيته القادرة دائماً على صنع الحضارة بما فيها من قيم ماديّة وروحيّة.

بعبارة أخرى: النحت أحد أهم الوسائل التي تحدت الزمن، لتدعم أملنا وقدرتنا واعتزازنا بتراث أجدادنا ومعلمينا، الباعث على الاستمرار في الحياة، والقدرة على الخلق الجديد، والابتكار الدائم، إنه بعبارة موجزة: فن الخلود.

الفن الثاني في الظهور

فن النحت هو ثاني الفنون في الظهور تاريخياً. هو الفن الكلاسيكي بالتعريف، في مقابل رمزية فن العمارة الذي هو أسبق الفنون إلى الظهور، وأكثرها ارتباطاً بالمادة غير العضويّة. والمثاليّة الكلاسيكيّة لفن النحت، تكمن في أنه أول فن يُحوّل المادة الثقيلة الكتيمة، إلى شكل حي، ونتاج حر لروح الفنان.

فمع النحت يُتاح للداخليّة الذاتيّة الإنسانيّة، ولأول مرة، أن تُعبّر عن نفسها من خلال المادة غير العضويّة بالذات، سواء أكانت خشباً أم رخاماً أم معدناً. وفي الوقت الذي تناضل فيه العمارة المقيدة بقوانين الثقالة، للاقتراب من حرية التعبير الروحي، يُسجّل النحت أو عودة مظفرة للروح إلى ذاتها، وإن تحت غلاف جسماني.

فن النحت، لا يُعبّر عن الأحاسيس الاجتماعيّة فحسب، بل وعن الخصائص البدنية لجسم الإنسان، أي عن القوة، والحذاقة، وشدة التحمل لدى الرجال، وعن الرقة والرهافة لدى النساء والأطفال. ويؤدي التعبير عن أحاسيس البشر وإرادتهم في فن النحت، إلى جعل التصوير الحجمي للبشر، يبدو محاكاة للحياة، وانبعاثاً للروح في الحجر أو المادة الأخرى التي صقلها الفنان.

من جانب آخر، يساعد وضع المنحوتة في الزمان والمكان الفنيين، على التعبير عن العالم الروحي للبشر. وللمنحوتة، تمثالاً مفرداً كانت أم مجموعة تماثيل، حجم ملموس، وأبعاد ثلاثيّة، بيد أن المكان الفني للتمثال مثلاً، لا يطابق المكان الواقعي، الأمر الذي يجعل القاعدة تُعبّر في العادة. والشخصية التي يجسدها التمثال تخلق شعوراً بوجودها في مكان آخر يطابق الحدث المجسم أو المصور، والأحاسيس المُعبّر عنها.

كما أن للمنحوتة زمانها الفني، فالتمثال الجامد الذي يُصوّر المظهر الخارجي لأحاسيس الإنسان، يبد محاكاة لأحاسيس وحياة البطل الممتدة في الزمن. وعلى الرغم من أن التمثال أو مجموعة التماثيل، تصور لحظة واحدة في حياة أو نشاط الأبطال، أثناء العمل، أو ممارسة الرياضة، أو ضمن وضعيات أخرى، فإن حركة البطل في الزمان تتجسد بوساطة التعبير المتزامن مع مختلف لحظات الحركة.

لذا فإن استيضاح مغزى الصورة الفنيّة في المنحوتة الدائريّة، يتطلب تفحصاً متسلسلاً في الزمان، وفي سياق هذا التفحص، تبدو مختلف جوانب التمثال (الأمام، الخلف، الجانب) للمتلقي متفاوتة زمنياً وحركياً.

النحت والفنون الأخرى

الرسم والشعر هما وحدهما من سائر الفنون اللذان يصلحان للمقارنة مع النحت. فسواء أكان أمامنا تمثال مفرد، أم مجموعة من التماثيل، فإن ما ينتصب أمامنا هو الشكل الروحي في جسمانيته التامة، الكاملة. أي الإنسان كما هو كائن.

هكذا يبدو النحت وكأنه تمثيل الروحي الأكثر أمانة، والأكثر مطابقة للطبيعة، بينما يتبدى الشعر والرسم وكأنهما غير طبيعيين، ولأن الرسم لا يستخدم من الكليّة الحسيّة للمكان الذي يشغله فعلاً الشكل الإنساني وسائر موضوعات الطبيعة سوى السطح أو المساحة وحدها.

ولأن اللغة لا تستطيع التعبير عن الجسماني، بل إيصال التمثلات الخاصة به بوساطة الصوت وحده. أما في الواقع، فإن العكس هو الصحيح. فإن كان من حق الشكل النحتي بالفعل أن يعتز بطبيعته، فإن الخارجيّة الجسمانيّة، وهذه الطبيعيّة المتمثلتين بالمادة الثقيلة، لا تعبران عن طبيعة الروح من حيث هو روح.

وبالفعل إن هذه النتيجة لا سبيل لإحرازها إلا بأقوال وأفعال تشكل تطور الروح، وتظهر للعيان كما هي. وبدلاً من أن يستخدم النحت في تعابيره تظاهرات رمزيّة تتضمن محض إلماعات وإشارات إلى الروحي، يلجأ إلى استعمال الهيئة الإنسانيّة التي تمثل الوجود الفعلي للروح، كذلك فإنه يكتفي، في تمثيل الذاتيّة الفارغة من الإحساس والنفس غير المتخصصة بالهيئة كما هي. أي أي فارغة من الذاتيّة، ولهذا السبب أصلاً، يمثل النحت الروح موضوعياً، إن جاز القول.

نحت الشرق ونحت الغرب

يتميز الفن الشرقي عموماً، وفن النحت على وجه الخصوص، بميله إلى الأشكال العملاقة التي تفوق المعدل الإنساني، وإلى الرموز الغامضة، والمطابقة بين الصفات الإنسانيّة وقوى الطبيعة العفويّة.

أما النحت الغربي عموماً، والإغريقي خصوصاً، فقد قدم الشكل العادي الذي ينتصر لمهاراته الإنسانيّة المجردة، وبالقوة العضليّة لجسمه غير الكبير، وإنما القادر على القيام بشتى الأعمال، ضمن حالة من التوافق والانسجام. لذا فإن النحت الإغريقي، سعى إلى المقاييس الإنسانيّة في كل شيء، والصورة المحببة لديه، هي صورة الشاب الرياضي.

وهكذا فإن الصورة النحتيّة للبطل في النحت اليوناني، في الفترة الكلاسيكيّة، تبدو وكأنها صورة المجموع بكامله، وهي تحمل عواطف وصفات جماعيّة أكثر منها فرديّة. ولم يكن بغريب على النحت اليوناني، التحليل النفسي، وكان متمكناً تمكناً رائعاً من لغة الحركات الروحيّة، فتماثيل الفتيان المنحوتة على أفريز البارفيتون تعود إلى نموذج إنساني معمم واحد. والنحت الكلاسيكي الإغريقي غير شخصي في الأساس، ومن هنا جاءه الضعف النسبي في ملامح الوجوه.

وللنحت تكويناته الخاصة، فقد كان النحاتون في مصر القديمة واليونان القديمة، يعتمدون التكوين الأساسي الذي يوحي بالشموخ والعظمة والأبهة، وتوزع العناصر الفنيّة لمثل هذا التكوين على شكل يراعي مركز التوازن الذي يمر عبر المحور العمودي للشكل.

الفن الخالد

والحقيقة، لا شيء يستطيع أن يعكس انسجام الروح الإنسانيّة بنفاذ ويقين مثل عمل النحات، والنحات بالذات، بوساطة النحت، يُوقف اللحظة إلى الأبد: يرسم صورة الزمن في حالته التي لا تتكرر، مطيلاً تأثير سياق حياتنا السريعة الجريان، في أعمال فن خالد.

ويبدو أخيراً، أن السبب في شعورنا بالإعجاب غير الإرادي إزاء أعمال النحت التي وصلت إلينا من أزمان موغلة في القدم، هو أنها خلدت أشخاصاً ونماذج للأزمان البعيدة، لا تُعبر فقط عن انفراد الشخصيّة، بل وعن شيء أكثر بكثير من الجوهر الاجتماعي للعصر: ملامح التاريخ والثقافة وفن الجمال.

محمود شاهين